ليس هناك من هو أكثر خبرة من أبناء الشعب الفلسطيني في كيفية تعامل حكومة الكيان الصهيوني مع السلطة الفلسطينية في ملف المفاوضات على ضوء مطالب الجانب الفلسطيني وإن أطلقت الفقاعات…
ليس هناك من هو أكثر خبرة من أبناء الشعب الفلسطيني في كيفية تعامل حكومة الكيان الصهيوني مع السلطة الفلسطينية في ملف المفاوضات على ضوء مطالب الجانب الفلسطيني، وإن أطلقت الفقاعات والبهرجات الإعلامية هنا أوهناك ووضع ألف بريق لأي تحرك وهمي في ملف التفاوض، بإظهار المفاوض الفلسطيني بصورة المبدع في انتزاع الحقوق، الذي يرينا نفسه أمام شاشات الإعلام وهو على طاولة المفاوضات بهلولاً منشغلاً دوماً عن النظر إلى الكاميرا في إخراج أوراقه من حقيبته الصغيرة التي اختزل فيها ملفات القضية بعد أن أخضعها لكل عمليات القسمة والتفريط، إلا أن الشارع الفلسطيني وبلا أدنى شك يلمس وبكل وضوح الإسقاطات العملية لصفقات محمود عباس الهزيلة فيما يسميه بـ"الإفراج عن أسرى فلسطينيين". ومع أن ظاهره فيه الحرية لكن باطنه فيه العذاب والهلاك والضحية دوماً هذا الشعب، والجاني في هذه الحالة اثنان المفاوض الفلسطيني الفذ، وجناة جدد تفرزهم نتائج الصفقات التفاوضية وسنوضح بعد قليل ما نقصده بذلك.
لقد اعتدنا على السياسة التفريطية في كونها تسعى لحل آني يرتكب بذاته جرماً حضارياً أو يوجد واقعاً احتلالياً جديداً ، ولتقترب الصورة أكثر، فكما حدث في معبر رفح، أرادوا حل مشكلة ستة آلاف عالق على المعبر بإخضاع مليون ونصف المليون في غزة تحت رحمة الاحتلال الصهيوني من خلال معبر كرم أبو سالم ، إذاً ، فالمفاوض الفلسطيني لا يمكنه في يوم من الأيام أن يخدع الشعب الفلسطيني في ادعائه أنه يسعى لتحرير شبر من أرض فلسطيني.
مع كل ما ذكرناه إلا أننا لا زلنا ندور في فلك النتائج المترتبة على اللقاءات التفاوضية ـ وبالتأكيد فالأثمان فوق المتصور ـ ولا تخدم بحال معادلة الصمود أو الوحدة والوفاق الوطني أو الحوار الفلسطيني وبتحصيل حاصل فالمستهدف المقاومة وكل ما ذكر ، بذلك تكون الاستحقاقات القادمة كبيرة وعظيمة خاصة ومحمود عباس "المعتدل" يجعل من نفسه أداة دعائية لسياسة الإدارة الأمريكية ، ومطرقة فلسطينية لهدم ما فشل فيه سابقاً معوضاً مشروع دايتون الخائب.
لن نطيل في المقدمات لكنه حديث يؤسس لما بعده ويؤكده ، خاصة بعد البريق الإعلامي وتهافت التصريحات التي تجعل من محمود عباس بطل المفاوضات ورجل السياسة الأول، في التغطية والتعتيم على ما يمكن أن يكون قد قدمه محمود عباس باسم فلسطين من تنازلات ، خاصة وأنه في وضع يرثى له ، فلم يسبق أن مرت عليه فترة من الزمن بأضعف مما هو عليه الآن ، بفضل الأيادي الطاهرة في غزة بعد فضله عز وجل.
من تاريخ الصفقات التي تمت عن طريق المفاوضات الصهيونية الفتحاوية ، فقد تجاوزت الصفقة معنى الحرية والاستجابة للمطالب ، فكيف لحكومة الصهاينة أن تفرج عن أسرى حوكموا في يوم من الأيام بكونهم أجرموا بحق "دولة إسرائيل" وشكلوا خطراً على أمنها ، وهذا الأمر مع سوء النوايا الكامنة يجعلنا نضع ألف علامة استفهام حول الإرادة الصهيونية في ذلك ، الأمر الذي تجيب عنه طبيعة هذه الصفقات وما تعنيه مستقبلاً ، فلو عدنا للوراء قليلاً ، لوجدنا أن هذه الإفراجات بتاريخها ، قد كانت أساساً لمراحل سياسية قادمة أو تكون بالحد الأدنى إحدى أدواتها ، وهذا ما انطلقت منه مرحلة أوسلو في التسعينات بعد الإفراجات الكمية الكبيرة التي أبقت مجاهدي حماس في السجون ، ثم فُرّغ المفرج عنهم في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية وعينوا على أبواب زنازين سجون السلطة ، والمرحلة الحالية التي تعيشها الضفة الغربية من فلتان أمني هي حصاد صفقة الإفراج عن الأسرى في مطلع عام 2005م فمعظم من أفرج عنهم بنسبة 90% كانوا من أبناء فتح ، ومعظم هؤلاء ممن تلطخت أيديهم بحرق المؤسسات وملاحقة أبناء حماس في الضفة في أيامنا هذه وكان لهم شرف الـ700 اعتداء بحق حركة حماس حتى الآن.
لقد قالها محمود عباس بوضوح خلال خطبته "العصماء" في رام الله في 18 تموز أمام مجلسه المركزي ، في عدم تدخل الجانب الفلسطيني في الأسماء بتاتاً وكأن الصهاينة بالإفراجات هذه يمسحون دموعه ويضمدون بها جراحه بعد ما حدث معه في غزة ، وعباس من خلال تصريحه ذاك بعدم تدخله في الأسماء ومع أنها تضيف مهزلة جديدة إلى رصيده المتنامي في ذلك مع الأيام ، لكنه بأخف الضررين أراد التغطية تماماً على الأثمان السياسية التي ترتبت على صفقة الإفراج ، وما دل على ذلك تعليقه ووقوفه عند مسألة الإفراج عن القيادي البارز في الجبهة الشعبية عبد الرحيم ملوح ضمن الصفقة ، ولن يصدقه أي مواطن فلسطيني ، فالصهاينة لم يعطوه شيئاً "أيام العز" فكيف وقد أتاهم مضروباً "عشرة كفوف على خد واحد".
إذاً ، ومع إدراكنا أن الإفراجات الحالية "ظاهرها فيه الرحمة وباطنها العذاب" ومع أن الأعداد لم يحددها الطرف الفلسطيني لأنه بذاته لا يرتقي عند الجانب الصهيوني ليوضع في هذا الموضع السامي وهذه المسألة وقد أثبتها التاريخ أنها حصرياً للمقاومة لا للمفرطين ، ومع أن الاعتقالات لا زالت مستمرة ومتواصلة بحق أبناء الشعب الفلسطيني بل من غير المستغرب أن يكون الصهاينة قد اعتقلوا منذ الإعلان عن الإفراج حتى الآن نسبة كبيرة من هذا العدد ، كما يحدث دوماً، ففي إفراجات عام 2005م أطلق الصهاينة سراح 500 أسير في الدفعة الأولى وما بين الإعلان والإفراج كانت الترسانة العسكرية قد اقتادت إلى السجن 80% من هذا العدد ، مع كل هذا وذاك إلا أننا لا زلنا ننتظر ما ستفضحه الأيام ، والحقائق التي ستظهر جلية واضحة كقرص الشمس لتسجل نضالاُ تفاوضياً في مرحلة جديدة أكثر بلاءً من سابقاتها بالنسبة للمفاوض.
نقول في النهاية ، حمداً لله على سلامة المفرج عنهم ، وهنيئاً لأهلهم بهم ، وسلم الله فلسطين في الأيام القادمة وحفظها من كل شر وشرير!!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع