نوط القدس المُهان في ذكرى الإسراء والمعراج

نوط القدس المُهان في ذكرى الإسراء والمعراج

د. حسن أبو حشيش
2007-08-13

منحنا الله نحن الشعب الفلسطيني العيش في رحاب القدس حاضنة المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة نستلهم من هذا الاسم وهذه المدينة كل معاني الانتماء والعزة والكرامة والصمود والتحدي…

منحنا الله نحن الشعب الفلسطيني العيش في رحاب القدس حاضنة المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة ,نستلهم من هذا الاسم وهذه المدينة كل معاني الانتماء والعزة والكرامة والصمود والتحدي والإباء , ونستلهم منها المحبة والتآلف والتعاون والخير , ونستلهم منها محاربة الشر والتشرذم والوقيعة وكل ما من شأنه تضييع الحق والكرامة .

واستمد الشعب الفلسطيني كل ذلك من تخليد المدينة ومعالمها في القرآن الكريم، حين تحدث عن الإسراء والمعراج , التي تنتعش ذاكرة الأمة -ونحن جزء منها- سنويا حيث تمر الذكرى في السابع والعشرين من شهر رجب العربي , وتنعش ذاكرتنا كلما قرأنا وتمعنا في آيات سورة الإسراء الكريمة . فعلى هذه المعاني تربينا , ومنها انطلقنا في مسيرتنا , وفي ظلالها الوافر تكونت دوافعنا ومصوغات سلوكنا. ولهذه المعاني كما أحسب وأظن أطلقت السلطة الفلسطينة اسم القدس على أعلى وسام شرف تمنحه السلطة وهو " نوط القدس " نسبة لقدسية المدينة , وتأكيداً على أنها عاصمة فلسطين الأبدية , وتأكيداً على استمرار البوصلة نحوها للأجيال المتعاقبة , لتبقى حية وحاضرة في الضمير والبصر والبصيرة.

 وهذا سلوك مُتبع كمنهج تقدير في كل الدول. حيث لا تُمنح مثل هذه الأوسمة إلا في نطاق ضيق , ولأشخاص قدموا شيئا مهماً ومتميزا خدم القضية والشعب , وكانت هذه الشخصيات على تماس مع العلم والإختراع والخدمة الجليلية , لدرجة أن منحها "نوط القدس " يشكل حالة من الإجماع , ولا اعتراض على ذلك , ولا تدخل المُماحكات والمُقامرات السياسية في معايير المنح والتقدير , إحتراما للاسم والمعنى والقيمة . ولا أُبالغ إذا ما قلت إن وسام " نوط القدس " لم يكن في ثقافة عامة الناس ولا في أجندة جزء كبير من خاصتهم , لأنه جوهرة وقيمتة معنوية ووطنية كبيرة , والتقدم نحو منحه لشخص ما بطيء جدا لخصوصية الأمر وغلاوته .

 ولكن الاسم اليوم بات موضة كبيرة , والكل من عوام وخواص الشعب الفلسطيني سمع وعلم به , وذلك بعد أن كثف الرئيس الفلسطيني محمود عباس منحه بشكل متسارع وبعيد عن قيمته الوطنية العامة , حيث هبطت معايير التقدير والمنح إلى أسفل الأسفلين , ولم يعد هناك رؤية ووضوح في ذلك , فمنذ إنهاء حالة الفلتان الأمني في قطاع غزة منتصف شهر يونية الماضي وما ترتب على ذلك في الميدان , وأبو مازن يمنح العشرات ممن سقطوا في الأحداث نوط القدس , وبعد أن كنا نسمع عنه كل فترة بعيدة , بتنا نسمع عنه يوميا وبكميات تُضاهي بضاعة السوق , وبشروط محددة أبرزها الانتماء لحركة فتح , وتنفيذ قرارات قتل ضد حركة حماس , تحت بند الدفاع عن شرعية الأجهزة الأمنية. 

وبذلك أهان أبو مازن هذا الوسام , وأفقده قيمته , ونزع عنه الوطنية الشمولية , وألبسه ثوب الحزبية , وأسقط عنه المهابة والإحترام, كذلك شرَع للجريمة ,وزين القتل , وبررالإجرام , وشجع الفساد والعربدة , ومنح صكوك الغفران والشرعية لعصابات الابتزاز والقتل والإرهاب على مدار اثني عشر عاما مضت , كما أنه حارب الفضيلة والخير , بحجة الشرعية , والدفاع عن البيت الفتحاوي، وكأن الشرعية والحفاظ على فتح يجب أن يكون على حساب حقوق وكرامة المواطنين , كما أنه بذلك يتلاعب في دماء الناس , وأحاسيسهم ومشاعرهم , وذلك بتكريمه ومنحه نوط القدس لشخصيات قتلت نفوس , وحرقت بيوت , ودمرت القيم والأخلاق , وعربدت في الشوارع , وسرقت الأموال , وأسقطت الناس أمنيا وأخلاقيا . إن هذه السياسة السوداء هي بمثابة مكافأة لهؤلاء على إجرامهم , وتشجيع غيرهم على الإقتداء بهم , ليقوموا بما قاموا به فيكرموا ويُمنحوا نوط القدس والرتب والنياشين , ولعل ما تقوم به حركة فتح من تشكيل خلايا عسكرية باسم أحد أبز دعاة الفتنة وممارسة القتل والإفساد في السنوات الأخيرة ( سميح المدهون) وتعليق صوره وصور غيره من القتلة على الهواء في الشوارع , والهتاف باسمه...هو ضمن هذه السياسة .

 قديما كانوا ينكرون علاقتهم بهذه الشخصيات , واليوم يكرمونهم ويجعلونهم مدرسة إجرام. وحين تتفاقم الأمور وتخرج عن السيطرة , ويهب الشعب للدفاع عن نفسه في الضفة والقطاع يتعرفون عليهم ويبدؤون ينظمون الخطب والقصائد الشعرية بعيدا عن حقوق العباد ومشاعرهم , لتحقيق مكاسب حزبية , وأجندات أمريكية وصهيونية . وفي المحصلة الذي يخسر هو كل العائلات المجني عليها والجاني .

فهل سيتحمل الرئيس أبو مازن وحركة فتح المسئولية حين تبدأ مجموعات سميح المدهون صاحب الملف الأسود عند الجماهير بالقيام بعمليات تخريبة في قطاع غزة , ويُكشف أمرهم وتُتخذ ضدهم إجراءات قانونية وقضائية ؟! أم سيمنحهم وقتها نوطا جديدا ؟!

عذرا يا مدينة القدس , عذرا يا نوط القدس , فتفاهة السياسة , وهبوط قيم الانتماء , وسيطرة الحزبية... أهانوا الاسم, ولكن لن يفلحوا , فالقدس بنوط وبدونه خالدة خلود الاسراء والمعراج.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026