ما الذي يجعل محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية يصمت تماما على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على مقاتلي حركة فتح في الضفة الغربية بمختلف تسميات الأجنحة العسكرية التي ينتمون…
ما الذي يجعل محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية يصمت تماماً على الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على مقاتلي حركة "فتح" في الضفة الغربية بمختلف تسميات الأجنحة العسكرية التي ينتمون إليها، في حين إنه يطلب تدخلاً دولياً في قطاع غزة..؟
هذا السؤال أكثر وجاهة من السؤال الذي كان يطرح سابقاً حول الأسباب التي تجعل عباس يقبل الحوار، ويمارسه مع "إسرائيل"، في ذات الوقت الذي يرفض فيه الحوار مع حركة "حماس".
ربما تتمثل الإجابة في الأهداف الحقيقية التي تكشفت لزيارة عباس للعاصمة الفرنسية، حيث التقى نيقولا ساركوزي الرئيس الفرنسي الجديد، الأكثر موالاة ل"إسرائيل".
لقد قيل في تبرير هذه الزيارة إن عباس يريد من ساركوزي الضغط على "إسرائيل"، من موقع الصداقة، كي تقبل بتحريك عملية التسوية السياسية على المسار الفلسطيني. لكن ما تكشف هو أن عباس طلب من فرنسا ساركوزي العمل على تشكيل قوة دولية تذهب إلى غزة، لضمان إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، دون أن يأتي على ذكر الانتخابات الرئاسية في هذه المرة، بعد أن كان يزاوج في السابق ما بين الانتخابات التشريعية والرئاسية..!
باختصار، يريد عباس الاستقواء بقوات دولية على "حماس" في قطاع غزة.
ويبدو أن هذا هو الهدف من طلب عباس من "إسرائيل" السماح بدخول قوات بدر التابعة لجيش التحرير الفلسطيني من الأردن للضفة الغربية..!
فعباس الذي ظل طوال السنوات الماضية يعمل على حل كتائب شهداء الأقصى دون طائل، قرر الآن استخدام القوة الدولية لمواصلة تنفيذ ما عجز عن تحقيقه من مخطط تفكيك القوة العسكرية لـ "حماس"، بالتزامن مع استخدام القوة الفلسطينية لتفكيك كتائب شهداء الأقصى في الضفة الغربية.
لكن طلب تشكيل ودخول قوات دولية لقطاع غزة يحتاج إلى موافقة سلسلة من الأطراف، قد لا تقتصر على توافق فلسطيني ـ فلسطيني، وتوافق عربي، وتوافق دولي، فضلاً عن موافقة "إسرائيل".
فهل قرر عباس أن يدير ظهره للتوافق الفلسطيني ـ الفلسطيني، كما أدار ظهره بالفعل للتوافق العربي..؟
وهل يعقل أن يفعل ذلك دون أن يكون قد ضمن موافقة إسرائيلية على مقترحه..؟!
وكذلك موافقة أمريكية لا يمكن توافرها دون الموافقة الإسرائيلية..؟!
وإن كان قد ضمن الموافقتين الإسرائيلية والأمريكية على تشكيل القوة الدولية، فمن يضمن له أن تفي بعد ذلك "إسرائيل" وأمريكا بأي وعد ربما تكونان قد بذلتاه له، ويقضي بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967..؟!
وما الذي سيفعله عباس في حالة أدارت له "إسرائيل" وأمريكا ظهرهما، بعد أن تقدما له كل المساعدة المطلوبة لتفكيك الأجنحة الفلسطينية المقاومة..؟!!
عباس يعمل بكل طاقته من أجل إدخال القضية الفلسطينية إلى نهاية نفق مظلم، أين منه النفق الذي حفرته "حماس"، وزعم أن هدفه كان اغتياله..؟
معالم هذا النفق يمكن أن تتضح من خلال ملاحظة سكوت عباس عن الاقتحامات الإسرائيلية لمدن الضفة الغربية، من أجل استهداف مقاتلي حركة "فتح" في المقام الأول.
كما يمكن لها أن تتضح من خلال السعي لكسب موافقة فرنسا على تشكيل القوة الدولية، دون أن يفاتح بذلك أمريكا أولاً..!
بالتأكيد، إن عباس لا يريد أن تشارك أمريكا و"إسرائيل" مباشرة في تصفية الفصائل والأجنحة الفلسطينية المقاومة، كي يبقى شيء من قناع على الوجه الذي لا يريد أن يكشف عن كامل تفاصيله منذ الآن. لكن عباس الذي يدرك مدى حاجته للموافقة والتوافق الإسرائيلي مع مخططه، مضطر للسكوت عن الرغبة الإسرائيلية في المساهمة المباشرة في تصفية مقاتلي "فتح" بالذات..!
ولعل هذا الهدف الذي بدأت تتكشف الأستار عنه الآن، هو ما كان يكمن وراء تشكيل حكومة الطوارئ برئاسة الدكتور سلام فياض، دون أن يشرك فيها ولو عضواً واحداً من حركة "فتح"، أو من أي فصيل فلسطيني، وللأسف دون أن نسمع اعتراضاً جدياً واحداً على تشكيلة هذه الحكومة من الأمناء العامين لفصائل تحولت منذ زمن، بسبب من سياساتها المساومة (المواقف مقابل المقاعد)، في حين كانت تدوشنا ضجيجاً واعتراضاً على حكومة الوحدة الوطنية باعتبارها حكومة محاصصة فصائلية..!
إبعاد "فتح" عن حكومة فياض هدفه الأساس إقناع أمريكا و"إسرائيل" بقدرة عباس على إبعاد جميع الفصائل الفلسطينية عن السلطة، حتى "فتح".
وما دام هذا هو الحال، فما الذي جعل "إسرائيل" تصمت عن تشكيلة كتائب شهداء الأقصى في قطاع غزة على يدي محمد دحلان ورجاله..؟
وما الذي جعل تلك الكتائب تنخرط في إطار التحالف الذي استهدف "حماس"..؟
وما الذي جعل تلك الكتائب تلتزم الصمت على استهداف "إسرائيل" لإخوة السلاح في كتائب الضفة الغربية..؟
إنه كهنوت سياسي من طراز غير مسبوق.. لكنه كهنوت يوظف دهاءه فقط من أجل التساوق مع المخططات الإسرائيلية ـ الأمريكية.
حين وقع عباس اتفاقيات أوسلو تم تأجيل قضايا الحل النهائي إلى ما بعد انجاز قضايا الحل المرحلي.. تلك القضايا التي تم تأجيلها هي
أولاً القدس الشرقية، التي يفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية.
ثانياً الحدود..حدود الكيان الفلسطيني المقبل..أي هل سيتم الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967 أم لا..؟
ثالثاً اللاجئون..أي هل سيعود عباس إلى صفد، أم سيظل رئيساً في رام الله..؟!
رابعاً المياه، حيث إن "إسرائيل" ترفض الانسحاب من الأراضي التي في جوفها مياه.
خامساً السيادة، ذلك أن ما وقع عليه عباس في أوسلو يقضي بإقامة حكم ذاتي على الناس دون الأرض. ولهذا نرى قوات الاحتلال تسرح وتمرح كما تشاء في الضفة الغربية دون أدنى اعتراض من صاحب التوقيع.
لأن موافقة "إسرائيل" على إعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشار إليها أمر محال، استمعنا إلى محمد حسنين هيكل، من على شاشة الجزيرة، يعتبر ما هو ممكن تحققه في إطار الوعد الجديد للرئيس الأمريكي جورج بوش بالتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية قبل نهاية عهده بعد سنة ونصف السنة، لا يمكن أن يكون غير تصفية للقضية الفلسطينية، لا حل عادلاً لها.
في ضوء ذلك، علينا توقع مذابح ومجازر يتعرض لها الشعب الفلسطيني في الأشهر المقبلة على أيدي قوات دولية يلح عباس على ضرورة تشكيلها، وعلى أيدي الجيش الإسرائيلي.
ولأن المسألة أبعد ما تكون عن الشرعية، والمشروع الوطني الفلسطيني الذي "دوشونا" به، فإن هناك في المخطط المقبل ما يستحق خرق القانون الأساسي لأجله.. إن كان لجهة تعيين حكومة طوارئ غير منصوص عليها في القانون، وإن لجهة حل الرئيس للمجلس التشريعي دون أن يكون لديه صلاحيات دستورية لفعل ذلك.
لقد بات الرئيس يستند إلى تحالف أمريكي ـ إسرائيلي أقوى بكثير من القانون الأساسي وأي دستور..!!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع