المطلوب حشد الجهود العربية والإسلامية لدعم جهاد الشعب الفلسطينى

المطلوب حشد الجهود العربية والإسلامية لدعم جهاد الشعب الفلسطينى

رسالة محمد مهدى عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين
2007-08-11

فى مواجهة مؤتمر بوش دعا الرئيس جورج بوش الابن إلى مؤتمر دولى فى الخريف القادم لدعم مسيرة السلام وتحريك ملف التسوية وقد تلاحظ أن الأطراف المدعوة غير معروفة بالتحديد لكن استبعد منها…

فى مواجهة مؤتمر بوش

دعا الرئيس جورج بوش الابن إلى مؤتمر دولى فى الخريف القادم لدعم مسيرة السلام وتحريك ملف التسوية، وقد تلاحظ أن الأطراف المدعوة غير معروفة بالتحديد لكن استبعد منها الرئيس الأمريكى فى خطابه القوى المتشددة الممانعة الرافضة للسياسة الأمريكية والتوقيت غير محدد فهو فى الخريف القادم، وجدول الأعمال غير معلن فهو مرن جدًا قد يتسع لقضايا أساسية أو أمور هامشية، والأهم أن المرجعية التى يستند إليها المؤتمر غير واضحة، فهل قرارات الأمم المتحدة التى صدرت منذ قرار التقسيم مرورا بالقرارات المتعلقة بعودة اللاجئين وغيرها هى المرجعية ؟

وهل خريطة الطريق التى شكلت آخر ابتكارات الإدارات الأمريكية لدفع عجلة السلام ستشكل أساسا للحوار والمفاوضات ؟ أم أنها ماتت وانتهت إلى غير رجعة ؟ وإذا كان هذا واقعا حقيقيا فلماذا يتم تعيين السيد تونى بلير مبعوثا فوق العادة للرباعية التى ترعى خريطة الطريق ؟ وأين بقية أطراف الرباعية من هذا المؤتمر المزمع عقده أم أن أمريكا هى راعيته الوحيدة وهى المعروفة بانحيازها المطلق للعدو الصهيونى ؟

لقد دعا الرئيس جورج بوش الأب من قبل إلى مؤتمر مدريد للسلام فى أعقاب حرب تحرير الكويت وكانت النتائج هى فشل ذريع مما دفع الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى فتح قنوات سرية من خلف الجميع فى "أوسلو" مع العدو الصهيونى انتهت إلى اتفاق "أوسلو" كإعلان مبادئ لحل الصراع العربى الصهيونى على مرحلتين، وها نحن نرى آثار هذا الاتفاق بعد 14 سنة على الأرض الفلسطينية، كانتونات أشبه بالسجون يعيش فيها الشعب الفلسطينى تحت سلطة ! فلسطينية مطالبة فى الأساس بحماية أمن العدو الصهيونى وإعفاء الاحتلال من مسئولياته الإنسانية وفق المواثيق الدولية، وشق للصف الوطنى الفلسطينى، وتمزيق للشعب الفلسطينى بين لاجئين يعيشون فى الشتات بلا أمل فى قيادة فلسطينية تتبنى مطالبهم العادلة فى العودة إلى بيوتهم التى مازالوا يحملون مفاتيحها ويتوارثونها أملا فى العودة إليها ولو بعد حين، وفلسطينيو الأرض المحتلة فى 1967 الذين تمزقوا بسبب الحصار الظالم بين قطاع غزة وبين الضفة الغربية.

جرّب الأمريكيون ألاعيب عديدة مع القادة العرب لم تنطل على الشعوب العربية وخاصة على الشعب الفلسطينى، وكان أخرها مؤتمر قمة كامب ديفيد الذى رعاه الرئيس الأمريكى كلينتون ومارس فيه كل الضغوط الممكنة على الرئيس عرفات ليوقع آخر وثيقة للتنازل عن الحقوق الفلسطينية المشروعة، ودفع عرفات حياته ثمنا لرفضه هذا الاتفاق المنقوص .

العجيب أن الدول العربية – باستثناء سوريا التى استبعدها بوش من مؤتمره – قد سارعت إلى الموافقة على الدعوة دون وجود أى ملامح واضحة لها ومع علمهم المسبق بأن كل الدعوات السابقة أدت إلى لا شئ.

تأتى هذه الدعوة والمشهد العربى بائس أشد البؤس، فقد انقسم العرب إلى معسكر ترضى عنه أمريكا وتسميه بالمعتدلين، وآخر تغضب عليه أمريكا وتنعته بالرافضين للسلام، ولا تقف أمريكا عند حد الوصف والتقسيم بل تقوم بمد طرف بالسلاح ليستخدمه ضد الطرف الآخر وليس ضد العدو الصهيونى الذى تحرص أمريكا على استمرار تفوقه النوعى والكمى فى توازن السلاح .

كما تأتى الدعوة لدعم فريق فلسطينى يقوده الرئيس محمود عباس ضد طرف آخر حظى بثقة الشعب الفلسطينى فى آخر انتخابات تشريعية تقوده حركة المقاومة الإسلامية حماس، بل تهدف الدعوة إلى عزل "حماس" تمهيدا لتصفيتها كما يتردد فى الأوساط الاستخباراتية وما يتسرب عنها .

وينعقد المؤتمر – هذا إن انعقد – وسط أجواء إقليمية محمومة تسبب فيها الفشل الأمريكى فى العراق وغرق القوات الأمريكية فى أوحال بلاد الرافدين وتصاعد حدة أزمة الملف النووى الإيرانى وازدياد التهديدات الأمريكية بحل عسكرى لتلك الأزمة، وأزمة سياسية مستحكمة فى لبنان تقوم أمريكا أيضا بدعم فريق ضد فريق آخر، وصدور قرار دولى جديد بشأن أزمة دارفور بالسودان، وفشل مؤتمر المصالحة الصومالى الذى تم تغييب طرف أساسى عنه وهو المحاكم الشرعية الإسلامية التى لم تنعم مقديشيو بالهدوء والأمن إلا بضعة شهور فى ظل سيطرتها الميدانية .

هذا مؤتمر لم يقصد به دعم مسيرة السلام ولا تحقيق تقدم على مسار التسوية ولا الضغط على العدو الصهيونى ليقدم بعض التنازلات لدعم موقف الرئيس عباس إنما المقصود منه أحد أمرين، إما الضغط الرهيب على الطرف الفلسطينى ليقدم آخر ما لديه من تنازلات ويوقع على وثيقة الاستسلام التام للمطالب الصهيونية والتى رفضها من قبل عرفات، وإما التمهيد لحرب قادمة تشنها أمريكا والعدو الصهيونى ضد إيران لتدمير منشآتها النووية مما قد يدخل منطقة الخليج والمنطقة العربية كلها فى أتون فوضى مدمرة لا يعلم إلا الله آثارها .

إننا نحذر من الاستجابة للضغوط التى تمارسها الإدارة الأمريكية على الحكومات العربية ونحذر من الانزلاق إلى المخطط الرامى إلى تمزيق الأمة العربية إلى معسكرين وحليفين، حلف أمريكى ضد حلف عربى – إسلامى آخر كما نحذر بشدة من الوقوع فى فخ سباق تسلح محموم يستنزف أموال وثروات الأمة العربية والإسلامية ويستخدم فيها السلام المحرم فى حرب محرمة وغير مشروعة .

ونحذر بكل قوة من وهم الاستدراج إلى استبدال خطر إيرانى مستقبلى بخطر آخر قائم وحالى هو خطر العدو الصهيونى، وندعو إلى حوار حر متكافئ مع إيران حول الآثار الاستراتيجية لحيازتها الطاقة النووية وضمان أن تبقى فى الإطار السلمى وأن تكون ضمانة للقوة العربية والإسلامية وكذلك الدعوة إلى حوار حول مستقبل العراق وأفغانستان وأمن الخليج واستقرار المنطقة العربية، حوار لا تفسده المطامع الأمريكية ولا العدو الصهيونى .

وندعو الحكومات العربية إلى تحقيق مصالحة وطنية مع شعوبها واستمداد الشرعية من انتخابات حرة ونزيهة يشارك فيها الجميع وكل القوى والتيارات دون إقصاء أو تهميش .

وندعو الجامعة العربية إلى تبنى مصالحة عربية ومكاشفة ومصارحة حول القضايا الاستراتيجية وفق جدول أعمال عربى تمليه المصالح العربية وليس المصالح الأجنبية .

كما ندعو منظمة المؤتمر الإسلامى إلى تحقيق نفس الهدف على مستوى العالم الإسلامى، وتفعيل حوار مع دول الجوار الإسلامى – العربى مثل تركيا وإيران من أجل بناء شرق أوسط إسلامى يحقق الأمن والاستقرار والرخاء والعدالة لشعوب المنطقة كلها ويقف فى وجه المشاريع الأجنبية خاصة الأمريكية الرامية إلى بث الفرقة والانقسام ونشر الفوضى المدمرة .

فى هذا الوقت العصيب، فإن المفكرين وقادة الرأى والنخب السياسية والثقافية فى العالم الإسلامى والعربى وخاصة فى فلسطين مدعوون إلى بناء جسور الثقة والتفاهم فى حوار صريح من أجل مستقبل فلسطين والأمة العربية والإسلامية فى ظل التحديات العالمية، كما أنهم مدعوون إلى الالتقاء على القيم المشتركة والأهداف المشتركة والمصالح العليا للأمة وإرجاء الخلافات الجانبية مؤقتا من أجل التصدى للخطط الأمريكية والتأكيد على شرعية المقاومة واستراتيجيتها بكل صورها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية وبناء مشروع حضارى يحقق للأمة آمالها فى النهوض والتقدم والرفاهية من أجل الإسهام فى بناء الحضارة الإنسانية .

أما الشعوب الشعب الفلسطينى وشعوب الأمة العربية والإسلامية فهى صاحبة قرار الحرب والسلام، هى صاحبة قرار المقاومة أو الاستسلام وعليها أن تقول كلمتها وألا تصمت فى مثل هذه المواقف التاريخية، عليها أن تدعم الشعب الفلسطينى، كل الشعب الفلسطينى الذى تبتزه أمريكا والعدو الصهيونى بالمعونات والمنح والهبات، وتغدق على طرف وتحاصر الطرف الآخر .

كما أن عليها أن تعى أبعاد قضية فلسطين التاريخية وتطوراتها حتى لا تقع فريسة غسيل مخ إعلامى تمارسه الإدارة الأمريكية وحلفاؤها فى الإعلام العربى، وعلى المفكرين المساهمة فى رفع وعى الأجيال الشابة بالذات بهذه القضية المحورية المركزية فى تاريخ العرب والمسلمين الحديث .

وعلى الشعوب أن تمارس كل أنواع الضغوط السلمية السياسية على الحكومات لمنعها من الاستسلام للضغوط الأمريكية .

أما الأطراف الفلسطينية فهذه عليها أن تدرك خطورة الموقف وألا تستدرج إلى منزلق خطير يهدد ما تبقى للشعب الفلسطينى من حقوق، وعليها أن تجلس اليوم قبل الغد على مائدة الحوار الوطنى الفلسطينى بوساطة وبدون وساطة للوصول إلى الحد الأدنى من الاتفاق على الثوابت الوطنية الفلسطينية .

(واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ )(الأنفال 25)

وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026