مجلة العصر اتخذ جيش الاحتلال من إيقاف عمليات المقاومة وعلى رأسها إطلاق صواريخ القسام باتجاه المستوطنات والمواقع العسكرية ذريعة للقيام بعمليات الاجتياح المتكررة لمناطق شمال ووسط…
مجلة العصر
اتخذ جيش الاحتلال من إيقاف عمليات المقاومة، وعلى رأسها إطلاق صواريخ "القسام" باتجاه المستوطنات والمواقع العسكرية، ذريعة للقيام بعمليات الاجتياح المتكررة لمناطق شمال ووسط وجنوب قطاع غزة، وما تضمنته تلك العمليات من ارتكاب للمجازر واستخدام شتى أنواع الأسلحة من طائرات الإف 16 والاستطلاع والأباتشي، ودبابات "ميركافاه"، والصواريخ المحرمة والقذائف المسمارية، وترسانة كبيرة من الأسلحة تمتلكها "القوة الخامسة في العالم"، تحارب مخيمات وبلدات وقرى صغيرة لا تتجاوز مساحتها الكيلو متر مربع.
وعادة ما كان يزيد الجيش الإسرائيلي من عدد قواته ووحداته العسكرية التي يزج بها في عمليات الاجتياح والتوغلات، بحيث أصبح تحت تصرف القادة الميدانيين فرقة من القوات الخاصة، تتشكل من 7-8 كتائب متفوقة، وأربع كتائب جوالة من القوات النظامية، وحدتين خاصتين من حرس الحدود، وحدات النخبة وأبرزها أغوز، دوفدفان، شلداغ، شطييت، سييرت متكال، فضلا عن بعض الوحدات المهنية المرافقة.
• مراحل عملية الاجتياح
جرت العادة بأن تمر عملية التوغل والاجتياح بالمراحل التالية
1- تتركز أماكن التوغلات والاجتياحات على المناطق القريبة من المستوطنات المحاذية للقطاع ومواقع الجيش، حيث يركز الاحتلال على تنفيذ اجتياحات محدودة لمناطق معينة بأعداد كبيرة من جنوده، مزودة بآليات عسكرية ودبابات حربية ومساندة مروحية، تحت غطاء كثيف من إطلاق النار وقذائف المدفعية، وأحيانا تفرض حظر التجول على الفلسطينيين.
2- في كثير من الأحيان، يتمركز القناصة فوق البنايات المرتفعة، ويحولوها إلى ثكنات عسكرية لرصد رجال المقاومة، وتفتح النار باتجاه أي جسم متحرك، وتنتشر أحيانا وحدات الموت الخاصة "المستعربون" لإعداد أي مقاوم ميدانيا.
3- جرت العادة أنه فور توغل القوات للمخيم تدخل وحدة مكبرات الصوت وتعلن باللغة العربية بأن المكان محاصر، وتحدد نصف ساعة مهلة لتسليم سلاح المقاتلين، ومن يخرج بأيد مرفوعة ومخازن الرصاص بيده، والسلاح معلق على ظهره، وفوهة البندقية نحو الأسفل، فلن يصاب بأذى، وقد اعتادت قوات الاحتلال على انتهاج أسلوب نفسي يستهدف ضرب الروح المعنوية للفلسطينيين، ويتمثل في إلقاء المروحيات العسكرية لآلاف المنشورات باللغة العربية الفصحى، موقع باسم قيادة الجيش الإسرائيلي، علما بأن هذه المنشورات لا تكتب بصورة عاجلة، بل تفحص من قبل وحدة الأبحاث في قسم الحرب النفسية التابع للاستخبارات العسكرية، لاعتقاد المسئولين أن هذه البيانات تثير حالة من عدم اليقين والخوف من الآتي.
4- ثم يقوم الجنود بمداهمة المنازل والمنشآت المدنية والمساجد، بحثا عن المقاتلين والسلاح، كما تنفذ عمليات تفتيش وتخريب وتكسير واسع للممتلكات، وتحقق مع المواطنين داخل منازلهم، وتعتقل من تريد منهم، وتلحق دمارا واسعا وأضرارا بالغة في شبكات الكهرباء والهاتف والطرق العامة والمنازل السكنية، فضلا عن تجريف وتدمير الأراضي الزراعية، إضافة لتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة لقادة المقاومة الميدانيين،
5- جرت العادة أن تستخدم القوات معدات ثقيلة وكبيرة، ومنها الجرافات، التي لا تؤثر فيها العبوات وقذائف الآر بي جي، حيث تنجح في وقت تخفق فيه الدبابة والمروحية، وحين تستخدم القوات المتوغلة هذه الجرافات، فإن التوجه يبدو مفهوما من قبل المقاومين، أي أن الجيش بصدد القيام بعملية تدمير وليس اقتحام فقط،
6- في كثير من العمليات، ينتهي الاجتياح فعليا بإقامة منطقة عازلة عبر دخول القوات البرية لفترة زمنية طويلة، ومع ذلك بقيت هناك نقاشات حادة داخل أوساط المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حول التخوف من إمكانية تدهور الوضع الميداني في غزة إلى هذا الحد، حيث تركزت النقاشات حول عمق الاحتلال البري، وهل سيقتصر على شريط زراعي غير مأهول في شمالي القطاع، أم سيذهب أبعد من ذلك إلى احتلال المنطقة المأهولة في بيت حانون وبيت لاهيا.
• الجدوى العسكرية لعمليات الاجتياح
تعددت أسماء الحملات العسكرية الإسرائيلية في مواجهة المقاومة، ومنها حقل الأشواك، الجحيم، جهنم المتدحرجة، السور الواقي، رحلة بالألوان، المسار الحازم، فارس الليل، قوس قزح، السهم الجنوبي، الطريق الحازم، أول الغيث، أيام الندم، انفجارات بلا حدود، الواقي الأمامي، رياح خريفية، الحديد البرتقالي، سيف جلعاد، أمطار الصيف التي وجهتها ضد قطاع غزة بعد أسر الجندي في يونيو 2006م. ويبدي قادة جيش الاحتلال اهتماما كبيرا في اختيار الأسماء، التي يطلقونها على حملات القمع والتنكيل ضد الفلسطينيين، على أمل أن تخلق هذه الأسماء قدرا من الردع حتى قبل أن تنتهي مهمتها.
ورغم تعدد أسماء العمليات ودلالاتها العسكرية، فقد أقرت بعض المصادر بفشلها في القضاء على المقاومة، ومن ذلك ما قاله رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال "أهارون زئيفي فركش"، من أن الحديث عن القضاء على المقاومة مجرد وهم، معترفا بأن العمليات الحربية التي يقوم بها الجيش مفيدة لتقليص عمليات المقاومة أو الحد من انتشارها أو تضييق الخناق عليها ومحاصرتها، ولكن في النهاية تبين لنا أن المقاومة "بئر بلا قاع"، لا يمكن القضاء عليه تماما بالوسائل العسكرية وحدها، ويجب عمل ذلك بالوسائل السياسية.
وأضاف نعمل ليل نهار لتدمير براميل البارود التي تنتجها المقاومة، ولكن علينا الاعتراف بأنه كلما دمرنا برميلا، يفتح أمامنا برميل آخر، وكلما احتللنا منطقة يطلق منها باتجاهنا صواريخ القسام، ندفع المقاومين لتحسين إنتاج الصواريخ لتصبح ذات مدى أبعد!
وبعد مرور عدة أشهر على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، دأبت قوات الاحتلال على انتهاج ما بات يعرف بـ(القتال من الجانب الآخر)، بتعزيز الاقتحام البري دون الرغبة في إطالة المكث داخل أراضي القطاع، وبهدف تحقيق غايات تكتيكية ردعية في الوقت ذاته، على أن تنتهي عملية الاجتياح هذه باحتلال مناطق وتشكيل منطقة أمنية عازلة.
ومن المهم الإشارة إلى أن التوغلات عادة ما واجهتها قوى المقاومة بصمود أقرب ما يكون أسطوريا، سواء على صعيد المقاومين الأفراد، الذين كانوا يخوضون مواجهات متواصلة تمتد لساعات طويلة، أو على صعيد المجموعات المقاتلة التي أوقعت بالجنود المتوغلين خسائر فادحة، سيما وأن قطاع غزة الأكثر كثافة والأكثر تطورا من حيث نوعية الأسلحة المستخدمة، مما جعل نائب وزير الدفاع "بنيامين بن أليعازر" لاعتبار غزة جحيما لجنوده إذا دخلوها، كما تساءل المعلق العسكري "يوآف ليمور" كيف نفكر بتوجيه حملة كبيرة على قطاع غزة، في الوقت الذي استغرقنا فيه وقتا وجهدا كبيرين في ضرب البنية التحتية للمقاومة هناك، ومع ذلك لم نحطم قدرتها على القيام بعملياتها داخل إسرائيل، محذرا من أن يكون القطاع مستنقعا، يصعب على الجيش الخروج منه!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع