هناك مؤامرة تشارك فيها أطراف عربية وأمريكية وإسرائيلية تهدف لإنهاء حكم حماس وتوجيه ضربات لكوادرها وأنصارها واغتيال قادتها المعلومات التي توصلت لها خلال الأسبوع الماضي تؤكد أن…
هناك مؤامرة تشارك فيها أطراف عربية وأمريكية وإسرائيلية تهدف لإنهاء حكم حماس، وتوجيه ضربات لكوادرها وأنصارها واغتيال قادتها.
المعلومات التي توصلت لها خلال الأسبوع الماضي تؤكد أن تلك المؤامرة قد بلغت مرحلة متقدمة، وأن أطرافاً عربية تشارك فيها بالاضافة إلى التيار الانقلابي داخل حركة فتح، وأن تلك المؤامرة تقوم بشكل أساسي على إثارة الفوضى والحرب الأهلية داخل فلسطين، بالتزامن مع عدوان إسرائيلي يستهدف تدمير البنى الأساسية الفلسطينية في الضفة وغزة، واغتيال قادة حماس.
خطة العمل الأمريكية
من أهم تلك المعلومات ما نشرته صحيفة المجد الأردنية، وأدى إلى قيام السلطات الأردنية بمنعها من الصدور، حيث نشرت الجريدة خطة أمريكية شاركت في وضعها أجهزة مخابرات عربية تقوم على إفشال حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية عبر مجموعة من الخطوات، يقوم بعدها الرئيس الفلسطيني بحل البرلمان بعد تقوية حلفاء أمريكا في حركة فتح والدعوة لانتخابات برلمانية في الخريف القادم.
الخطة الأمريكية تهدف إلى القيام بانقلاب ناعم ضد حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية.. ولكن كيف يمكن أن يتم هذا الانقلاب؟!! وهذه الخطة أصبحت تتبناها الإدارة الأمريكية التي عارضت اتفاق مكة، واتخذت عدداً من الإجراءات لمواجهة هذا الاتفاق عن طريق زيادة الدعم المادي لقوات الأمن التابعة للرئيس الفلسطيني، ودفع الرواتب للموظفين الذين ينتمون لفتح.
وتقول الخطة إن الهدف هو توجيه ضربة عنيفة لحماس بتصوير الرئاسة الفلسطينية بأنها هي التي توفر الحاجات الاقتصادية للفلسطينيين، وأن الحصار العالمي سوف يستمر ضد حماس، وهذا سيؤدي إلى فشل مشروعاتها الاجتماعية والاقتصادية.
قلق من ضعف الرئاسة
أشارت الخطة الأمريكية إلى قلق البيت الأبيض من استمرار ضعف الرئاسة الفلسطينية، وأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تناقص التزام بعض الدول بمقاطعة حكومة حماس من ناحية، وتناقص تعاون بعض الدول مع الرئيس الفلسطيني، وأن بعض الدول الأوروبية، وبعض الدول التي تنتمي إلى مجموعة الثمانية قد بدأت تبحث عن أطراف فلسطينية تتمتع بالمصداقية، وهذا يمكن أن يقوي موقف حماس في المجتمع الفلسطيني، ويضعف موقف فتح.
وتؤكد الخطة الالتزام الأمريكي ببناء أجهزة الأمن التابعة للرئاسة الفلسطينية التي تمولها أمريكا بـ 59 مليون دولار توجه مباشرة لهذه الأجهزة لتقويتها ضد حماس.
وتقترح الخط أن تقوم "إسرائيل" بزيادة مصداقية عباس عن طريق إزالة الحواجز من الطرق الرئيسية في الضفة الغربية.
ويلاحظ أن هذه الحواجز قد حولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم، حيث بلغ عددها 450 حاجزاً، ويتعرض الفلسطينيون بشكل مستمر للإهانة وانتهاك حقوقهم عند عبورهم لهذه الحواجز التي أدت إلى تقطيع الضفة، ومنع الاتصال بين المدن والقرى الفلسطينية.
لذلك ترى الخطة أن قيام "إسرائيل" بإزالة هذه الحواجز يمكن أن يزيد قوة عباس وفتح في مواجهة حماس، وهذا سوف يمكنه من الدعوة إلى انتخابات مبكرة في بداية خريف 2007.
تأكيد إسرائيلي للخطة
من الواضح أن تلك الخطة قد بدأت الطريق نحو التنفيذ، حيث نشرت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية في 4 مايو وثيقة تحدد الخطة الأمنية للضفة الغربية، وتشير إلى إزالة الحواجز، وفتح المعابر أمام حركة السفر والتجارة، وموافقة "إسرائيل" على نقل الأسلحة والمعدات التي تحتاجها قوات الدفاع الموالية لعباس.
تشير الخطة التي نشرتها هاآرتس إلى التعاون بين "إسرائيل" والأجهزة الأمنية الموالية للرئيس الفلسطيني عبر سلسلة من الخطوات التي تهدف إلى بسط سيطرة أجهزة الأمن الموالية لعباس على الضفة وغزة، في مقابل أن تقوم تلك الأجهزة بمنع اطلاق صواريخ القسام على "إسرائيل"، ومنع تسرب الأسلحة إلى حماس عبر منطقة رفح.
طبقاً لهذه المعلومات يمكن أن نفسر الكثير من الأحداث ومن أهمها الاجتماع بين عباس وإيهود أولمرت، كما أننا يمكن أن نفسر تزايد غطرسة الأجهزة الأمنية التابعة لعباس، وعدم التزامها باتفاقيات الهدنة مع حماس.
وفي الوقت نفسه تتزايد التهديدات الإسرائيلية باغتيال قادة حماس والهجمات الإسرائيلية التي تستهدف العناصر الفاعلة في كتائب عز الدين القسام.
وكل ذلك يشير إلى أن المنطقة سوف تشهد صيفاً ساخناً، تزداد فيه حدة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وربما يشهد اغتيال عدد من القادة السياسيين لحماس، ثم يعقب ذلك الصيف الساخن قرار بحل البرلمان الفلسطيني والدعوة إلى انتخابات جديدة.
النفاق الأمريكي الديمقراطي
لكن كل ذلك سوف يؤدي إلى كشف الأوراق، وفضح المستور الذي تحاول أمريكا والنظم العربية أن تخفيه، فالولايات المتحدة التي قامت بغزو العراق بمبرر أنها تريد إقامة نظام ديمقراطي يشكل نموذجاً للنظم العربية الديكتاتورية تعادي الآن الديمقراطية بوضوح، وتقوم بأعمال غير أخلاقية لمنع شعب فلسطين من أن يقرر مصيره، وأن يتمتع بحريته في اختيار حكامه.
إن هذا يعني أن فوز حماس في الانتخابات قد كشف النفاق الأمريكي في قضية الديمقراطية، وأن أمريكا ترفض أن تستخدم الشعوب الديمقراطية للتحرر.
أدركت النظم العربية أن أمريكا لم تعد تريد تلك الديمقراطية التي تأتي بالوطنيين الأحرار الذين يعملون لتحقيق الاستقلال، ولإقامة تنمية حقيقية، ولذلك استغلت الفرصة لتزيد من ممارستها الاستبدادية القمعية ضد شعوبها، لقد أدركت تلك النظم أن إرضاء أمريكا أصبح يمر عبر تزوير الانتخابات وانتهاك حقوق الإنسان.
المؤامرة الأمريكية ضد حماس تزيد كراهية الشعوب كلها لأمريكا، فهذه الشعوب تدرك أن حماس قد فازت في عملية تطبيق مثالية للديمقراطية، وأنها وصلت للحكم بإرادة شعبية، وأنها تملك الآن تفويضاً شعبياً يجعلها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وأنها حركة تحرر وطني تكافح لتحقيق الجلاء والاستقلال والتنمية، لذلك فإن كل الأعمال التي تقوم بها أمريكا ضدها هي عملية ظلم، وعدوان على شعب يكافح لاسترداد أرضه المغتصبة، وانتزاع حريته.
كراهية عامة لأمريكا
على المستوى العربي فإن الكراهية تتزايد ضد السياسة الأمريكية العدوانية، والمؤامرة الأمريكية ضد حماس سوف تزيد تلك الكراهية، فالرأي العام العربي يقف بشكل عام مع حماس، حتى إن الكثير من اليساريين العرب أصبحوا يتعاطفون مع حماس باعتبارها حركة تحرر وطني.
وأنا أتحدى أن يتم إجراء استطلاع حقيقي للرأي العام في العالم الإسلامي كله، فسوف يكشف هذا الاستبيان عن نسبة تأييد غير متوقعة لحماس تفوق بكثير النسبة التي حصلت عليها في الانتخابات التشريعية.. كما أن هذا الاستطلاع سوف يكشف تزايد الكراهية في العالم الإسلامي ضد أمريكا بسبب العداء للشعب الفلسطيني، والحصار الذي تفرضه على هذا الشعب.
يضاف إلى ذلك أن هذه المؤامرة سوف تزيد أزمة النظم العربية التي تعاني من تدهور مصداقيتها وكراهية شعوبها لها، فالشعوب العربية لاتتحمل رؤية نظمها تقف مع أعدائها، وتخطط معهم لإفشال حكومة حماس وتجويع الشعب الفلسطيني.. وهذه النظم العربية لم تدرك بعد أننا نعيش في عصر ثورة الاتصال، وأنه لم يعد من الممكن إخفاء الأسرار.. والشعوب أصبحت أكثر وعياً وقدرة على معرفة الأعداء، هذه النظم العربية التي تعادي حماس تزيد القطيعة مع شعوبها، وتزيد كراهية هذه الشعوب لها.
ولأن أمريكا لاتفهم طبيعة الشعوب الإسلامية، فإنها تعتقد أن الحصار والتجويع يؤديان إلى انصراف الناس عن حماس، وأن منح المرتبات لأنصار فتح ومنعها عن الشعب الفلسطيني سيؤدي إلى تناقص شعبية حماس وفشلها في الانتخابات القادمة التي تدفع الرئيس الفلسطيني للدعوة لها في الخريف القادم.
لكن أمريكا لاتفهم أن شعب فلسطين لايريد الخبز، بل يريد الحرية والوطن والاستقلال والدولة والقدس، ولذلك تتزايد شعبية حماس، ويزداد حب الناس لها بقدر حبهم للوطن والحرية والعدل والإصلاح، ويزداد تمسكهم بحماس بقدر تمسكهم بهويتهم الإسلامية.
انتصار لحماس
رغم كل المؤامرات والحصار فإن حماس قد حققت انتصاراً ثقافياً وسياسياً كان من أهم تجلياته أنها أكدت الهوية الإسلامية لشعب فلسطين، وإصراره على حقوقه في استعادة أرضه وبناء دولته وتقرير مصيره، كما أثبتت أنها قادرة على إدارة المقاومة باعتبارها حق مشروع لشعب فلسطين لتحرير أرضه، وإدارة الحكم والمجتمع وممارسة الديمقراطية.
لقد نجحت حماس في تشكيل صورة إيجابية لشعب فلسطين تقوم على أنه شعب يكافح بإصرار لتحرير أرضه رغم كل الضغوط الدولية، وأنه استطاع أن يواجه الحصار ويصمد ويقاوم، ويتحدى الظلم والطغيان.
وحماس أثبتت أنها قادرة على حماية مبادئها والتمسك بها، وأنها حركة مقاومة تمارس السياسة انطلاقاً من شرعية المقاومة، وأنها حركة تحرر وطني، ولذلك فقد مارست أقصى درجات ضبط النفس في مواجهة استفزاز عناصر فتح، ورفضت توجيه سلاحها لصدور الفلسطينيين، وأصرت على أن يظل سلاحها موجهاً نحو العدو الذي اغتصب الوطن، ولذلك فقد أحب الناس حركة حماس، وعرفوا الفئة الباغية التي كشفت عن نفسها بتوجيه الرصاص إلى صدور أنصار حماس.
لقد قدمت حماس صورة لحركة شعبية ديمقراطية تقاتل من أجل الحرية، وتعمل لتحقيق العدل الاجتماعي، وإصلاح المجتمع.
لذلك فإن "إسرائيل" تبحث عن المشاركة في نسج المؤامرات ضد حماس، لكنها تتردد في اقتحام غزة لأنها أصبحت تخاف من كوادر حماس الذين يمكن أن ينتظروها في شوارع غزة، وهم مسلحون بإيمانهم بالله وبحقهم في الحرية.
لكن من المؤكد أن المؤامرة سوف تفشل كما فشلت المؤامرة السابقة، وستصمد حماس حتى ينكسر الحصار، وستواصل قتالها من أجل الحرية، وكفاحها من أجل تحرير فلسطين، وستحول الحكم في المنطقة العربية إلى وسيلة لإقامة العدل، وقيادة الشعوب إلى تحقيق الاستقلال الشامل.