إن ما تقوم به إسرائيل حاليا من محاولة تغيير الطبيعة الديوجرافية في القدس الشرقية إن هو إلا محاولة سافرة سافلة من حلقات مسلسل التهويد الذي وضع بذرته الأولى الزعماء المؤسسون للحركة…
إن ما تقوم به "إسرائيل" حالياً من محاولة تغيير الطبيعة الديوجرافية في القدس الشرقية إن هو إلا محاولة سافرة سافلة من حلقات مسلسل التهويد الذي وضع بذرته الأولى الزعماء المؤسسون للحركة الصهيونية ابتداءً من هرتزل ومروراً ببن جوريون وانتهاءً بالفتى المدلل لحزب الليكود بنيامين نتنياهو المتطلع حالياً لوراثة المكلوم أولمرت، فالنتن ياهو هذا يذهب في كتابه «مكان تحت الشمس» إلى أن سياسة حزبه في عملية السلام الحالية تعتمد على إنشاء عدد من المستعمرات «المستوطنات» في مجموعة الجبال المحيطة بالقدس يطلق عليها في ما بعد اسم القدس ويمكن التفاوض مع العرب حولها وإعطاؤها نوعاً من الحكم الذاتي «المحلي» المحدود، أما القدس بوضعها التاريخي الذي استعرضناه آنفاً فهي - في المفهوم الصهيوني - غير قابلة للتفاوض، والأمل معقود على أن تسعى الشعوب الإسلامية والعربية لحفز قادتها على اتخاذ مواقف أكثر تشدداً مع العدو الصهيوني للحفاظ على ثالث الحرمين وأولى القبلتين.
ومنذ احتلال "إسرائيل" مدينة القدس عام 1967م لم تأل "إسرائيل" جهداً في سبيل دعم وجودها غير المشروع في هذه المدينة المقدسة، واتخذت "إسرائيل" عدة إجراءات استهدفت من ورائها - وما زالت - تهويد المدينة وظهر ذلك من خلال
1) استبدال القوانين الصهيونية بالقوانين المحلية وتغيير العملة.
2) هدم الأحياء العربية والإسلامية وبناء المستعمرات «المستوطنات» لإحلال اليهود محل العرب.
3) انتهاك حرمة المسجد الأقصى عن طريق ارتياده في ملابس منافية للحشمة واستباحة دخوله في جميع ساعات النهار والتعدي على المصلين.
4) الاستيلاء على الأوقاف الإسلامية في القدس.
5) هدم الأماكن الأثرية المجاورة للمسجد الأقصى.
6) وكان آخر حلقات هذا المسلسل حفر سلسلة من الأنفاق تحت المسجد.
بداية المؤامرة
- بدأت مؤامرات الصهيونية ضد المسجد الأقصى من قبل احتلال "إسرائيل" إياه، فقد ورد في دائرة المعارف اليهودية أن اليهود يبغون أن يجمعوا أمرهم وأن يقدموا إلى المسجد الأقصى ويتغلبوا على قوة الأعداء وأن يعدوا العبادة إلى الهيكل ويقيموا ملكهم هناك.
- وجاء في دائرة المعارف البريطانية أن اليهود يتطلعون إلى امتداد "إسرائيل" واستعادة الدولة اليهودية وإعادة بناء الهيكل.
- وفي أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين طلب اليهود من الحكومة البريطانية أن تسلمهم الحرم الشريف بحجة أنه ملك لهم وأن الجدار الغربي من المسجد هو حائط المبكى المزعوم.
- وفي عام 1929م أعلن جلوزنر أحد زعماء الصهيونية أن المسجد الأقصى القائم على قدس الأقداس إنما هو ملك لهم، وقد ردد هذا الادعاء وزير بريطاني يهودي يدعى اللورد ملتشت الذي قال «إن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أصبح قريباً جداً وإنني أكرس ما بقي من حياتي لبناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى».
- وقال بن جوريون رئيس "إسرائيل" عقب إقامة الدولة اليهودية عام 1948م عبارته الشهيرة «لا معنى لقيام "إسرائيل" بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون هيكل».
- وفور ضم القدس في 5 يونيو 1967م بدأت "إسرائيل" تنفيذ مخططاتها الجهنمية، ففي 11 يونيو 1967م دمرت "إسرائيل" المنطقة الواقعة أمام حائط المبكى وأجلت سكانها، وفي 13 يونيو 1967م بدأت عمليات التنقيب عن الآثار بالمنطقة ودمرت بعثات التنقيب خلال عاميها مسجد الزاوية ومسجداً آخر كان يقع جنوب حائط المبكى.
- وفي يناير 1968م أصدرت الحكومة الإسرائيلية قراراً بتأليف بعثة تنقب عن الآثار يرأسها بنيامين مازار من الجامعة العبرية وقامت البعثة خلال عملها بتحطيم الباب الأوسط للمسجد الأقصى.
- وفي 8 يونيو 1968م زار بن جوريون حائط المبكى، وحائط المبكى يقع في الجانب الغربي من المسجد وهو الجانب الذي يعتقد المسلمون أن جبريل عليه السلام ربط عنده البراق الذي صعد به النبي إلى السماء ونظر بن جوريون إلى إشارة البراق المحفورة بالسيراميك وقال «يجب إنزال هذا الشعار».
- وفي 21 أبريل 1969م بعثت الحكومة الأردنية إلى يوثانت سكرتير عام الأمم المتحدة تطلب تدخل المنظمة الدولية لوقف عدوان "إسرائيل" على الحرم الشريف.
- دعت "إسرائيل" أنصارها في الخارج لإنشاء صندوق لجمع الأموال من أجل إعادة بناء هيكل سليمان.
- وفي 4 يوليو 1969م اتخذ مجلس الأمن قراراً أعلن فيه تمسكه بقراره السابق للمجلس بعدم جواز ضم القدس إلى "إسرائيل" واستنكر كل الإجراءات التي أخذتها "إسرائيل" لتغيير الوضع في الأراضي المحتلة.
وبعد هذا القرار بنحو شهر ونصف الشهر ارتكبت "إسرائيل" في 21 أغسطس 1969م أكبر جريمة بإشعال حريق استمر من السابعة صباحاً حتى قبيل الظهر وقد أتت النيران على الجناح الشرقي للمسجد فأزالت منه مقدسات ظلت مصونة لأكثر من 1300عام وهددت قبته الأثرية المصنوعة من الفضة الخالصة بالسقوط بعد أن انهار جانب من سطح المسجد الكبير.
وقد أكد الحريق، والأحداث التي تلته في القدس، أن النار أشعلت في المسجد الأقصى بتدبير محكم، فقد بدأ الحريق المفاجئ في الساعة السابعة والنصف صباحاً من داخل المسجد، دون أن تتحرك سلطات الاحتلال لإنقاذ واحد من أعز وأغلى مقدسات الإسلام، وأخذت النيران تسري في الجناح الشرقي للمسجد، وأعمدة الدخان ترتفع منع إلى عنان السماء، موحية بالجريمة التي ارتكبت ضد تاريخ الإنسان وحضارته.
وكان ارتفاع اللهب والدخان منه لمئات الأقدام في الجو، ثم سريان النبأ بين جماهير القدس، هو بداية يوم رهيب في المدينة. فقد سارع عشرات الآلاف من كل صوب إلى منطقة المسجد داخل أسوار الجزء القديم من المدينة المقدسة، يحاولون بأيديهم العارية إطفاء النار بكل وسيلة.
وسارعت مجموعة من الشباب باقتحام المسجد لجمع كل ما يمكن حفظه من المقدسات الأثرية، بينما كانت مجموعات منهم تقف صفوفاً متراصة، مشكلة جداراً بشرياً يجتهد من داخل القدس إلى أبواب المسجد الأقصى ليسلم كل منهم «جرادل» المياه إلى زميله في محاولة لإطفاء النيران. وكان البعض الآخر قد سارع إلى جمع اكبر مجموعة من خراطيم المياه لتسليطها على الأعمدة الأثرية والسقف التاريخي لحمايتها من النيران. بينما كانت كتل أخرى تقف في ساحة المسجد التي تشغل 144 ألف متر مربع لحماية قبة الصخرة المشرفة من امتداد النيران إليها.
وكانت الجماهير لا تزال تتدفق على منطقة الجريمة التي دبرتها "إسرائيل"، وسلطات الاحتلال ساكنة لا تتحرك، وكانت عربات الإطفاء التي بدأت تشارك في إخماد النيران قد تحركت تلقائياً، وهي تضم فرقة الإطفاء العربية في القدس التي عززتها بعد ذلك فرق أخرى للإطفاء من مدينتي رام الله والخليل في الضفة الغربية المحتلة.
المسجد الأقصى من الناحية التاريخية
المسجد الأقصى المبارك هو قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين وكان قبلة الصلاة زمناً ثم عادت القبلة إلى الكعبة وظل من المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وقد أسرى الله بنبيه محمد من المسجد الحرام بمكة إلى مكان المسجد الأقصى حيث عرج منه إلى السماء ويطلق على مجموعة الأبنية المحيطة به الحرم القدسي ومسافة الحرم حالياً تبلغ نحو 144 ألف متر مربع أي ما يعادل سدس مساحة القدس القديمة، واعتاد المسلمون أن يحتفلوا بذكرى ليلة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من شهر رجب وأن يتجهوا بالقلوب والأذهان إليه.
والمقصود بالمسجد الأقصى هو جميع ما أحاطه السور وفيه الأبواب ويشمل المسجد المعروف حالياً بالمسجد الأقصى ومكان الصخرة المشرفة والساحات المحيطة بهما. وحائط البراق هو الجزء الغربي للحرم القدسي الشريف الذي يعتقد المسلمون أن جبريل عليه السلام قد ربط عنده براق النبي ليلة الإسراء ويسمي اليهود هذا الحائط بحائط المبكى إشارة للهيكل وجاءت الصهيونية بتعصبها الأعمى تعمل من أجل هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل مكانه.
ويقع المسجد الأقصى في الجهة الجنوبية من منطقة الحرم الشريف وقد بدأ بناءه عبد الملك بن مروان عام 705م ويبلغ طول المسجد 110م وعرضه 55م ويقوم على 53 عموداً من الرخام و49 سارية مربعة.
والمسجد الأقصى احد مساجد الحرم المقدس الذي يعتبر أكبر مساجد الدنيا مساحةً وأروعها بناء. ويحتوي بجانب المسجد الأقصى على مسجد الصخرة المشرفة، وعلى آثار إسلامية ومقدسات مهمة.
ولما احتل الصليبيون بيت المقدس عام 1099م جعلوا قسماً منه كنيسة واتخذوا القسم الآخر مسكناً لفرسان الهيكل ومستودعاً لذخائرهم، وعندما استرد العرب مدينة القدس أمر القائد صلاح الدين بتجديد المسجد وإصلاحه، وجدد محرابه وكسا قبته بالفسيفساء وصنع منبره الخشبي.
وفي داخل المسجد الأقصى جامع مستطيل يسمونه بجامع (عمر) بذلت "إسرائيل" محاولات كثيرة لهدمه بعد احتلال القدس ولكنها فشلت في ذلك.
خطأ اليهود في زعمهم أن حائط المبكى يقع مكان المسجد الأقصى
من المعروف أن الأرض التي شيد عليها المسجد الأقصى عند الفتح الإسلامي وبالتحديد في عهد عمر بن الخطاب كانت أرضاً خالية من أية مبانٍ، ولم يكن هناك أي أثر لمعبد يهودي، والحق أم المعبد اليهودي كان قد تهدم واندثر أثناء حصار تيتوس لمدينة بيت المقدس عام 70م. ومن المعروف أن الإمبراطور الروماني هادريان (76-138م) حرم المدينة على اليهود، وإن كان قد سمح للحجاج لزيارتها، فما يدعيه الإسرائيليون إذن أمر لا أساس له من الصحة، فلم يخرب العرب شيئاً، لأنهم لم يجدوا مباني على الإطلاق ولم يستولوا على ما يزعمون أنه يخصهم.
والواقع أن المسجد الحالي ليس بالمسجد الأصلي الذي شيد في عهد عمر، ولا في عهد الأمويين إذ تعرض المسجد لعاديات الزمن وأحداث الدهور ولحقه الخراب والدمار أكثر من مرة.
فقد تعرض المسجد لهزة أرضية عام 120هـ وأعيد تعميره تماماً حتى عام 154هـ، ثم تعرض لزلزال آخر في 15 محرم عام 425 هـ مما دعا الخليفة الفاطمي الظاهر إلى إعادة بنائه عام 426 هـ ( 1035م ) وإلى إصلاحات الظاهر يرجع الجزء الأكبر من المسجد بوضعه الحالي.
ما هو حائط المبكى
أما حائط المبكى فهو الجدار الغربي من الحرم الشريف وسمي كذلك لأن اليهود اعتادوا زيارته وتأدية الطقوس الدينية حوله ومن بينها البكاء على مجدهم الذي ضاع وهيكلهم الذي هدم، وكان الملك سليمان قد بناه خلال فترة حكمه (972- 933 ق.م)، ثم هدم على يدي بوختنصر عام 597 ق.م، وفي أثناء حكم الرومان طرد الإمبراطور هادريان اليهود من القدس وحرم عليهم دخولها ثم سمح لهم بزيارتها بعد ذلك مرة واحدة في السنة حتى جاء المسلمون وحكموها فسمحوا لهم بزيارتها وتأدية الطقوس الدينية حول الحائط بالصورة المتعارف عليها، وكانت الأحوال في المناطق المقدسة قبل 1948م تخضع لما يسمى بنظام «الوضع القائم» وهو النظام الذي وضعته اللجنة الدولية التي أرسلتها عصبة الأمم للمنطقة عام 1930م عقب الاضطرابات التي نشبت عندما حاول اليهود وضع كراسي ومصابيح وستائر في ساحة الحرم الشريف متجاهلين بذلك العرف المتفق عليه.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع