ربما كانت هذه من المرات النادرة التي تستطيع فيها المقاومة الفلسطينية أن تبدو ندا قادرا على التأثير على الاحتلال بصورة حاسمة بهذا القدر وهذا المستوى الذي نلمسه في الأحداث الأخيرة…
ربما كانت هذه من المرات النادرة التي تستطيع فيها المقاومة الفلسطينية، أن تبدو نداً قادراً على التأثير على الاحتلال بصورة حاسمة، بهذا القدر وهذا المستوى الذي نلمسه في الأحداث الأخيرة في غزة وسديروت، على الرغم من عدم تكافؤ القوى وانكسار الميزان العسكري بصورة مفرطة لصالح الاحتلال.. إلا أن استثمار المقاومة الفلسطينية وهشاشة وحساسية الأوضاع الإسرائيلية من جهة، وقدرة المقاومة على التحمل والصبر وإبداء قدر ضخم من رباطة الجأش من جهة أخرى، أظهر الأمر باعتباره صراعا شرسا بين قوتين، تبذل كل منهما ما تستطيع للنيل من الطرف الآخر.
فإجلاء سكان اسديروت بعد الذعر الذي دب بين صفوف سكانها، بفعل صواريخ بدائية الصنع ونجاح المقاومة في زرع آلاف العبوات الناسفة في طريق آليات الاحتلال.. وتزودها بذخائر وعتاد، وتدريب الآلاف من المقاتلين على حرب العصابات، والأهم كل هذا القدر من الاستبسال والاستعداد اللانهائي للتضحية، بدأ يشعل أضواء الخطر في وعي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وليس مبالغة أن يتحدث كبير المحللين العسكريين الإسرائيليين زئيف شيف، عن أن مشهد الهروب من اسديروت مرشح للتكرار وبزخم أعلى، وأن الدور القادم على عسقلان، بعد إشاراته المتكررة إلى إمكانية أن تتحول صواريخ القسام إلى خطر استراتيجي ووجودي بالنسبة لـ «إسرائيل»، إذا ما نجحت المقاومة الفلسطينية في نقل تقنية تصنيعها واستخدامها إلى الضفة الغربية، حيث أن المثلث الحيوي لـ «إسرائيل»، ديمغرافياً وأمنياً، والواقع بين القدس وتل أبيب، سيكون في مرمى نيران القسام، ناهيك عن شل حركة الطيران من قطار بن غوريون، وتهديد الكثير من المصالح الحيوية لـ «إسرائيل»، على صعيد الطاقة والصناعات الكيماوية وأماكن تجميع القوات.
المقاومة في غزة صعدت درجة وربما درجات، وهذا ما كانت تخشاه «إسرائيل» وحكومة أولمرت وحاولت تفاديه بعد فضيحة لبنان، إلا أنها الآن وفي لمحة بصر ودون سابق تخطيط تواجه امتحان غزة، وتقف عاجزة عن الفعل أو إعطاء إجابات حاسمة على ما يطرحه التحدي الذي تمثله حماس من تساؤلات. فالدخول إلى عش الدبابير مكلف وفوق احتمال حكومة مذعورة وصمها تقرير فينوغراد، بغياب الإرادة والعجز وفقدان المسؤولية. والانتظار على أبواب غزة والاكتفاء بالمعالجات من الجو لن يجدي، فيما تتعزز حماس وتطور من إمكاناتها إذ تقول المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إنها نجحت في تكوين جيش صغير، أثبت فاعلية عالية على الأرض وفي التصميم على الاستمرار.
إن المشهد في غزة، على ضخامة التضحيات، ينذر بالسوء للاحتلال، فهذه الجغرافيا المحدودة المحاصرة من الجهات الست، أثبتت أن الإرادة تستطيع أن تصنع المستحيل، وأن الزمن لا يعمل في مصلحة الاحتلال، وأن ما شهدته قوته الردعية من تآكل في لبنان، وفي الهروب من غزة، هو مما يدلل على أن الصورة تزداد تعقيدا وسوءا، فيبدو الاحتلال رغم ضخامة ترسانته العسكرية، عاجزاً في مواجهة غزة..
أولاً حيال استنقاذ جنديه الأسير منذ نحو عام، والذي يتحسب الاحتلال من نجاح المقاومة في أسر آخرين على شاكلته في الأيام القادمة. وثانياً حيال استمرار إطلاق صواريخ القسام وتهديدها للتجمعات السكانية الإسرائيلية وصولا لدفعها للنزوح. وثالثاً حيال اقتحام غزة وإخضاعها وشطب الخارجين عن السياق الأمريكي - الإسرائيلي.
إن مقاومة غزة باتت قادرة على أن توجع الاحتلال، وقادرة على أن تساومه على أن لا تهدئة في غزة إذا كانت الضفة مستباحة ومستهدفة بجرائمه.. والمسألة مسألة وقت حتى تتحول الضفة إلى حالة مقاومة ثانية من الطراز ذاته، ولكن على نحو أكثر خطورة وأشد فتكاً، وهو ما يقلق «إسرائيل»، ويشكل أحد أبرز الأسباب وراء رفضها الخطة الأمنية الأمريكية الأخيرة، التي حاولت أن تقايض تهدئة في غزة بفتح المعابر وتأمين المرور بين غزة والضفة.. فالإسرائيليون بعدما أصبحت غزة سكيناً في خاصرتهم الأمنية الرخوة، يخشون أن يتم استنساخ النموذج الغزاوي، تسليحاً وتدريباً وتصنيعاً إلى الضفة، والممر الآمن هو تذكره المرور لعبور حماس غزة إلى نابلس ورام الله وطولكرم.
إن استمرار الحصار واستمرار العدوان الإسرائيلي، ورفض الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وإقامة كيانه المستقل على تراب وطنه والمماطلة في ذلك، لن يدفع الشعب الفلسطيني للاستسلام ولا لرفع الرايات البيضاء (وهو ما تدركه أمريكا وواشنطن)، ولكن إلى تصعيد المقاومة وتعزيز أدواتها حتى النصر. وتل أبيب تدرك ماذا يعني هذا؛ وهي على يقين من أن سياسة الحرمان والعقوبات المفروضة على الشعب الفلسطيني، لن تجلب لها الأمن، بل ربما جلبت لها المتاعب. والمراهنة على جماعة أوسلو، لمعالجة الوضع وإعادة السيطرة على الأمور - كما يبدو - لم تنجح، وبدأ يترسخ اليقين بأن الأمور تسير باتجاه تكريس نهج المقاومة، عنواناً للفعل الفلسطيني وإطاراً للتمثيل السياسي.
قد يبدو الطريق طويلاً، ولكنه في ضوء فقدان الأمل واليقين بانتزاع الحقوق عبر وسائل غير المقاومة، أصبح لا مناص من قطعه حتى نهاية الشوط، وهو ما يعني أن تدفيع الاحتلال الثمن في المجابهة الجارية، على صعيد العمليات الاستشهادية وخطف الجنود، وإفشال خطته في منع انطلاق صواريخ القسام سيكون له ما بعده، مهما بلغت التضحيات.. فالوقوف في منتصف الطريق كارثة ومدعاة لدفع ثمن أعظم مما يمكن أن تدفعه المقاومة في المواجهات المباشرة.. تماماً مثلما أن الانكفاء في مواجهة غطرسة الاحتلال قبل نهاية الشوط، ستدفع لتحولات صعبة، على صعيد تصعيد هجمة المحتلين أو تمكين أعوانهم من فرض أجنداتهم التصالحية معه والتنازلية عن كل الحقوق.
إن المقاومة معنية بأن تضبط أداءها، وأن توجه إمكاناتها في الاتجاه الصحيح، وأن تستثمر في كل تضحية قدرها من النكاية بالمحتل.. والنصر صبر ساعة، والتحولات على الأرض تبشر بتقدم مشروع المقاومة واندحار مشروع الاحتلال.. قد يكون ذلك بصورة وئيدة إلا أنها نذر ما قبل الهزيمة للمشروع الاحتلالي.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع