أخيرا أدرك كثير من الناس أن مستقبل القضية الفلسطينية لم يثر فقط بعد سيطرة حماس على قطاع غزة وإنما بدأ منذ انخرطت منظمة التحرير وبشكل علني في مشروع إنهاء وتصفية القضية الفلسطينية…
أخيرا أدرك كثير من الناس أن مستقبل القضية الفلسطينية لم يثر فقط بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، وإنما بدأ منذ انخرطت منظمة التحرير وبشكل علني في مشروع إنهاء وتصفية القضية الفلسطينية الذي سمي زورا مشروع التسوية، ما كشف عن حقيقة الاسم المضلل الذي حملته المنظمة التحرير، والتي تحولت إلى بوابة للتنازل عن الوطن وليس لتحريره.
ولنبدأ في تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية
أولا منظمة التحرير التي لم يحولها العرب إلى ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني من اجل تحرير فلسطين، وإنما لتكون بوابة شرعية وبأيدي فلسطينية لإنهاء القضية الفلسطينية، وقد رأينا جميعا وعلى مدى عقود من الزمن كيف احتكر أبوات المنظمة القضية الفلسطينية وحولوها إلى مشروع استثماري كبير غرفوا منه مناصب ومراكز وأموال ونفوذ .
ثانيا اتفاق أوسلو الذي هندسه محمود عباس ووقع عليه المغدور عرفات لم تكن إسرائيل لتوقع عليه لولا كونه شكل غطاء شرعيا لأكبر عملية تهويد واستيطان للقدس والضفة الغربية تشهدها الأراضي المحتلة منذ احتلال 67، ولولا كونه إعادة صياغة للوضع الفلسطيني تحت نعال الاحتلال لإعفاء الاحتلال من المسؤولية عن أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني خصوصا وأن أوسلو كان له بداية ولم يكن له نهاية.
وقد رأينا كيف أن التيار الأكثر خيانة الذي تلفع بغطاء المنظمة تآمر حتى على رمز التنازل والتفريط الذي وقع على بيع أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين التاريخية مقابل تنصيبه على عرش من ورق في سجن اسمه كانتون الضفة أو غزة، هذا التيار الأكثر خيانة عمل وما زال وبكل طاقته على تفكيك العمود الفقري للقضية الفلسطينية وهي قضية اللاجئين، وذلك عبر الكثير من المخططات والأوراق والمؤتمرات التي قادها ياسر عبد ربه بالشراكة مع بيلين مرة وبيرس مرة أخرى، وروج له أناس نعتو أنفسهم بالمفكرين وأساتذة الجامعات أمثال سري نسيبة.
حماس هذا التنظيم الذي اختط لنفسه نهج المقاومة للعدو، ليس من اجل التحرير، في ظل انعدام التوازن في القوى لصالح العدو الصهيوني المدعوم أمريكيا وأوروبيا، بل لتبقي جذوة المقاومة مستعرة في فلسطين إلى حين توفر ونضج الظروف العربية والإسلامية القادرة على التحرير.
حماس التي انبثقت من اكبر جماعة إسلامية في العالم وهي جماعة الإخوان المسلمين، هي في الأساس جزء من مشروع إسلامي كبير لبعث قوة الإسلام من جديد، ولا شك أن أحد أهم أهداف تغليب طابع المقاومة على حركة حماس هو أن المقاومة هو نوع جذاب وشيق ومبدع من أساليب الدعوة للإسلام ولإحياء روحه وأحكامه في نفوس الناس.
وفي ظل التطورات الأخيرة قد يتساءل البعض، هل حركة حماس هي دعوة إسلامية لها جناح مقاوم، أم أنها تحولت إلى حركة مقاومة لها جناح دعوة؟, أي بمعنى آخر هل ذابت وتماهت حماس كدعوة إسلامية مع حماس المقاومة الأمر الذي جلب لها المزيد من الأعداء سواء على الصعيد الإقليمي والدولي في ظل اتهامها بموالاة سوريا وإيران، أو على الصعيد الداخلي في ظل ممارسات بعض عناصر القسام التي تشابهت إلى حد بعيد أحيانا مع ممارسات العصابات الإجرامية التي تحكمت في غزة طوال الفترة الماضية، بدلا من أن يجلب لها مزيدا من الأتباع والأنصار؟، حيث يقول البعض انه لا يمكن الاعتداد بازدياد أنصار حماس بعد فوزها في الانتخابات ثم سيطرتها على غزة نظرا لان اغلب هؤلاء قد يكونوا من المتسلقين والمنتفعين وليس من المؤمنين حقا بفكرتها ومنهجها.
ثالثا الديمقراطية هذا السوط الذي خوفت به الإدارة الأمريكية الكثير من الأنظمة العربية، والذي أرادها محمود رضا عباس بوابة لتدجين حماس وإدخالها حظيرة السياسة الفلسطينية المحكومة بسقف وحدود الرضا الصهيوامريكي، انقلبت على حلم عباس ومخططاته بفعل الفوز الكاسح لحماس الأمر الذي جعلها تمسك بزمام الحكم في السلطة عوضا أن تكون أقلية معارضة محكومة برأي الأكثرية الموالية لإسرائيل.
