في الذكرى 59 للنكبة: عمليتا السطو والتزييف تكسبان متواطئين جددا

في الذكرى 59 للنكبة: عمليتا السطو والتزييف تكسبان متواطئين جددا

أسامة أبو رشيد
2007-05-15

تحل يوم الاثنين ذكري أليمة ذكري أكبر عملية سطو عرفها التاريخ هذه الذكري هي الذكري التاسعة والخمسون لنكبة فلسطين وإعلان استقلال دولة إسرائيل في الرابع عشر من أيار مايو أقول إنها…

تحل يوم الاثنين 14/5 ذكري أليمة.. ذكري أكبر عملية سطو عرفها التاريخ. هذه الذكري هي الذكري التاسعة والخمسون لنكبة فلسطين، وإعلان استقلال دولة إسرائيل في الرابع عشر من أيار (مايو) 1948.

أقول إنها أكبر عملية سطو عرفها التاريخ، وذلك لأنها لم تسرق الأرض وتشرد السكان فحسب، بل إنها أبعد من ذلك زورت حقائق الجغرافيا والتاريخ القريبة والبعيدة، بل وحتي المعاشة أيضا.

ولاحظ التعبير الإسرائيلي لتوصيف النكبة الاستقلال .. الاستقلال عن من وبماذا؟ بالنسبة لليهود الصهاينة، فإن الاستقلال بالنسبة لهم يعني التحرر من الاستعمار البريطاني ـ كما يصفونه ـ وقبل ذلك العربي والإسلامي، والذي كان آخره الحكم العثماني.

أعلم أن البعض قد يرفع حاجبيه إسرائيل تحتفل بالذكري ألـ 59 للاستقلال عن بريطانيا!؟ أوليست بريطانيا هي من لمت شعثهم وعصاباتهم وطوائفهم من معمورات الأرض أجمع!؟

أوليست بريطانيا هي من أحيت في مخططاتهم فكرة الوطن القومي عبر وعد بلفور عام 1917؟

أوليست سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين هي من هيأت لهم سرقة الأراضي الفلسطينية وفتحت لهم أبواب الهجرة مشرعة وسلحت عصاباتهم الإجرامية وقمعت مناوئيهم من الفلسطينيين الوطنيين وبعد ذلك هيأت لهم أجواء الاحتلال، وفوق ذلك الأجواء اللازمة لنيل الاعتراف الدولي الرسمي لقيام دولتهم عبر منظمة الأمم المتحدة!؟ أوليس كل ذلك صحيحا!؟

لا شك أن جواب كل الأسئلة السابقة هو نعم. ولكنها العقلية الصهيونية المتلفعة بلبوس الدين اليهودي، والتي تريد أن تجعل من نفسها ـ ونجحت ـ ضحية لكل العالم، بل وللإنسانية جمعاء.

العقلية الصهيونية تقول بأننا كدنا نباد بسبب نظام هتلر النازي في ظل صمت أوروبي مريب. أيضا، فإن أوروبا لم تكن تريدنا فيها، حيث كنا منبوذين هناك وغير مقبولين.

وبما أن الأوروبيين قد استيقظ ضميرهم اليوم، فإنه لا بد من حل لمشكلتنا المشكلة اليهودية في أوروبا. وبدل أن يكون الحل في ألمانيا أو أوروبا تكفيرا عن سيئاتهم بحق اليهود، يأتي الحل علي حساب الفلسطينيين والعرب والمسلمين!!

التاريخ يسجل، بما في ذلك التأريخ اليهودي نفسه، بأن العرب والمسلمين هم وحدهم من حموا اليهود في الحقب التاريخية المختلفة. لقد كانت الدول الإسلامية في المغرب والجزائر، والدولة الإسلامية العثمانية، هي من استقبل اليهود الهاربين من بطش الإسبان بعد أن أسقطوا حضارة الأندلس الإسلامية. حينها لم يفرق المسلمون المستضيفون بين المسلمين واليهود الهاربين من محاكم التفتيش الإسبانية.

ولكن الجميل اليوم يرد، كما لو أن العرب والمسلمين كانوا هم أصحاب محاكم التفتيش الإسبانية أو أفران الغاز الألمانية، أو حتي كما لو أننا نحن من كان ينبذ اليهود داخل مجتمعاتنا ونصفهم بالمشكلة كما كانت تفعل أوروبا.

الجميل رد لنا من قبل الصهيونية اليهودية، بمحاكم تفتيش ومنطق هتلري وخلق مشكلة فلسطينية!

عندما قامت دولة إسرائيل فإنها لم تنسح في فراغ سكاني وجغرافي وتاريخي وحضاري.

