من يزرع الإرهاب لا يجني أفئدة وأذهاناً

من يزرع الإرهاب لا يجني أفئدة وأذهاناً

أ.د. محمد اسحق الريفي
2007-05-05

إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أخذت على عاتقها

إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أخذت على عاتقها – كما تزعم– مكافحة الإرهاب في العالم، وتحرير بلادنا من الطغيان والاستبداد، وتكريس حقوق شعوبنا وحرياتها الإنسانية، وتحقيق الازدهار في ربوع أوطاننا... فلماذا خسرت قلوب المسلمين وعقولهم رغم كل ما بذلته من جهود دبلوماسية جبارة ساهمت فيها فضائيات عربية عديدة لها حضور إعلامي كبير وجمهور واسع؟

الإدارة الأمريكية ترفض التعاطي بواقعية وموضوعية مع هذا السؤال، لأن الإجابة عليه تتضمن إفصاحاً عن حقيقة علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بتفاقم الإرهاب في العالم، وهي حقيقة تتناقض مع الأكاذيب التي تسوقها الولايات المتحدة الأمريكية لتبرير هجمتها الشرسة على بلادنا وتحويلها إلى ساحات حرب، وميادين لتجاربها العسكرية، وسوقاً لسلاحها، ومعتقلات كبيرة لشعوبنا...

ففي اللحظة التي أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية هجمتها الشرسة على المسلمين بذريعة مكافحة الإرهاب، وحشدت من أجل ذلك كامل قواها، وأقامت التحالفات الدولية وجندت حلفاءها وعملاءها لهذه الغاية، ذاقت الشعوب المسلمة بأس الإرهاب الأمريكي، وأدركت الأهداف الحقيقية للهجمة الأمريكية، فانقلب السحر على الساحر، ووقعت الولايات المتحدة الأمريكية في سوء مكرها، ولحقت بها هزيمة نكراء في صراعها مع الأذهان والوجدان، وهذا كفيل بإلحاق الفشل الذريع بمشاريعها.

إن العلاقة بين تفاقم الإرهاب في العالم وفشل الولايات المتحدة الأمريكية في التسلل إلى قلوب المسلمين وعقولهم ليست علاقة تزامنية فحسب، وإنما هي علاقة سببية موضوعية، فقد اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية مما صنعته من إرهاب، وقامت بنشره في العالم، مبرراً لاعتداءاتها على المسلمين، وجعلت من الإرهاب مادة لتخدير الشعوب وتضليلها وترويعها، ووسيلة لعولمة الفقر والخراب والدمار والفوضى والفساد وسفك الدماء...

فقد تجسدت صورة الولايات المتحدة الأمريكية – لدى شعوبنا وشعوب العالم – فيما اقترفته من جرائم وحشية ضد الأبرياء، وما نشرته من خراب ودمار في بلاد العرب والمسلمين، بل إن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت رمزاً لما يجتاح بلادنا من عنف دموي وإرهاب وكوارث ومآسٍ وطغيان واستبداد...

وفي هذا السياق، أصدرت الخارجية الأمريكية تقريراً أكدت فيه زيادة ما أسمتها "الهجمات الإرهابية" في عام 2006م بنسبة 25% عن العام الذي سبقه، وكذلك زيادة عدد الضحايا بنسبة 40%، وهو تقرير يهدف إلى التضليل وإخفاء الجرائم الأمريكية بحق المسلمين.

فقد اقتصر هذا التقرير على ذكر هجمات المقاومة ضد الاحتلال في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان والصومال، ووصفها بأنها "هجمات إرهابية"، وخلط بين هذه الهجمات البطولية – التي تستهدف جنود الاحتلال في العراق – وبين تلك الهجمات التي تستهدف الأبرياء العراقيين وتقع على علم من الأمريكيين ووفق مخططاتهم وتوجيهاتهم وبأيدي أدواتهم وعملائهم.

وقد خلا التقرير المذكور من أي إشارة إلى الجرائم الأمريكية والصهيونية واستخدام الأمريكيين والصهاينة الأسلحة المحرمة، كالفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، وغير ذلك من أسلحة الإبادة الشاملة، لإبادة المسلمين في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان. كما خلا التقرير من أي ذكر لما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من حصار ظالم لشعبنا الفلسطيني.

وبالتأكيد، غاب عن أذهان واضعي ذلك التقرير انتهاك الولايات المتحدة الأمريكية لحقوق المسلمين في سجني أبي غريب وغوانتنامو وغيرها من السجون السرية المنتشرة في العالم...

وهذا يؤكد النظرة الأنانية والعنصرية وغير الإنسانية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه شعوبنا، وينم كذلك عن نواياها الشريرة تجاه أمتنا وشعوبنا، كما أنها تتناقض مع ما تتشدق به الولايات المتحدة الأمريكية من شعارات زائفة تتعلق بالحريات الإنسانية والدينية والتسامح والإصلاح...

والحقيقة أنه ليس غريباً أن تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية الإرهاب مسوغاً لاعتداءاتها ووسيلة لتحقيق أجندتها في منطقتنا، فتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية مليء بالإرهاب، وثقافتها تنطوي على مخزون هائل من العنف والدموية.

وليس غريباً عليها كذلك أن تسعى إلى تزوير صورتها المقززة وتغليفها بهالة من القيم الإنسانية المقدسة، لتتمكن من التسلل إلى قلوب الناس والسيطرة على عقولهم، فلطالما اشترت الولايات المتحدة الأمريكية ذمم الناس بأموالها، ولطالما خدعت السذج بآلتها الإعلامية.

ولكن من الغريب والمدهش، في آن، أن تظن الولايات المتحدة الأمريكية أنها ستفلح في المزاوجة بين صناعة الإرهاب واستخدامه وبين كسب أفئدة الناس وأذهانهم...!!!

فمن يزرع الإرهاب ويزهق الأرواح البريئة لن يجني أفئدة الناس وأذهانهم، ولن يكون حصاده إلا الأشواك والغسلين، وسيكون الفشل نهايته الحتمية، كمن قال الله تعالى فيهم {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ }إبراهيم18، ومن قال الله عز وجل فيهم {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }النور39

فلم تجن الولايات المتحدة الأمريكية على نفسها فحسب، بل جنت على البشرية جمعاء، وزعزعت استقرار العالم وأمنه، وحرمت الإنسان من نعمة الأمن والسلام... وإذا استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في غيها وغطرستها، فإن الأسوأ الذي ينتظر العالم لم يأت بعد.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026