وقد رأينا كيف نجحت المخططات الفلسطينية بالاشتراك مع أمريكا وإسرائيل في دفع حماس نحو تحقيق النتيجة المرجوة صهيونيا وبأيدي أكثر الأطراف الفلسطينية تشددا ووطنية- حماس-، وهنا يترتب علينا تفسير هذه العبارة، أو بمعنى آخر الإجابة على السؤال التالي
هل كانت سيطرة حماس على غزة نتيجة أرادتها ودفعت إليها أمريكا وإسرائيل عبر أدواتهم الفلسطينية.؟
وللإجابة على هذا التساؤل دعونا نرفع ناظرينا إلى ما هو ابعد من الضفة وغزة لندرك إن كان لهذا الفعل أبعاد وارتباطات بما يحدث في الدائرة الإقليمية كنا اتفقنا أن العمود الفقري للقضية الفلسطينية هي قضية اللاجئين، وان تفكيك هذه القضية وإنهائها يعني التخلص من اعقد جزء من القضية، وعليه، فلننظر إلى التجمعات الكبرى للاجئين خارج الأراضي المحتلة، وكيف تعمل أمريكا على تفريغ هذه المخيمات والتجمعات الفلسطينية من اكبر عدد من اللاجئين، أو تذويبهم في الدول التي يسكنوها
* ففي العراق رأينا ما يحدث ولا زال للاجئين في العراق من قتل وملاحقة وتشريد دفع الآلاف منهم إلى مغادرة العراق ليس إلى فلسطين ولكن إلى منافي جديدة كان اقلها سوريا التي فتحت أبوابها على استحياء للمئات منهم فيما توجه العدد الأكبرمنهم إلى عدد من الدول الأوروبية التي فتحت وما زالت أبوابها للاجئين الفلسطينيين ووفرت لهم كل المتطلبات الإنسانية وأكثر على اعتبار أن وطن الإنسان هو حيث يجد الراحة والأمان بكل أنواعه وأشكاله.
* وفي الأردن رأينا كيف أن الأردن عمل ومنذ عقود طويلة وما زال على دمج اللاجئين الفلسطينيين لديه في المجتمع الأردني وتقلدوا مناصب سياسية رفيعة كنواب وكوزراء وحتى كمستشارين للعائلة المالكة، الأمر الذي يعني تذويب القضية والهوية الفلسطينية لملايين اللاجئين في الأردن.
* أما في لبنان التي ورطت منظمة التحرير الفلسطينيين فيه في الحرب اللبنانية، حيث انعدمت إمكانية تذويب اللاجئين في المجتمع اللبناني نظرا للطبيعة الطائفية الفسيفسائية التي يتكون منها لبنان حيث أن قبول أو توطين أو تذويب الفلسطينيين في المجتمع اللبناني سيؤثر على هذه التركيبة التي تعمل أمريكا وإسرائيل على المحافظة عليها خدمة لمخططاتها التقسيمية لإضعاف كافة الأطراف في المنطقة.
وعليه ألا يمكن النظر إلى ظاهرة فتح الإسلام التي تربك لبنان منذ أسابيع على أن جزء من نتائجها التآمر على قضية اللاجئين في لبنان لجهة
-تعميق الشرخ بين اللبنانيين والفلسطينيين للدرجة التي تدفع لبنانالدولة إلى فرض مزيد من القيود والمضايقات عليهم لدفعهم إلى مغادرة لبنان ليس إلى فلسطين ولكن إلى منافي جديدة لن تكون إلى الدول العربية ولكن إلى الدول الأوربية التي تفتح أبوابها وتعمل على بعثرة الفلسطينيين في أراضيها.
-فتح ملف السلاح الفلسطيني في المخيمات حيث أن هناك إجماع لبناني على حظر السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الأمر الذي يصطدم مع منظمات مدعومة سوريا مثل الجبهة الشعبية القيادة العامة التي تمتلك ترسانة عسكرية تحت الأرض خارج المخيمات، فكيف بنا إذا فتح موضوع السلاح داخل المخيمات الفلسطينية المسكونين بالخوف من تكرار مجازر مثل صبرا وشاتيلا على أيدي حزب الكتائب اللبنانية الذي عاد وانتعش ويجد دعما أمريكيا واسعا، الأمر الذي قد يدفع الفلسطينيين إلى مغادرة لبنان إلى منافي جديدة خوفا من أن يكونوا ضحايا للصراع اللبناني وهدفا للمخططات الإسرائيلية مرة أخرى.
* وبالانتقال إلى وضع اللاجئين داخل الأرض المحتلة في أي إطار يمكننا وضع القرارات التي اتخذها عباس في أعقاب سيطرة حماس على غزة، سواء من إقالة حكومة الوحدة، وإعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة لإنفاذ حالة الطوارئ رغم مخالفة ذلك لبنود القانون الأساسي الذي عمل عباس على إصدار مراسيم لا قانونية لتعطل بنود منه، والترحيب الباطني من عباس ومن حوله بتشديد الحصار على غزة فيما يرفع عن الضفة وعن عباس الذي تلقى وعود أمريكية وإسرائيلية وأوروبية بإمطاره بمئات ملايين الدولارات مقابل عدم الحوار مع حماس ومقاطعتها فيما تجري الترتيبات للقاء قريب بين عباس وأولمرت..!!
ألا يمكن أن ترسخ هذه القرارات الفصل بين شطري الوطن المحتل غزة والضفة.؟ألا يدفع تشديد الحصار على غزة ورفعه عن الضفة إلى دفع سكان غزة إلى هجرة جديدة سواء داخل الوطن من غزة إلى الضفة، أو خارج الوطن من غزة إلى الدول الأوروبية التي استقبلت خلال العام الماضي فقط أكثر من أربعة آلاف فلسطيني.؟
ألا تعمل قرارات عباس على ترسيخ إقامة كيان فلسطيني مسالم مدعوم ومعترف به دوليا وعربيا ولكن تحت نعال الاحتلال في الضفة الغربية، وترسيخ غزة ككيان مقاوم محاصر ومنبوذ عربيا ودوليا، الأمر الذي لا يهدد فقط وإنما ينهي ويذوب القضية الفلسطينية ويخرجها من أيدي أبنائها لتصبح سوطا يجلدنا الأعداء بها.
ألا تدفع قرارات عباس بل وتشجع إسرائيل على خنق وضرب المقاومة فيها وربما إعادة احتلال قطاع غزة بما يعنيه ذلك من مجازر صهيونية كبيرة لجهة القضاء على حماس وقوى المقاومة فيها لإعادة زمام الأمور لأتباعها الذين طردتهم حماس من غزة.؟
وهنا نخلص إلى ما على حماس القيام به للحيلولة دون الوقوع في الفخاخ الصهيوأمريكية، لجهة إعادة تصويب البوصلة والبندقية من جديد نحو صدر العدو الحقيقي
-وقف كل الممارسات والأعمال التي قد توغر المزيد من صدور أبناء القطاع، وإعادة الاعتبار لحماس كدعوة بكل أجهزتها الاجتماعية والدعوية والاجتماعية والتعليمية والإصلاحية..الخ.
-وقف أعمال السلب والنهب للمال العام وممتلكات الشعب ومقدراته التي يقوم بها اللصوص والسراق وعملاء الاحتلال وأذنابه وفرض القانون على الجميع والحرص على نشر العدالة والأمان، وتجنب ما وقع فيه الآخرون من إيثار الفصيل وأبناءه على حساب باقي أبناء الشعب.
-الشروع الفوري بمصالحة وطنية شاملة تطيب النفوس وتنفس الاحتقان، وتصلب الجبهة الداخلية وتعيد اللحمة والود بين الناس، وتعمل على إنهاء ظاهرة تحول بعض العائلات إلى عصابات مسلحة ومراكز قوى تتغول على القانون والناس.
-الشروع بحوار وطني شامل مع كافة القوى والفصائل والشخصيات والمفكرين في قطاع غزة لجهة تكوين جبهة وطنية عريضة لإرساء حكم القانون والعدالة في القطاع بما يضمن مشاركة الجميع في اتخاذ القرار وتطبيقه وإقصاء نهج التفرد والاستناد إلى القوة الفصائلية الذي اثبت فشله بل وكارثييه على شعبنا وفصائله على حد سواء.
-الشروع الفوري بإعادة صياغة الأجهزة الأمنية في قطاع غزة ودمج ما يلزم منها لتكوين قوة مسلحة وطنية تعمل أولا على فرض القانون والأمن ، ثانيا تتولى مسؤوليتها الوطنية في الدفاع عن الشعب الفلسطيني في وجه العدوان الصهيوني المستمر بما يضمن مشاركة وانخراط الكل الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بما يمتلك من قدرات وكفاءات وإمكانيات بدلا من قصره على بعض الفصائل، خصوصا في ظل السيناريوهات التي تهدد باجتياح شامل للقطاع أو تعرضه لعدوان واسع على الأقل، مستفيدة من الكنز الإسخباراتي الذي عثرت عليه القسام في مقرات الأجهزة الأمنية.
-التأكيد والإصرار على وحدة التراب والشعب الفلسطيني ورفض وعدم التعامل مع كل القرارات والإجراءات التي تستهدف فصل الضفة عن غزة، وتعزيز التعاون مع القوى الشريفة في الضفة الغربية والقدس وتوفير اكبر قدر من الدعم السياسي والمعنوي والمادي لها للوقوف في وجه منفذي مخططات الاحتلال وعملائه.
-خلق مؤسسات وطرق اتصال مع تجمعات الشعب الفلسطيني في الخارج ودعمها للحيلولة دون استمرار استفراد منظمة التحرير التي باتت رهينة وبوابة لتنفيذ مخططات الاحتلال من احتكار القرار والتمثيل الفلسطيني، وإعادة القرار الفلسطيني المسلوب إلى أيدي الشعب الفلسطيني مرة أخرى.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع