الله الله في الدماء

الله الله في الدماء

أ.د / يوسف رزقـة
2007-05-20

أ د يوسف رزقة وزير الإعلام السابق عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مسببات الاقتتال الداخلي بين المسلمين بقوله إن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دماء…

 أ.د / يوسف رزقـة وزير الإعلام السابق

عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مسببات الاقتتال الداخلي بين المسلمين بقوله " إن كل دم كان في الجاهلية موضوع ، وإن أول دمائكم أضع دماء ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب "

في القول النبوي هذا فائدتان الأولى تكمن في مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم بوضع دم الثأر تحت قدميه قضاء على مسببات القتل والقتل المتبادل، وما يصاحبهما من أحقاد تحلق الدين، وتغتال الرجال، وتنفي الكرامة، وتنشر العدوان، وترضي الشيطان، وتسخط الرحمن.

والثانية تكمن في الإرادة النبوية الصادقة التي ترجمت الحكمة فعلاً على الأرض وفي الميدان بوضعه دم قريبة ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وفي ذلك دعوة لمن يسمع حديثه أو يبلغه أن يفتح صفحة جديدة للحياة الكريمة بترك الثأر، وإرجاع الأمر لله سبحانه وتعالى .

في الحكمة النبوية الكريمة هذه اجتمع أمران هما أول ما نحتاجه نحن في غزة وقد أصابها الضّر بسبب الاقتتال المتبادل ، والأمران هما ( الإرادة والفعل )، وأعني بالإرادة الصدق مع الله في ترك القتل والثأر، وإنفاذ الصلح على الأرض فوراً إرغاماً للشيطان الذي يحرش بين الإخوة والأهل والجيران . الكبير العظيم هو الذي يبدأ ويقدم لمن خلفه القدوة الصالحة في جمع اللحمة ، وكفكفة الدماء، وفتح صفحة جديدة لحياة كريمة رحيمة.

إن ما يعزز القيمة الإيجابية للحكمة النبوية في معالجة الاقتتال الداخلي، أنه في مثل هذه الحالات لا تظفر بمنتصر فيها ، فجميع المتقاتلين مهزومون، والشعب هو الخاسر الأول، والوطن هو الخاسر الأكبر،وهذه معان يجب أن تقف عندها القيادات لاسيما وأن السلاح الذي بيد المتقاتلين هو سلاح من أجل الوطن والتحرير، فإن كان كذلك ، وهو بإذن الله كذلك، فإن وقوع الاقتتال في يوم الذكرى 59 للنكبة مؤسف ومحزن، ويضر بهذا السلاح ، ومن ثمّ بمفهوم الوطنية والحرية .

إن فشل خمس اتفاقات برعاية مصرية يعني أن الأمور تزداد تعقيداً ، وهذا يتطلب جهوداً شعبية من قيادات المجتمع المدني والجماهير للمساعدة في إنزال القيادات والمتقاتلين عن شجرة الشر التي ركبوها، ويكون ذلك فيما أحسب بخروج مكثف للعلماء والأساتذة والقضاة وأعمدة المجتمع المدني وقيادات القطاع الخاص، وقيادات المؤسسات الأهلية إلى ميدان فلسطين وامتداده شرقاً وغرباً واستدعاء المجلس التشريعي للانعقاد السريع لإنقاذ الموقف. هذا الفعل الجماهيري ليس خطراً وليس مستحيلاً ، ولكنه مفيد ، بل إنه الأكثر جدوى الآن قبل أن ينزلق المجتمع إلى حرب أهلية طاحنة يعسر معها تحرك العقلاء وقادة المجتمع المدني .

إن تحركاً ثلاثي الاتجاه، يجمع بين دور القيادات المتفاوضة من ناحية والتنفيذ الأمين للقيادات الميدانية لما يتم الاتفاق عليه من ناحية ثانية ، ورعاية المجتمع المدني الرافض للاقتتال والرافض لهذا المنزلق الخطير من ناحية ثالثة، يمكن أن يكون مدخلاً لحل مقبول يتجه نحو استعادة السلم الاجتماعي وقطع دابر الفتنة ، وعلى أن يتوج ذلك بمصالحة وطنية عاجلة تعالج مشكلة الدماء التي نزفت وتمسح دموع وآلام المتضررين.

الحديث عن الاحتلال، وعن المفسدين في الأرض، وعن جراحات وقعت غير مفيد الآن، والمفيد أن تتجه الجهود مجتمعة نحو إيقاف التدهور المستمر والبدء بالمصالحة الوطنية وترسيخ قواعد العمل السياسي المشترك على أسس ديمقراطية يحترمها الجميع.

الماضي مهم ولكن المستقبل أهم، وإن أقصر الطرق لإيقاف الاقتتال هو المجتمع المدني، والأغلبية الصامتة حين تخرج إلى الاعتصام والتظاهر، وتعيد المتقاتلين إلى ثكناتهم بشرف، .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026