انتفاضة في الانتفاضة ..

انتفاضة في الانتفاضة ..

الأستاذ محمد أبو عزة
2004-09-02

صفحة جديدة من الافتراءات الفظيعة تشبيه الإضراب المفتوح الذي يخوضه المعتقلون والأسرى في سجون الاحتلال منذ أسبوعيين تقريبا بحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية التي…

صفحة جديدة 1

من الافتراءات الفظيعة تشبيه الإضراب المفتوح الذي يخوضه المعتقلون والأسرى في سجون الاحتلال منذ أسبوعيين تقريبا بحركة "الحقوق المدنية" في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تنادي بمساواة السود مع البيض في الحقوق..

السود الأمريكيون –ونحن نتضامن مع مطالبهم- هم أمريكيون دائما..

وهم جزء لا يتجزأ من الولايات المتحدة الأمريكية، وليس في نيتهم، لا في الماضي ولا في الحاضر أو المستقبل، الانفصال عن الاتحاد، أي عن الدولة الأمريكية..

ومطالبهم تنحصر في رفع التمييز الواقع عليهم في التعليم والعمل وتعويض البطالة والوصول إلى الكونغرس ومجلس الشيوخ والبيت الأبيض ..إلخ

وأما مطالب الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين فهي تطبيق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي واتفاقية جينف وحقوق الإنسان..وكلها تقول بحق الشعب الفلسطيني بالعيش الآمن على أرضه المستقلة ..

من أجل هذا أضرب المضربون داخل السجون والمعتقلات والزنازين، غير آبهين بخطر الموت الذي يحوم فوق رؤوس العشرات وربما المئات، خصوصا وأن بين المضربين ما يقرب من ثمانمائة من المرضى الذين لا طاقة عندهم –بسبب المرض- على تحمل الجوع والعطش، وقد امتنعوا حتى عن تناول أدويتهم تضامنا مع أبناء الحركة الأسيرة، ضد الممارسات الصهيونية داخل السجون وخارجها.

وهذا ليس الاضراب الأول للحركة الأسيرة، إنه الاضراب التاسع منذ عام 1967، بالإضافة إلى مئات الاضرابات الامتناعية وأشكال الاحتجاج الإنساني.

ولا زالت أسماء شهداء تلك الاضرابات من أمثال "على الجعبري" و"راسم حلاوة" و"مجدي أبو جامع" و"سعد الشوا" و"وسام سمودي" ..منارات شامخة سامقة، تستظل بها الحركة الأسيرة والجماهير الفلسطينية في كل الوطن .

وبقيت أسماء الجلادين من أمثال "الجنرال تسيمح" و"رافي رويمي" و"يهودا ياتوم" وعشرات بل مئات القتلة، تتردد من جيل إلى جيل، بانتظار اليوم الذي يتم فيه إبرام الحكم الذي صدر بحقهم من محكمة الشعب الفلسطيني.

وأضرب نزلاء السجن الكبير –فلسطين المحتلة- مئات الاضرابات اضرب الفلاحون لحماية أرضهم من المصادرة بقدر الإمكان، حتى بالجلوس أمام البلدوزرات الصهيونية التي تجرف الأراضي وتقتلع الأشجار، وتهرس الانتاج الزراعي "الزيتون والعنب والبرتقال والخضار" الذي يقيم أود الآلاف من الزراع والمستهلكين .

وأضرب المحامون والمعلمون وأرباب المهن المختلفة، قبل جدار الضم التوسعي وبعده..

وكلها إضرابات موجهة ضد الاحتلال الذي يرخي ظلاله عى كل فلسطين ولأن الأسود يقتضي وجود الأبيض، والباطل يقتضي وجود الحق، ولذلك فإن الاستيطان الصهيوني يقتضي رحيل الفلسطينيين أو موتهم.

وهذا هو الذي جرى في موجات متعاقبة، منذ عام 1947 وحتى الآن، ولكن بأشكال مختلفة .

لقد استخدمت الصهيونية الدبابات والطائرات والرشاشات في "دير ياسين"، ووضعت مكبرات الصوت على فوهات البنادق وسبطانات المدافع، لكي يسمع الجميع بالمجزرة فيغادرون أو يهاجرون.

ثم وضعت كاتم الصوت على الرشاشات في مذبحة "كفر قاسم".. لكي لا يسمع الرأي العام العربي والعالمي بالمجزرة، وأن كان صوتها كافيا ليسمعه العرب الذين ظلوا في أراضي الجليل والمثلث والنقب.. فيرحلون.

وقال شارون قائد الوحدة التي ارتكبت المذبحة في "قبية" و"نحالين" تحدثوا قليلا وافعلوا كثيرا..

ولكن الفعل الصهيوني لم ينجح في إجبار المتشبسين بالأرض على الرحيل، وبقوا كلقمة الزجاج في حلق دولة الكيان الصهيوني لا هي تصعد ولا هي تنزل.

لكن الصهيونية لم تعد تهتم منذ عام 1967 بوضع كواتم الصوت على صواريخ الأباتشي وسبطانات المدافع، أو الأسلحة التي لا تطلق الرصاص، وإن كانت أشد فتكا من الوسائط النارية المختلفة، ونعني سلاح "الضائقة" بل "الخانقة"، بل "القارعة الاقتصادية" والإنسانية .

وهذا هو الوجه الآخر لمصادرة الأرض، ومصادرة المياه، ومنع التصدير الزراعي والصناعي، وفرض كل ما يقذف العمال وأرباب العمل في جائحة البطالة، فالضائقة، فالخانقة الاقتصادية، فالهجرة..

إنه تهجير قسري، بوجود كواتم الصوت أو بدونه، لفرض الرحيل أو الترحيل، البطئ بعض الشيء ولكن المصمم أشد التصميم في الوقت ذاته.

والإضراب المفتوح الذي ينفذه الأسرى في سجون الاحتلال يندرج في هذا السياق.

أي أنه ليس إضرابا لتحسين ظروف الحياة فقط داخل السجون الصهيونية، وإنما أهم وأكبر بكثير .

إنه عملية صمود مصمم، وعملية تصد باسل .

بل هو بمثابة انتفاضة في الانتفاضة، في وجه التوسع الصهيوني، وضد حرب الاستنزاف الصهيونية التي تشن لفرض التهجير القسري أو التذويب والأسرلة.

وهو ليس اضرابا للأسرى والمعتقلين، بل تحرك شعبي شامل جديد، لأنه إضراب ضد جبهة صهيونية جديدة هي "جبهة الاستيطان" الذي يتم تسمينه وتوريمه وتضخيمه بمباركة أمريكية فظة .

صحيح أن جيش الاحتلال الصهيوني هو "رأس حربة" المجتمع الصهيوني، وأن المجتمع الصهيوني كله هو "مجتمع استيطان"..

ولكن جيش الاحتلال يشكل جسما عازلا بين الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وجسد الاستيطان الصهيوني، ويترتب على هذا أن دخول مهاويس الاستيطان معمعة الحرب ضد شعبنا في الوطن المحتل، يجسد الاستيطان بكل ثقله وليس ببعض ثقله أو رأس حربته فقط ممثلة بجيش الاحتلال.

للوهلة الأولى قد يبدو الفارق ضئيلا بين جيش الاحتلال ومهاويس الاستيطان، ولكن الأمر ليس كذلك طبعا، والفارق جسيم جدا في كمية الشعور بالخطرين معا، خطر الجيش الصهيوني كاحتلال يظل مهما طال وجوده مؤقتا، وبين خطر الاستيطان الذي يفترض أصحابه أنه استيطان دائم، ولا يمكن أن يدوم إلا باستئصال الشعب العربي الفلسطيني من أرضه.

وهذا الفارق بين الخطرين يترتب عليه فارق ممائل بين المقاومتين، مقاومة شعبنا لجيش الاحتلال الصهيوني، ومقاومته لجماعات الاستيطان، وهي المقاومة التي يجب أن تسود اعتبارا من اليوم الذي بدأ فيه الأسرى والمعتقلون إضرابهم المفتوح والتحرك الشعبي الشامل.

وعلى الصعيد العملي يمكن أن نفهم الأمور على الوجه التالي حسب الفرضية التالية إن شعبنا يرى جنود الاحتلال الصهيوني في كل مكان في الضفة والقطاع، ولكنه رأى قبلهم جنود بريطانيا على امتداد أكثر من ربع قرن.

وقد انقلع جنود بريطانيا، وسوف ينقلع جنود الاحتلال الصهيوني مثلهم، مهما بدت الفكرة الآن خيالية أو غير واقعية لدى البعض.

أما الاستيطان فأمره مختلف..

هذا لا يعني أن شعبنا بحاجة إلى وجود المستوطنات في الضفة والقطاع لتعميق شعوره بالخطر.

كلا بالتأكيد، ولكن المستوطنات تدفع شعبنا إلى ترجمة شعوره بالخطر على شكل مقاومة شاملة للخطر وبسرعة .

بكلام آخر، إن وجود جيش الاحتلال الصهيون على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة قد دفع قسما عظيما من شعبنا إلى حلبة المقاومة حتى الآن، ولكن وجود الاستيطان الذي يتوسع ويسمن ويتضخم، سوف يدفع، أو يجب أن يدفع، كل الشعب الفلسطيني، لا معظمه بل برمته، إلى حلبة المقاومة، لمواجهة ثقل الاستيطان الأثقل من جيش الاحتلال .

سيكون العبء أكبر على كاهل أهلنا، هذا صحيح.

ولكن هناك عبئا سيقع على الكيان الصهيوني أيضا، وقد اعترف الكيان الصهيوني بهذا العبء مقدما، وقبل أن تنفجر انتفاضة الأسى في الانتفاضة .

لقد اعترف جنرالات الكيان الصهيوني بذلك عندما قاموا بتفكيك مستوطنة أو اثنتين بالقرب من نابلس والخليل.

وقبل ذلك عندما قاموا بتفكيك المستوطنات التي أقيمت في الجولان السوري وترحيل مستوطنيها في ثاني أيام حرب تشرين التحريرية المجيدة عام 1973.

وقد تساءل أحدهم –الجنرال بيلد- عن حجم النكبة لو كانت المستوطنات أكثر، وكان عدد المستوطنيين أكبر..

وقد قام مؤخرا  –من الجنرالات الصهاينة- من يطالب بتفكيك المستوطنات في قطاع غزة وترحيل سكانها بعد التعويض عليهم بمبالغ مجزية –تدفعها أمريكا وأوروبا- لأن المقاومة الفلسطينية أثبتت أنها عبارة عن "برميل من دون قعر"...

لقد قال هؤلاء الجنرالات أن صواريخ القسام والبتار وغيرها ستظل تخرج من هذا المخيم أو تلك البلدة حتى لو تم قلب كل الحجارة الفلسطينية وهدم كل البيوت، وتجريف كل البيارات، وإذا كانت المسافة التي تقطعها هذه الصواريخ في هذه الآونة محدودة، فإن كل المؤشرات تؤكد أن العقول الفلسطينية سوف تقوم بتطويرها لتصل حتى تل أبيب أو حتى وشارع ديزنغوف على وجه الخصوص .

وتأسيسا على هذه الاعترافات يمكن القول أن الإضراب المفتوح الذي يخوضه الأبناء والأخوة الأعزاء في سجون الاحتلال الصهيوني أو داخل السجن الفلسطيني الكبير، هو إضراب جديد من حيث نوعيته..

إنه إضراب يقول لدولة الكيان الصهيوني لقد قاومنا عصابتكم الرسيمة حتى الآن، وها نحن نقاوم منذ الآن عصاباتكم غير الرسمية، وعليكم أن تواجهوا "كل الثورة" بعد أن واجهتم "بعض الثورة".

 

وبعد هذا يرد السؤال الأساسي في موضعه المنطقي، والسؤال هو ما العمل؟

إن الإجابة سهلة وصعبة..

لقد تنازلنا في نصف القرن الأخير حتى ملنا التنازل..

قبلنا قرار التقسيم، وقبلنا بوجود إسرائيل على رقعة أكبر من التي حددها قرار التقسيم.

ووصلنا آخر نقطة في الانحدار حين وافقنا على دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 1967.. والفيناميثاقنا الوطني الفلسطيني. وصارت أقصى أحلامنا "خارطة الطريق" التي لا تقود إلى أي طريق..

ولم يبق أمامنا إلا أن نتصهين ونتهود ونتأسرل، أو نمشي على أربع ؟!

وحتى هذا لا يرضي جنرالات الصهيونية .

إنهم يريدون  كل الأرض الفلسطينية من النهر إلى البحر..

يريدونها خالية تماما لتتسع للخليط العجيب من اليهود الذين يتم جلبهم من روسيا وأثيوبيا والعراق وبولونيا وهنغاريا والمغرب وفرنسا.. ومن كل بقعة على كرتنا الأرضية، وليعلنوا أن هذا الخليط العجيب الغريب من اليهود هم "شعب قائم موحد ومتجانس منذ أكثر من ألفي عام، وله حق العودة لوطنه"

إن الفعل الأول الذي يتوجب مباشرته هو وقف هذه السلسلة من التنازلات المجانية، والتوقف عن الترويج للأوهام الفاسدة من حيث "الإطار" و"المحتوى" و"الشكل" و"المضمون" والكف عن العبث بالحقوق الثابتة التي يصوم المنتفضون في السجون الصهيونية لصيانتها وتحصينها، وإدامة هذه الانتفاضة المباركة التي يتنافس المتنافسون على اغتيالها في رابعة النهار.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026