من الصعب على أي متابع
من الصعب على أي متابع – منصف بحق – يشاهد فصول التصفية والاستهداف المنظم الذي تتعرض له حماس في غزة والضفة، أو يرى لهيب النار المفتوحة على الحركة من كل الجبهات أن يتجاهل حقيقة الدور التكاملي للاحتلال ومأجوريه ممن لهم يد طولى ودور أساسي في تنفيذ مخطط شامل يرمي إلى إنهاك حماس وإخراجها من السلطة ليكون الطريق بعدها معبداً أمام إنهاء المقاومة كفعل وكثقافة.
ففي الوقت الذي اتجهت فيه حماس نحو خوض مرحلة مقاومة جديدة مع الاحتلال لقطع الطريق على كل من يريد حرف بوصلة البندقية عن مسارها وفي الوقت الذي آثرت فيه الحركة أن تستمر في خيار الصبر والتعالي على الجراح، مع أن عدم الرد على فلول المرتزقة التي تعيث في الشوارع فساداً وتقتل وتخطف وتعذب لم يكن بدافع العجز أو انعدام القدرة على شن هجمة كاسحة عليهم.. في هذا الوقت ورغم كل بوادر حسن النية والمبادرات الشجاعة التي قدمتها حماس وأبرزها خيار تصعيد المقاومة الذي كانت ضريبته غالية فإن كثيرينً لم يقدروا لحماس هذا ولم يكبروا فيها كل ما بذلته من محاولات لإدارة الأزمة بحس عالٍ من المسؤولية والالتزام.
بل لقد غاب صوت فصائلنا الفلسطينية وردة فعلها على حالات الاعتداء من طرف واحد التي أعقبت اتفاق التهدئة بين حماس وفتح، والتي كان ضحيتها أنصار حماس وأبناءها، وها قد مرت الحادثة الإجرامية التي اغتيل فيها الشاب منير تنيرة من خانيونس وأصيب رفيقه محمد كلاب بجراح خطيرة مرور الكرام، ومثلها حوادث الحرق والاعتداء التي تنفذها عصابات هويتها معروفة وكلها خرجت من تحت عباءة الأجهزة الأمنية أو ما يسمى بتنفيذية فتح التي دخل أفرادها من معبر رفح خلال أحداث غزة وبتنسيق مباشر مع الاحتلال!!
ولم يكن – ولن يكون على ما يبدو – آخر تلك الخروقات حادث الاعتداء على الشاب رمضان فلاح في غزة بعد اختطافه وتعذيبه بوحشية وبشاعة يندى لها الجبين، وعجز الاحتلال أن يصل إليها.
وبالتوازي مع كل هذا ما زال الطيران الصهيوني يكثف من حملات القصف الإجرامية على كوادر ومؤسسات حماس في القطاع وبأسلوب يتخذ شكل التصفية المبرمجة أكثر منه مجرد ردود فعل على صواريخ القسام.
وكان آخر تطور في مسلسل التصفية ذلك التصعيد الجديد في الضفة والمتمثل باعتقال وزير التربية وما تبقى من نواب حماس ورؤساء البلديات التي فازت بها الحركة، وعدد كبير من كوادرها على اختلاف مواقعهم التنظيمية ومهما كانت مجالات نشاطهم، وما رافق ذلك من حملة ضد المؤسسات المحسوبة عليها أو المشتبه بوجود علاقة لها بالحركة.
هذا التزامن والتكامل ما بين أحداث غزة من عبث فئات داخلية مجرمة أو تصعيد من قبل الاحتلال وبين ما يجري في الضفة وما يرافقه من تهديد يطال قيادة الحركة في الخارج لا يمكن أن يكون محض صدفة، فحملات الاحتلال التي لا تفرق بين عسكري وسياسي وداعية في حماس ولا بين مقر عسكري لها أو مؤسسة اجتماعية أو ثقافية أو دعوية توازيها حملات الإجرام الداخلية التي تنفذها أطراف ما عادت ولاءاتها ومصادر تمويلها وتسليحها خافية على أحد، تلك الحملات التي لم تستثن العزل الذين يؤتون غدراً بجريرة إطلاق لحاهم، ولم توفر مؤسسة عامة أو منشأة خاصة إسلامية الطابع أو الميل!!
ولم يعد سراً ولا اكتشافاً جديداً القول إن مرد هذا الاستهداف لحماس الذي تتقوده إسرائيل وتشاركها فيه أطراف داخلية مأجورة وأخرى إقليمية وبدعم وتمويل دولي هو تقاطع مصالح هذه الأطراف جميعاً عن نقطة القضاء على حماس أو على الأقل إزاحتها عن دائرة التأثير وتجريدها من شرعيتها التي تتحصن بها وتؤمّن لها فرصاً للحراك في عدة مسارات قد تكفل للحركة على المدى البعيد الإمساك بزمام الكثير من الأمور داخلياً وخارجياً الأمر الذي لن يكون أبداً في صالح كل تلك الأطراف.
وإن كان قد أصبح بدهياً أن تظل الحرب بين الكيان الصهيوني وحماس قائمة ومستمرة ومتصاعدة، وإن كانت معروفة دوافع بعض دول الجوار العربي للتخوف من حماس ومشروعها والاستعداد للتحالف مع الشيطان في سبيل إعاقته، وان كان متوقعاً أن تعمل رموز أوسلو وعصاباته بكل ما أوتيت من قوة على إفشال حماس والانقلاب عليها بل ومواجهتها مادياً ومعنوياً.. إن كان مفهوماً مغزى أن يقف كل هؤلاء موقف المناوئ لحماس.. حماس الفكرة كما حماس النهج، وحماس البرنامج السياسي كما حماس المشروع المقاوم وكما حماس بمسارها الدعوي والثقافي والاجتماعي.
وإن كان سلوك كل تلك الأطراف بما تمثله غير مفاجئ، فإن غير المفهوم بعد ولا المقبول سر صمت بقية الفصائل الوطنية وقوى شعبنا الحية عن حقيقة ما يجري، وعدم تقدمهم للوقوف وقفة مسؤولة وجادة، في وقت بات مطلوباً من الجميع أن يصل لحظة الإدراك الحقيقية لطبيعة الحرب المعلنة على حماس وما تمثله من حرب على المقاومة برمتها كخيار.
لماذا ما زال الجميع يستطيب العزف على وتر ( الاحتراب الداخلي على المناصب) ؟ في تفسير خلفيات الأحداث الأخيرة؟ لماذا ما زال هناك من يستمرئ ذلك الدور الانتهازي في الاستفادة من تلك التفسيرات الشوهاء لكي يبرز هو كطرف وحيد حريص على الوحدة بعد أن يضع الطرفين المتواجهين في الخانة نفسها ويرميهما عن قوس واحدة بتهمة الاستهتار وتكريس (المحاصصة) والجشع السلطوي؟!
سيأتي كثيرون الآن، وكما هي العادة، ويطلقون لخيالهم ولألسنتهم العنان متحدثين عن (أخطاء حماس) (خطئها) حين شكلت الحكومة و(خطئها) حين شكلت القوة التنفيذية و(خطئها) حين وقفت في وجه المشبوهين، وقد يمضي آخرون إلى ما هو أبعد من ذلك ويجلدون ظهرها لأنها غادرت – كما يظنون – مربع المقاومة أو على الأقل لأن وتيرة القصف الموجه نحو كوادرها وقادتها قد خفت حدته في فترة من الفترات!... سينصب كثيرون الآن أنفسهم قضاة يتبارون لمحاكمة حماس بأثر رجعي، ويحملونها وزر الكثير من مآلات الأمور، وكأن العيب يكمن في سلوك حماس وليس فيمن تصدى لكل خطوة لها على طريق الإصلاح، وكأن المشكلة بدأت منذ تشكيل حماس حكومتها الأولى وليس منذ أن تم رهن الحقوق الفلسطينية والمواقف السياسية باشتراطات الدول الغربية المانحة! أو كأن أساس المشكلة كان تشكيل قوة عسكرية وطنية لضبط الأمن بعد أن تم نزع صلاحيات وزير الداخلية وبات غير قادر على إلزام أصغر كادر أمني بأوامره، بينما ظلت عمليات تسليح الأجهزة الأمنية تجري رغماً عنه ودون علمه استعداداً لجولات مواجهة داخلية وليس لضبط الأمن أو للتصدي للاحتلال!!
أما حماس، فلن يتوقع لها أن تخرج من هذه المرحلة وبعد هذه الجولة من الاستهداف إلا أشد صلابة وأقوى مراساً، فإن كان قد صعب اجتثاثها وإنهاؤها وهي في بداياتها، أفيمكن لعاقل أن يحلم بإمكانية القضاء عليها وقد توسعت وامتدت طولاً وعرضاً في جميع الاتجاهات؟!
وأما أعداؤها فلو كان يفقهون لأدركوا أنهم باختيارهم نهج التصفية هذا إنما يضاعفون من حيث لا يدرون من تصليب الدرع الذي تتحصن خلفه حماس.. درع فكرها المتين وعماده قاعدة شعبية تزداد إيماناً بها حتى وهي ترى أن استمرار حماس في الحكومة لن يحقق رفاهاً مادياً أو انفراجاً في الحصار.
وحتى لو نجحت تلك الأطراف في إخراج حماس من السلطة وحتى لو نجح مسعاها في الانقلاب على الخيار الانتخابي الذي أتى بحماس، فإن هذا حتماً لن يمثل نهاية حماس ولن يكون بمثابة الضربة القاصمة لظهرها، فخيار الانتخابات وما تمخض عنه لم يكن سوى محطة على طريق مشروع حماس الكبير، وشتان شتان بين من هذا حاله وبين من كانت السلطة وامتيازاتها آخر محطاته ودفع للاستثمار فيها آخر سهم في كنانته، فارتبط وجوده بوجودها وصارت نهايتها تحمل نذر انتهائه واندثاره أيضا !
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع