بشرى لـ «حماس»

بشرى لـ «حماس»

محمد حسين اليوسفي
2007-07-07

بدا إسماعيل هنية منتشيا وهو يعلن من منزله وبجانبه مراسل محطة البي بي سي البريطانية ألان جونستون نجاح حركته في إطلاق سراحه بعد يوما قضاها وهو رهن اعتقال تنظيم جيش الإسلام حيث تم…

 

بدا إسماعيل هنية منتشياً وهو يعلن من منزله وبجانبه مراسل محطة البي بي سي البريطانية ألان جونستون نجاح حركته في إطلاق سراحه بعد 114 يوماً قضاها وهو رهن اعتقال تنظيم جيش الإسلام، حيث تم اختطافه من أحد شوارع غزة في الثاني عشر من مارس الماضي.

وألان جونستون (44 عاماً) مراسل قدير وشجاع أيضاً، فهو الوحيد بين أقرانه من المراسلين الأجانب الذي صمد في قطاع غزة منذ فوز حماس في الانتخابات العامة في العام 2006، حيث أعقب ذلك الفوز ازدياد وتيرة الصراع بين القوتين الأساسيتين للشعب الفلسطيني حماس وفتح. وقد انضم جونستون إلى البي بي سي في العام 1991 قضى ثماني من السنوات الست عشرة الأخيرة مراسلاً في العديد من الدول بينها أوزبكستان وأفغانستان. ومنذ ثلاث سنوات وهو يقيم في قطاع غزة.

أما خاطفوه من تنظيم جيش الإسلام (وهو تنظيم ذو طبيعة عائلية إذ ينتمي أفراده إلى عائلة دغمش) فقد تركزت مطالبهم على إطلاق سراح أبا قتادة (المسجون في بريطانيا) وأيضاً على ذمة السي إن إن (7/7) العراقية ساجدة الريشاوي، المعتقلة في الأردن، والمحكوم عليها بالإعدام لعلاقتها بتفجيرات فنادق عمان، فضلاً عن إطلاق سراح أبا محمد المقدسي المسجون في الأردن حالياً.

ومن الطريف والمحزن في آن معاً ذكر الطريقة التي تم فيها التوصل إلى اتفاق فك قيد هذا الصحفي المسكين ـ وهو بالمناسبة متعاطف مع الشعب الفلسطيني وصديق له، كما وصفه هنية في مؤتمره. فبعد أن ضيقت حماس الخناق على عناصر جيش الإسلام ونشطت وساطة لجان المقاومة الشعبية للتوفيق بينهما، اتفق الطرفان على قبول الحُكم الذي سيصدره أحد المشايخ في أمر ألن جونستون، فأصدر الرجل فتوى بجواز إطلاق سراحه!!.

ويبدو أن فك قيد ألان جونسون كان من المستحيل أن يتم في ظل أجواء الصراع الذي عاشه قطاع غزة بين حركتي حماس وفتح في الشهور الماضية، إذ كان من مصلحة الأجهزة الأمنية الموالية لفتح استمرار الفلتان الأمني، وبالتالي استمرار احتجاز جونستون، للتدليل على فشل حكومة الوحدة الوطنية التي يهيمن عليها تنظيم حماس ويرأسها إسماعيل هنية، أن هذه الحكومة قد فشلت في بسط الأمن وتحقيق الاستقرار. ولذا كان واضحاً استثمار حركة حماس لهذا النجاح استثماراً سياسياً لكسر طوق العزلة المضروب عليها من جانب الدول العربية ومن المجتمع الدولي في المقام الأول.

ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده هنية في منزله وتعليقاً على تحرير ألان جونستون من الأسر أطلق هنية مبادرة حسن نية إلى المجتمع الدولي وإلى "إسرائيل" وكأنه يريد أن يعطي انطباعاً آخر عن حركته وما تزمع أن تعمله في قطاع غزة الذي بات تحت إمرته بالإشارة إلى تمنيه «أن تنتهي أزمة الجندي الإسرائيلي المحتجز جلعاد شاليت بصفة مشرفة، وكذلك معاناة أسرى فلسطين بالسجون الإسرائيلية».

ويبدو أن حماس لا تمانع حتى بالحديث مع "إسرائيل" كأمر واقع، وهو ما أكده محمود الزهار أحد مؤسسي حركة حماس في مقابلة للمجلة الألمانية دير شبيغل (22/6)، ويبدو أن الأمور ربما تأخذ بعداً أكبر من مجرد الحديث حول الأمور العملية كفتح المعابر وغيرها إلى التوقف عن العمليات العدائية من قبيل منع إطلاق صواريخ القسام من أراضي القطاع.

والحق أن هذه التوجهات تنسجم مع ما طرحته حماس منذ أيام مؤسسها الشيخ أحمد ياسين، الذي اغتيل بقصف صاروخي من الطائرات الإسرائيلية قبل سنوات، فقد طرح السيد أحمد ياسين فكرة «الهدنة» بوصفها موقفاً شرعياً يمكن أن تتبناه حركته في مسألة صراعها مع الدولة العبرية. والهدنة كما هو معروف إجراء شرعي تكرر تطبيقه في التاريخ الإسلامي كثيراً بين الدول الإسلامية وبين ما كان يصنف باعتبارها دولاً تنتمي إلى «دار الحرب».

ولعل ما يقود حماس للواقعية السياسية أمران أما الأول فهو منطلقات الحركة التي تتبنى نهج الإخوان المسلمين، وهو تنظيم يشير تاريخه إلى تعاطيه البرغماتي مع حقائق السياسة ومستلزمات الحكم. غير أن الأمر الثاني وهو الأهم هو معطيات الواقع الجغرافي وحدود إمكانياته المادية. فقطاع غزة شريط ضيق من الأراضي بمحاذاة البحر المتوسط، يبلغ طوله 40 كيلومتراً وعرضه عشرة كيلومترات، تطوقه مصر و"إسرائيل".

ويعيش في هذه الرقعة الصغيرة قرابة المليون والنصف من البشر. وتسيطر "إسرائيل" على حدوده البرية والبحرية وعلى مجاله الجوي ومياهه الإقليمية، كما تتحكم في معبر إرينز الواصل بين القطاع وبقية فلسطين، في حين تدير مصر معبر صلاح الدين الواصل بين البلدين. أما مطار غزة فقد دمره القصف الإسرائيلي بعد الانتفاضة الثانية التي اندلعت منذ العام 2000.

ولا شك أن "إسرائيل" على دراية بهذا الواقع، وهي قادرة على خنق قطاع غزة الذي أصبح يشبه السجن الكبير. وهي أيضاً تريد أن تستفيد من الخلاف الواقع في البيت الفلسطيني وتحاول جاهدة زيادة شقته، لذا أسرعت بالإفراج عن 120 مليون دولار من أموال الضرائب التي بحوزتها والعائدة للفلسطينيين وتسليمها لحكومة الطوارئ التي أمر بتشكيلها محمود عباس برئاسة سلام فياض. وهذه الحكومة أعلنت أنها ستدفع رواتب جميع العاملين بجهاز السلطة، والمقدر عددهم بنحو 165 ألف موظف نصفهم من قوات الأمن، باستثناء التابعين لحماس. وهؤلاء الموظفون لم يحصلوا على رواتبهم منذ مجيء حماس في يناير 2006!!

غير أن هذا «الكرم الإسرائيلي» المفاجئ وهذا التحالف الذي يجرى تشكيله بين "إسرائيل" ووراءها الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول العربية من جهة وبين الرئيس محمود عباس سيؤدي إلى إضعاف الأخير سياسياً بالذات في أعين الجماهير الفلسطينية، وهي جماهير واعية، كما يقول الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية بواشنطن أنتوني كوردسمان لجريدة النيويورك تايمز (18/6).

وبالتالي، يبقى خيار الفلسطينيين هو الحوار لتشكيل حكومة وحدة وطنية فاعلة تضم جميع الفئات التي انخرطت بالعملية الانتخابية، وبناء شرعية حكم الشعب الفلسطيني على الأراضي المحررة على نتائج صناديق الاقتراع بما تعني تلك النتائج من قبول بمبدأ تدوير السلطة بحيث يشكل حزب الأغلبية الحكومة وتتسلم جميع الأجهزة وعلى رأسها الأجهزة الأمنية التي لا بد أن تبنى على قاعدة المهنية والولاء للدولة الفلسطينية، وعدم اعتبار قرارات مؤتمر أوسلو قرارات «مقدسة» يلتزم فيها الجانب الفلسطيني لوحده بينما تنتهكها "إسرائيل" ليلاً ونهاراً!! ستواجه الشعب الفلسطيني أيام صعبة، بيد أن هذا الشعب عرف منذ مدة طويلة كيف يناضل من أجل استرداد حقوقه.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026