كلا، فهي قامت علي أنقاض شعب وجغرافيا وتاريخ وحضارة فلسطينية ضمن سياقها العربي والإسلامي.

عندما احتلت بريطانيا فلسطين عام 1922، لم تكن نسبة اليهود تتجاوز الـ5.8% من إجمالي السكان، وكانت نسبة ما يملكونه من الأرض أقل من ذلك بكثير (بلغت نسبة الأراضي الفلسطينية التي تملكها اليهود حتي عام 1940 5.7%، وذلك رغم كل الإجراءات البريطانية لمصادرة الأراضي الفلسطينية وتمليكها للوافدين اليهود.. فكم ستكون إذن نسبة الأراضي التي كانت في أيديهم قبل الانتداب!؟).

ولكن وبقدرة قادر يتحول اليهود من سكان فلسطين قبل رحيل الاحتلال البريطاني إلي نسبة كبيرة بين السكان الأصليين 30.2% عام 1948 بل ويتملكون أغلب الأراضي الفلسطينية، ثمّ لا يكتفون بذلك، حيث يحتلون البقية علي دفعتين (عام 1948 ـ 1967) طبعا ذلك النمو السكاني والتوسع التملكي لم يكن طبيعيا، ولكنه كان نتيجة قيصرية لممارسات الاحتلال البريطاني التعسفية والظالمة، والمجاز الوحشية التي أعملها الصهاينة المحتلون بالشعب الفلسطيني الأعزل.

نعم، لقد قامت إسرائيل علي أنقاض فلسطين، ومُكِّنَ الشعب اليهودي علي حساب الشعب الفلسطيني، والذي تحول أكثر من ثلثيه إلي لاجئين في فيافي الأرض. إسرائيل التي تصر اليوم علي أن توصف بواحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء من الدكتاتوريات، قامت بحد السيف عبر مجازر وتدمير وتهديم وتهجير. تاريخ إسرائيل تاريخ مكتوب بالدم، وقام علي الإرهاب، ومع ذلك يزورون التاريخ رغم أن بعضا من هذا الجيل عايشه وشهد حقائقه. في مذكراته، يستذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، أرئيل شارون، وهو مجرم حرب محترف، كيف كان وقع تحرير يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وقطاع غزة علي الشعب الإسرائيلي.

ويشرح في مذكراته كيف كان صدي افتراسهم للقدس الشريف من الجيش الأردني. الرجل يتحدث بلغة تزييفية فجة عن التحرير .. تحرير ماذا ومن من؟

إنها عملية سطو وسرقة حقيقية لأرض وأصحابها موجودون فيها.

ليس صحيحا أن ذلك السطو قد تمّ بسهولة، فشعب فلسطين قاوم ولم يهرب كما يشيع المغرضون اليوم، ولكن أني لشعب كسير وأعزل أن يهزم الآلة العسكرية الأمريكية-البريطانية-الغربية التي كانت تتسلح بها إسرائيل حتي الأسنان!؟

لقد أبلت الأنظمة العربية حينها بلاء حسنا في التخطيط للانكسار والهزيمة!؟ ويكفي أن نذكر هنا أن تلك الأنظمة كانت حربا علي القوي الشعبية، العربية والإسلامية الشريفة والتي كانت تقاوم مع الشعب الفلسطيني.

نعم، لقد طعن العديد من الأنظمة حينها قوي المقاومة العربية في ظهرها.. طعنة نجلاء لا تأتي إلا من حاقد.

واليوم، وفي ظل الثورة الإعلامية الرقمية، لا زال ثمة سطو علي الوعي والذاكرة الجمعية العالمية. لا زالت إسرائيل تزيف الحقائق ونحن نراها ناصعة أمام ناظرينا صباح مساء. تزور حقيقة عدوانها علي الشعب الفلسطيني وتصفه بالدفاع عن النفس، في حين تصور الضحية والذي حدت سكينها ومكنتها من رقبته بالإرهاب والعدوان!؟

كذب من يقول إن العالم أعمي... كلها فهو متواطئ... منه من هو متواطئ بدعم العدوان ونصرته... ومنه من هو متواطئ بسكوته وصمته... ومنهم من هو متواطئ بإدعاءه أنه مصدق للإفك الصهيوني.

أيضا لا زالت كثير من الأنظمة العربية علي تواطئها. فهي وفي سبيل إرضاء سيدها أمريكا، تدوس علي الفلسطينيين وتفرك أحذيتها علي رقابهم من أجل أن يقدموا تنازلات عن ما لم يتبقي عندهم ليتنازلوا عنه! الفلسطيني يعامل في أرجاء الوطن العربي الكبير وكأنه أجرب، في حين يحل الصهاينة المحتلين أهلا وسهلا! إنها مهزلة لم تعشها حتي الأندلس زمن ملوك الطوائف.. بئست ذكراهم وبئس واقعهم اليوم.

في الذكري التاسعة والخمسين لنكبة فلسطين يبرز عاملان آخران خطيران جدا. العامل الأول تكون وتشكل نهائيا في العقود الأخيرة، إنه ذلك الانهيار في الجبهة الفلسطينية والتي تجسدت في اتفاقات أوسلو وما تبعها، والتي عنت فوق كل شيء تفريطا بالحق التاريخي الفلسطيني وتصديق السردية الإسرائيلية الخرافية عن حقهم المزعوم في أرض فلسطين.

لقد نصت أوسلو علي الاعتراف بـ حق إسرائيل في الوجود (لاحظ حق الوجود وليس فقط الاعتراف بالوجود)، وبهذا الحق أصبحت الكذبة الصهيونية حقيقة، فهم إذن فعلا قد تحرروا من الاستعمار في عام 1948، وأصبح إعلانهم لدولتهم حينها استقلالا !؟ استقلالا عن من وبماذا؟ إنه استقلال عنا نحن المعتدين، وبأرضنا فلسطين... عفوا إسرائيل !!.

هذا هو ما تحمله وثيقة الاعتراف التي وقعها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في 9/9/1993 من معانٍ.

 ولذلك فأنا شخصيا لا أستغرب من بعض هذا الجيل الفلسطيني الجديد في قطاع غزة والضفة الغربية والذي يوجه سلاحه نحو صدور إخوانه في الدم والهمِّ والوطن والعقيدة... فما هو إلا إفراز التفريط والارتهان لإسرائيل.

الأمر الثاني، وهو الأشد خطورة. ففي كل ذكريات النكبة السابقة، كان الإسلاميون والقوميون هم أهل التمسك بالذاكرة والرواية الحقيقية.

اليوم نري بعض الإسلاميين أضحي أقرب إلي صف من اشتري الرواية الإسرائيلية وصدق أكاذيبها. نقرأ هذه الأيام الكثير من التصريحات الصادرة عن قيادات إسلامية عربية تقول بأن القضية الفلسطينية شأن لا يعنيهم في ملفاتهم الوطنية الداخلية، وبعضهم يحض حركة حماس علي أن تعترف بإسرائيل، حتي قبل أن يتحقق مطلب قيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة علي الأقل، وهي المناطق التي تعتبر محتلة لا في العرف الأممي فحسب، بل وحتي في المواقف الرسمية الأمريكية والغربية!!.

إن طعنة مثل هذه لهي أعمق وأشد غورا من أي طعنة أخري...

حركات إسلامية تضغط علي الضحية ليتنازل عن أرض ملئوا هم الأرض يوما صراخا وعجيجا بأنها مقدسة يحرم التنازل عن ذرة تراب منها وخونوا من تجرأ وفعل!!.

للأسف، فإن الذكري التاسعة والخمسون أكثر سواء من سابقاتها.

فنحن نشهد مسيرة التراجع حتي من قبل الإسلاميين عن التمسك برمزيتها وقدسيتها ومركزيتها (فلسطين)، وهي المصطلحات التي نحتوها هم لا أنا.

حتي في أمريكا فإن أغلب المؤسسات الإسلامية لا تريد لفلسطين أن تكون جزءا من همنا كجالية.

بعض هذه المؤسسات ساهمت في وأد مؤسسات العمل الفلسطيني هنا، متعهدة بأنها ستبدأ عملا جديدا لفلسطين أكثر فعالية ومهنية، فما كان منها بعد أن وأدت تلك المؤسسات حية غير أن سارعت إلي إقصاء كل من يريد أن يبقي علي وهج هذه القضية في أمريكا.

إنه تواطئ من نوع جديد علي فلسطين وعلي الوعي وعلي الذاكرة... إنها جريمة تسهيل عملية السطو هذه وتبريرها.

فلسطين قضية إنسانية عادلة، وستبقي كذلك... وتواطئ الصامتين لن يلغي حقيقة كون الفلسطينيين مظلومين وضحايا. وإن صفوف هذه الأمة لن تعدم قابضين علي الجمر .. رجال لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتي يأتي أمر الله وهم صامدون.. وهم كذلك ... نعم، إن صفوف هذه الأمة لن تعدم أوفياء لعهد الله وللذاكرة وللوعي وللتاريخ وللحقيقة... حقيقة إن فلسطين أرض محتلة بغير وجه حق حتي يكتب الله لها الخلاص.. وإنه لآت.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026