الخامس من حزيران: محطة أخرى من محطات فشل النظام الرسمي العربي

الخامس من حزيران: محطة أخرى من محطات فشل النظام الرسمي العربي

رشيد ثابت
2007-06-06

في حرب العام خسرنا بقية فلسطين ومدينة القدس وما يناهز أربعة أضعاف مساحة فلسطين التاريخية كاملة أراضي محتلة وخسرنا كل الطيران العربي المدني والعسكري في بلاد الشام ومصر وفوق ذلك…

في حرب العام 67 خسرنا بقية فلسطين ومدينة القدس وما يناهز أربعة أضعاف مساحة فلسطين التاريخية كاملة أراضيَ محتلة؛ وخسرنا كل الطيران العربي المدني والعسكري في بلاد الشام ومصر؛ وفوق ذلك كله فتح جرح عميق في كرامة الأمة وثقتها في نفسها لما تزل آثاره شاهدة وحاضرة...ومع ذلك؛ ورغم فداحة الخطب الجلل؛ لا زال الفاعل الحقيقي والمتهم الرئيس بهذه الجريمة حرا طليقا لم يدفع ثمن خطيئته؛ ولم يتعرض للحساب العسير الذي يستحق؛ ولم يتحمل العواقب الوخيمة على سوء صنيعه...بل فوق ذلك كله لا زال يتحلى بجرأة عجيبة على الزعم بأنه قادر على تقديم البدائل والحلول!

النظام الرسمي العربي هو هذا المجرم الفار – بل المكابر عيانا - من عدالة التاريخ والأمة؛ وكل القرائن تشهد ضده! وبالنظام الرسمي العربي نعني توليفة الدولة والحكم في كل الدول العربية الناشئة بعد الاستقلال في القرن العشرين؛ والتي فرضت على الأمة حكاما وحكومات اشتركت كلها في خصال جامعة – ولو بدا أنها تنوعت بين ممالك وجمهوريات وإمارات – ركزت على تجميع السلطة في شخص فرد أو مجموعة من النافذين تعد على أصابع اليد الواحدة؛ وغيبت صوت الأمة؛ وتحرك الزعماء فيها بقناعة مطلقة بخصوص أن قوة عظمى ما تتحكم فيهم وبيدها كل أسباب القوة. وحين طوت دورة الحضارة الاتحاد السوفييتي؛ بقيت أمريكا بعبعا أكبر متوجا على عقول هؤلاء الزعماء المتفردين؛ وسيفا مسلطا على رقابهم جعلهم يؤمنون ايمانا قاطعا بأن 99% من أوراق الحل والعقد هي في يد أمريكا! وفي العقد الأخير ربحت أمريكا منهم حتى الواحد في المائة الأخيرة!

هل هناك شيء واحد يمكن تذكره بالخير لهذا النظام؟

للأسف إن شؤمة النظام الرسمي العربي على كل أجنحة الأمة لا تخفى على أحد. يكفي أن نفحص حال كل الدول العربية لنجد أننا من أفقر الناس؛ وأحوج الناس؛ وأعجز الناس؛ وأقلهم حيلة في وسائل التطور والتنمية...ولا توجد جامعة واحدة لنا على قائمة الجامعات المعتبرة؛ ولم تسجل أكاديمياتنا خرقا علميا واحدا منذ عقود؛ وصرنا مضرب المثل في كل نقيصة سياسية وعسكرية واقتصادية والحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه!

الحديث إذا عن فشل هذا النظام يطول ويتشعب؛ ويكفينا في هذا المقام قصر النقاش على عجالة تخص فلسطين. فقبل النكسة؛ ومنذ عام النكبة الأولى يقول استقراء الأحداث أن المجيء بالنظام الرسمي العربي لفلسطين لم يهدف إلا لخلق حالة تسمح بنشوء النكبة؛ وتسمح بخلق الأسباب العملية لبقاء "إسرائيل"؛ فحتى تكسب "إسرائيل" شرعية الأمر الواقع؛ وحتى تربح أفضلية البقاء؛ وتربح اتفاقية هدنة ملزمة تميل لصالحها؛ كان لزاما عليها أن تحارب عدوا رسميا في فلسطين؛ تحاربه وتلحق الهزيمة به ويقر لها هذا العدو بذلك عن يد؛ وقد كان!

فقد جاء النظام الرسمي العربي بعد طول لأي وتلكؤ في مساعدة فلسطين؛ وبدأ أول ما بدأ في نقض عرى المقاومة الفلسطينية؛ فأضحت الهيئة العربية العليا قيادات وسياسيين مطاردين مطلوبين للسلطات؛ وحلت التشكيلات العسكرية لمنظمة الجهاد المقدس؛ وطورد العناصر ومنعوا من التسلح بحجة "وحدانية السلاح" – حجة مألوفة؛ أليس كذلك؟ - وتم إبعاد الفلسطينيين أصحاب القضية والثأر عن المواجهة؛ وحيل بينهم وبين القتال على نحو فعال؛ وأسلمت المعركة وقيادها للنظام الرسمي العربي الذي كان لم يتخلص بعد حتى من التبعية الظاهرية للغرب؛ وقبلت الأمة على نفسها استغفالا تاريخيا يحكى ويقص؛ من مستوى أن تتولى الدفاع عن فلسطين جيوش تدار بضباط أجانب لا يعيرون العروبة والإسلام حبة خردل؛ بل يكن بعضهم لفلسطين العربية كل كراهية؛ ويحرص على نفوذ الصهيونية فيها حرصا كحرص يهود وأكثر!

وضاعت فلسطين بفضل صفقة الأسلحة الفاسدة؛ ومؤامرات "غلوب"؛ وغفلة الأمة وثقة وضعتها في نظام رسمي عربي لم يستحق التزكية! وكسبت "إسرائيل" التخلص من صلابة المقاومة الفلسطينية؛ والتخلص من تفاني حسن سلامة وعناد عبدالرحيم الحاج محمد واخلاص أمين الحسيني؛ وربحت طمأنينة الجوار مع النظام الرسمي العربي الذي التزم بالهدنة وخطوط وقف النار – بل تكارم وأعطى يهوداً فوقها كما وثق الحاج أمين الحسيني في مذكراته – وأطمأنت "إسرائيل" حتى عام النكسة!

وعام 1967 كانت "إسرائيل" قد قطعت عقدين من البناء والاستعداد؛ وكان النظام الرسمي العربي يسدر في غي تيه ونزوات هذا الزعيم أو ذاك؛ حتى إذا وقعت الواقعة خسرنا مدينة القدس خسارة مذلة؛ وكفل النظام الرسمي العربي سقوط أولى القبلتين دون ارتقاء ولا حتى عشرة شهداء حول أسوار الحرم! فهذا النظام لم يكتف بالترهل والفساد والقعود والخور وضعف الإعداد المادي؛ بل إنه تمادى في قتل روح الأمة حتى سقطت بقية فلسطين دون مقاومة كافية كريمة تليق!

وحين انطلقت الثورة الفلسطينية أملا أعاد للشعب الفلسطيني روحه؛ وأعاد تفجير آيات التضحية والفداء بين الفلسطينيين؛ عاد النظام الرسمي العربي للتآمر على الخيار الشعبي؛ وعمل جاهدا على مدى عقدين من أجل أن يعيد اعتقال الثورة والتحرك الشعبي في إطاره الخاضع والمنصاع للتحكم الأمريكي؛ ونجح هذا النظام العربي للأسف في اعتقال الثورة الفلسطينية وتحويلها إلى جناح رسمي عربي آخر بكل تجلياته من جمود وضعف وترهل وخشية لأمريكا؛ وتفاقمت الحالة سوءاً حتى صارت ثورة الأمس أجهزة أمنية وتشكيلات سياسية يتدخل في شأنها الأمريكان والأوروبيون والأعداء الصهاينة أنفسهم؛ وصارت أجندة الفدائي السابق محكومة بالتنسيق الأمني؛ والقيام بما من شأنه حراسة حدود الكيان!

إن ترسيم الخيار الشعبي هو مقتلة للأمة؛ ولهذا السبب فقط يراد الآن إجبار حماس والمقاومة الفلسطينية على الخضوع لإطار رسمي يحولها إلى معتقل محجَّم في إطار لعبة الخضوع لأمريكا وشروطها؛ ولعبة تفهم "المتغيرات الدولية" على طريقة المفرطين من أعلام النظام الرسمي العربي في فلسطين والجوار.

هل هي صدفة أن "إسرائيل" تطلب إرسال الجيش اللبناني للجنوب صباح مساء وترفض وجود المقاومة اللبنانية هناك؟ إن "إسرائيل" تعرف أن الخيار الرسمي العربي هو ضمانتها للبقاء؛ وأنه كلما اقتربت الأمة من خياراتها الشعبية كلما كانت أقرب للمقاومة؛ وكلما كانت أقرب للاستبسال في سبيل حقوقها على طريق كل مجاهديها الكبار من عزالدين القسام؛ إلى كتائبه المرابطة في غزة حتى ساعة كتابة هذا المقال!

الفلسطيني إنسان ذكي؛ وهو يعرف أن لا حاجة له بترسيم الثورة وتدجينها؛ وأن هذا الفعل بالتجربة لم يقد إلا لهزيمة الثورة؛ وحول الفدائي إلى رادم لأنفاق العمليات الفدائية! وهو يفهم أن لا سبب يدعوه للثقة في النظام الرسمي العربي ومبادراته – حتى دون معرفة حيثيات ما فيها من بنود – فهذا النظام لم يجلب إلا النكبة؛ والنكسة؛ وكل هزائم وخسائر الأمة؛ فأي شيء يجعل الفلسطيني يثق في هذا النظام وفي حلوله؟!

عشية ذكرى الخيبة الثقيلة الثانية للنظام الرسمي العربي فلسطينيا؛ فإن لدى فلسطين رسالة للرسميين العرب؛ ورسالة لفرعهم المحلي معهم تقول "حلوا عنا"؛ فقد جربانكم وشبعنا من تجاربنا معكم فشلا؛ ونحن الآن نفحص خيارنا النابع من إرادتنا؛ خيار الصمود والمقاومة والجهاد؛ ونريد منحه الفرصة الكافية ليعمل وينتج!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026