سقوط الاعتقاد بوهن المقاومة وتبخر الشعور الإسرائيلي بالأمن

سقوط الاعتقاد بوهن المقاومة وتبخر الشعور الإسرائيلي بالأمن

حسين عطوي
2004-09-19

صفحة جديدة عودة العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة بعد فترة من التوقف قاربت الستة أشهر أعادت خلط الأوراق من جديد وأسقطت الكثير من التحليلات والتوقعات التي اعتقدت أن المقاومة…

صفحة جديدة 2

عودة العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة 1948 بعد فترة من التوقف قاربت الستة أشهر أعادت خلط الأوراق من جديد وأسقطت الكثير من التحليلات والتوقعات التي اعتقدت أن المقاومة الفلسطينية قد ضعفت بعد أن وجهت إليها ضربات قاسية تمثلت في اغتيال أبرز قادتها وهما الشيخ احمد ياسين والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي.

وسقط مع هذه التحليلات والتوقعات الكثير من الحسابات التي بنيت على أساسها حيث انتعشت المشاريع التي تدعو إلى وقف المقاومة تحت شعار أن لا أمل منها وأن الطريق مسدود أمامها في ظل الحصار الذي تتعرض له من جهة وعمليات الاغتيالات والتصفية والتدمير وبناء جدار الفصل العنصري من جهة ثانية، وإذا كانت العملية الاستشهادية المزدوجة التي نفذت أخيراً في منطقة بئر السبع في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 قد أسقطت مثل هذه الاعتقادات والحسابات إلا أنها في المقابل قد أبرزت جملة من الدلالات والنتائج التي لا بد من التوقف عندها وأبرزها

أولاً تبخر الشعور الإسرائيلي بالثقة والطمأنينة والأمان الذي تولد نتيجة توقف العمليات الاستشهادية فترة من الزمن وبالتالي توجه ضربة جديدة لسياسة الأمن الإسرائيلية التي يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون في حربه ضد المقاومة الفلسطينية مما يعني مزيداً من الفشل في القدرة على تحقيق الأمن للإسرائيليين رغم كل ما قام به من إجراءات أمنية وتصعيد في حربه ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته، وهذا الفشل يعني أن هناك شعوراً خادعاً ارتسم في الوسط الإسرائيلي اعتقد أن الفلسطينيين لم يعودوا قادرين على تنفيذ عمليات كبيرة في العمق الإسرائيلي وهو ما حذرت منه دوائر سياسية وأمنية إسرائيلية غير مرة حيث حذرت من الركون لهذا الشعور ودعت شارون إلى استغلال الوقت لإجراء محادثات مع الفلسطينيين لتغيير الأجواء غير أن هذه النصائح لم تلق آذانا صاغية لدى شارون الذي اعتقد أن الإجراءات الأمنية إلى جانب مواصلة بناء جدار الفصل العنصري كافية لمنع العمليات ودفع الفلسطينيين في نهاية المطاف إلى التسليم بالشروط الإسرائيلية.

ثانياً ظهر بوضوح أن "إسرائيل" تستطيع أن تضع الكثير من العراقيل وأن تقتل يومياً الكثير من الفلسطينيين وأن تضاعف من ظروف حياتهم السيئة وأن تعتقل العشرات منهم وتغتال كوادر وقيادات من صفوفهم لكنها لا تستطيع منع استمرار المقاومة والحيلولة دون تمكنها من تجاوز كل الصعاب والعوائق التي تضعها "إسرائيل" أمامها، بل إن هذه السياسات الإسرائيلية إنما تعزز المقاومة وتزيد من التفاف الشعب الفلسطيني حولها وبالتالي فإن الحل الأمني والقمع والإرهاب واستخدام كل وسائل القوة والقهر ليست قادرة على وضع حد لانتفاضة ومقاومة الشعب الفلسطيني المتواصلة منذ أربع سنوات. وفي هذا الإطار تقول صحيفة يديعوت أجرونوت «ما دام الفلسطينيون مضطرين إلى العبور على الحواجز بين منطقة وأخرى وما داموا يضربون ويهانون على أيدي الجنود فإن العنف سينمو ويطغى».

وتضيف «فليس السؤال عما إذا كانت الوسائل العسكرية كافية للقضاء على الإرهاب أو أنه يجب اتخاذ مبادرة سياسية أيضاً، لقد اتخذت مبادرة شبه سياسية ولكنها ليست تجيب عن المشكلة الصعبة معرفة الشعبين بأنه يمكن الوصول إلى تسوية بالقهر فقط، إذا أردتم أن تفرضوا علينا تسوية ليست مقبولة لدينا، يقول الفلسطينيون، فسنرد بكل الوسائل التي في حوزتنا وبالعنف أساساً».

ثالثاً بالرغم من أن المقاومة الفلسطينية لم تتوقف أو تهن في الشهور الستة الماضية حيث نفذت عمليات نوعية كبيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة ضد قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي وجرى تطوير الصواريخ التي تقصف المستعمرات لتصل إلى مدى أبعد وتضرب مستعمرات في الأراضي المحتلة عام 48 إلا أنه ساد اعتقاد بان العمليات الاستشهادية هي الأساس لأنها الأكثر إيلاماً للإسرائيليين وتدلل على قدرة المقاومة على إيجاد نوع من توازن الرعب في مواجهة أعمال القتل والإرهاب التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية.

ومع ذلك فإن هذه العمليات وأن توقفت فترة من الزمن فليس لأن المقاومة تراجعت قوتها أو إنها لم تعد قادرة على الرد إنما لأنها كانت تعيد بناء بنيتها على نحو تستطيع معه مواجهة التكتيك والتصعيد الإسرائيليين وبالتالي تكون قادرة على استئناف هجماتها المزدوجة في بئر السبع التي تميزت بقدرة المقاومة على الاستطلاع الدقيق واختيار منطقة ضعف عند العدو وتضليل أجهزة الأمن الإسرائيلية بشأن المكان الذي ستنفذ فيه العملية رغم وجود عشرات الإنذارات لديها واستطرادا قدرة المقاومة على اختراق كل الإجراءات الأمنية الإسرائيلية المشددة.

وقد اعترف وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي تساحي هنغبي بذلك عندما قال إنه اعتباراً من اليوم بئر السبع ستدخل هي الأخرى قائمة المدن المهددة وإن الحكومة ستعيد النظر في آلية حراسة المواصلات العامة في بئر السبع.

فيما أقر قائد اللواء الجنوبي في الشرطة الإسرائيلية بأنه «ليست لدى الشرطة إنذارات عينية».

رابعاً إن العملية الاستشهادية في الوقت الذي أدت فيه إلى إعادة إحياء الشعور بفقدان الأمن لدى الإسرائيليين وسيادة الذهول والصدمة في أوساطهم فإنها أسفرت عن بعث حالة الثقة والإيمان لدى الشعب الفلسطيني بقدرة مقاومته على الاستمرار والرد على العدوان الإسرائيلي المتواصل ووجهت ضربة للتيار الذي كان يتحفز للتخلص من المقاومة وهو ما ظهر من خلال المحاولة الأخيرة لتيار أبو مازن محمد دحلان للانقلاب على سلطة عرفات وصولاً إلى تهيئة الوضع الفلسطيني للقبول بالشروط الإسرائيلية بوقف المقاومة والانتفاضة والتسليم بالحل الشاروني.

خامساً تبدو حكومة شارون وقد استنفدت كل ما في جعبتها من وسائل في مواجهة المقاومة والانتفاضة وهو ما دفع المعلقين الإسرائيليين إلى القول إن القضية ليست ما إذا كانت "إسرائيل" ستتحرك عسكريا أم لا وإنما ما الذي ستفعله فالتحرك العسكري الإسرائيلي سيتركز الآن في الخليل المكان الذي ينتمي إليه منفذا العملية الاستشهادية المزدوجة.

وقد ذكرت الصحف الإسرائيلية في تعليقاتها بأنه ليس في جعبة الجيش الإسرائيلي وسائل لم يسبق استخدامها وأن الحل عملياً ليس بيد الجيش وإنما بأيدي السياسيين.

سادساً تسعير السجالات الإسرائيلية بشأن الخيارات التي ستسير فيها "إسرائيل" للخروج من المأزق المتفاقم أمام الانتفاضة والمقاومة في ضوء فشل الأسلوب الأمني حيث احتدم الجدال من جديد بين تيار يتقدمه زعيم حزب المفدال آفي ايتام ويدعو إلى الكف عن بذل الجهد لتنفيذ خطة الفصل وتوجيه كل القوى نحو محاربة ما أسماه بالإرهاب.

وتيار آخر يتقدمه شارون مدعوما بأغلبية في الكنيست الإسرائيلي يطالب بالإسراع في تنفيذ خطة الانسحاب الأحادي ويبدو أن العملية الاستشهادية سوف تزيد إصرار هذا التيار على تنفيذ خطة الانسحاب ورفض الاعتراضات الآتية من داخل الليكود إلا أن شارون يريد السير في الانسحاب لأنه لا يريد الدخول في أية تسوية ويحاول تحويل الانسحاب إلى محطة لفرض أمر واقع دائم يحول دون انسحاب "إسرائيل" إلى حدود 67 أو عودة اللاجئين الفلسطينيين ويعتقد أن الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة مع بقاء الاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري كفيل بتحقيق الأمن للإسرائيليين.

على أية حال فإن هذا الجدل والسجال الإسرائيليين حول أي الخيارات أفضل لإسرائيل سوف يتواصل ويشتد كلما تواصلت المقاومة وازدادت ضرباتها قوة وأدت إلى إحداث مضاعفات سلبية داخل الكيان الإسرائيلي.

والأمر المؤكد أن أي انسحاب إسرائيلي سوف يشكل نصراً للمقاومة وبالتالي دفعاً قوياً لاستمرارها وليس توقفها كما يعتقد الإسرائيلي، وما عجز عنه شارون أكثر الرموز تطرفاً في "إسرائيل" رغم توافر كل الظروف الدولية والعربية لصالحه لن يستطيع تحقيقه أحد آخر. صحيفة الوطن القطرية 18/9/2004

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026