محكمة العدل الدولية أعلى سلطة قضائية نزيهة ومحايدة في العالم أصدرت حكمها الواضح القاطع الجدار غير شرعي والحكومة الإسرائيلية مطالبة بوقفه وهدم ما تم بناؤه منه وعلى مجلس الأمن الدولي…
محكمة العدل الدولية، أعلى سلطة قضائية
نزيهة ومحايدة في العالم، أصدرت حكمها الواضح القاطع الجدار غير شرعي، والحكومة
الإسرائيلية مطالبة بوقفه، وهدم ما تم بناؤه منه. وعلى مجلس الأمن الدولي تنفيذ هذا
القرار.
مجلس الأمن الدولي لن ينفذ القرار لأنه خاضع للسيطرة الأمريكية، والفيتو الأمريكي
جاهز دائما لحماية الدولة العبرية، وتكريس خروجها علي القانون الدولي، باعتبارها
فوق كل القوانين والأعراف.
فالإدارة الأمريكية التي استخدمت القانون الدولي كغطاء لتبرير عدوانها على العراق،
وفرض حصار ظالم على شعبه أدى إلى استشهاد مليون ونصف المليون من أبنائه، قالت إنها
لن تعترف بقرار المحكمة، لأنها لا ترى أنها مؤهلة للنظر في هذه المسألة. وكان أمراً
مؤسفاً أن قاضيها كان الوحيد، من بين خمسة عشر قاضياً، الذي رفض تجريم بناء الجدار
العنصري - واعترض علي تفكيكه، الأمر الذي يطرح أسئلة عديدة حول عدالة القضاء
الأمريكي ومصداقيته.
القرار انتصار للعالم الحر، وللعدالة الدولية، وهزيمة فاضحة للولايات المتحدة
و"إسرائيل"، وأهميته تنبع من توقيته أولاً وما يمكن أن يترتب عليه من مواقف وخطوات
سياسية وقانونية في المستقبل القريب.
فمن حيث التوقيت يأتي هذا القرار في وقت تؤكد تقارير اللجان المشكلة من قبل
الكونغرس افتقاد الحرب الأمريكية على العراق إلى أي أسس شرعية أو أخلاقية لغياب أي
ادلة عن أسلحة الدمار الشامل، أو وجود علاقات بين تنظيم القاعدة والنظام العراقي
السابق، الأمر الذي يضيف أسباباً إضافية لزيادة الكراهية تجاه الولايات المتحدة في
العالم بأسره.
ومن حيث الجوانب الإجرائية، سيكون القرار مقدمة لخطوات قانونية أخرى على درجة كبيرة
من الأهمية، مثل عرض قضايا الاستيطان واللاجئين، والاعتقالات العشوائية، والأحكام
الجائرة وهدم المنازل وقتل الأبرياء ونهب المياه والثروات الطبيعية على المحكمة
والمطالبة بالتعويض.
فالحكم الأخير رسخ سابقة في القانون الدولي، فهو لم يطالب فقط بتفكيك الجدار، وإنما
بتعويض جميع المتضررين من بنائه. وهناك حوالي ربع مليون فلسطيني، خسروا ممتلكات،
ومزارع، وواجهوا أزمات نفسية، وتعرضوا للموت في بعض الأحيان أثناء محاولاتهم التمسك
بأراضيهم، ومواجهة البلدوزرات الإسرائيلية.
ولا نعتقد أن "إسرائيل" الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، مثلما يذكرنا دائماً
جورج بوش وحليفه توني بلير، تستطيع أن تتجاهل هذه الفتوى الشرعية الدولية الواضحة.
فإذا كانت ديمقراطية فعلاً، وتمثل الحضارة الغربية، فإن عليها احترام حكم محكمة
دولية أقامها العالم الغربي المنتصر، لتكون المرجعية القانونية والأخلاقية الأعلى
في العالم كله.
ولم يعد في مقدور المتحدثين الإسرائيليين التذرع بالحجج الكاذبة التي يرددونها
كالببغاوات أمام عدسات التلفزة، من حيث التأكيد على حق "إسرائيل" في الدفاع عن
النفس، ويرددها من خلفهم نظراؤهم في الإدارة الأمريكية. فقد أكد القرار أن حق "إسرائيل"
في الدفاع عن النفس لا يمكن أن يبرر الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي التي يجسدها
بناء هذا الجدار.
وإذا كان مجلس الأمن الدولي يخضع لإرهاب الفيتو الأمريكي، فإن الجمعية العامة للأمم
المتحدة التي تمثل ضمير العالم وقيمه الأخلاقية، مطالبة بتطبيق قرار محكمة العدل
الدولية، من خلال سحب اعترافها بالدولة العبرية، واعتبارها دولة خارجة على القوانين
الدولية، وفرض مقاطعة اقتصادية عليها، تماماً مثلما فعلت مع النظام العنصري في جنوب
أفريقيا.
الجمعية العمومية هي التي أسقطت النظام العنصري الكريه في جنوب أفريقيا، وهي التي
يجب أن تسقط امتداده الحالي في فلسطين المحتلة. فالجدار يجسد العنصرية الإسرائيلية،
وعقلية الفيتو الصهيونية، ويعكس قيم التفوق العرقي والديني الكريهة التي تقوم على
أسسها الدولة العبرية.
الجدار العنصري جريمة حرب، تضاف إلى جرائم الحرب الإسرائيلية المتعاظمة ابتداء من
الاستيطان، مروراً بالتطهير العرقي، وانتهاء بالمجازر الجماعية في رفح وجنين وبيت
حانون، ونابلس.
"إسرائيل" باتت أكثر دولة مكروهة في العالم، وكل يوم تضيف سبباً إضافياً لتعميق هذا
الكره. وعندما يعتبرها ستون في المئة من الأوروبيين بأنها مصدر تهديد لأمن العالم
وسلامه واستقراره، فإن على الحكومات الأوروبية، إذا كانت فعلاً ديمقراطية وتمثل
رغبات شعوبها، أن تأخذ هذه الحقيقة في عين الاعتبار.
العداء المتصاعد لليهود في العالم مصدره الأساسي هذه الممارسات الإرهابية التي
تنفذها الحكومة الإسرائيلية باسمهم في فلسطين، ويصمت بعض اليهود عليها، بينما يجاهر
البعض الآخر بتأييدها ومساندتها، وتبرير جرائمها، مثل التركيز علي العمليات
الاستشهادية واعتبارها كبيرة الكبائر، وكأن قتل الأطفال الفلسطينيين بصواريخ طائرات
الاباتشي ومدفعية الدبابات حلال زلال، وموت رحيم.
قرار محكمة العدل الدولية وضع العالم الديمقراطي الغربي الحر أمام امتحان جديد،
فإما أن ينحاز إلى القانون الدولي والمحكمة التي أقامها لحمايته، وإنصاف المظلومين
في العالم، واما أن يسقط في هذا الامتحان، ويؤكد مجدداً على ازدواجيته ونفاقه.
نقولها بكل ثقة إن هذا العالم الديمقراطي الحر سيسقط هذه المرة في النفاق، مثلما
سقط في كل المرات السابقة، ولهذا تتسع الفجوة بينه وبين بقية العالم، وتتكاثر
التهديدات الإرهابية ضده. فما لم تتحقق العدالة للشعوب، ويطبق القانون على الجميع
بالتساوي، فاننا سنقدم على عالم مضطرب غير مستقر تسوده الفوضى والإرهاب. نقلا عن
صحيفة القدس العربي اللندنية