تقرير

تقرير "فينوغراد" والحرب النفسية

أحمد إبراهيم
2007-05-02

القائل بأن إسرائيل هي الأقوى في الحروب الميدانية ثم هي الأقوى في الحروب النفسية ليس بكذاب ذلك لأن المستمع اعتاد أن يصدق ويصدق وهو يستمع لمن يكذب ويكذب من دون أن يوقفه مرة واحدة…

القائل بأن "إسرائيل" هي الأقوى في الحروب الميدانية، ثم هي الأقوى في الحروب النفسية ليس بكذّاب، ذلك لأن المستمع اعتاد أن يصدق ويصدق وهو يستمع لمن يكذب ويكذب من دون أن يوقفه مرة واحدة أو يقول في وجهه "أنت كذّاب" بل ظل يصدقه إلى أن يعلن عنه أنه أصدق الصادقين، وأيضاً لأنه اعتاد وتروض على مقولة "اكذب اكذب فلا بد أن تجد من يصدقك".

"إسرائيل" التي نراها اليوم تسبح في مأزقين داخلي وخارجي أمست أمام مظاهرتين أحداهما قامت بالفعل يوم أمس الأول (الاثنين) في شوارع تل أبيب، والأخرى ستقوم أضخم منها غداً (الخميس).

المظاهرتان تدينان أداء قادة "إسرائيل"، وكل الرؤوس النووية التي تدير "إسرائيل" عسكرياً وإدارياً، فتقوم هي

"إسرائيل" بإدانة أولمرت وبيرتس وحالوتس من خلال لجنة فينوغراد العلنية في تقرير من جزأين علني وسري.

فاللجنة قدمت جزءاً من تقريرها علناً عبر الفضائيات واحتفظت بالجزء السري، لأن المخفي أعظم كما يقال، فقام أولمرت ولم يقعد قائلاً "لن استقيل، سأتحمل مسؤولية أخطائي" بمعنى سأعوض ما فاتني، وكأنه يقول سوف أخوض حرباً انتقامية وشيكة على لبنان عروسة العرب في الأيام المقبلة، انتقاماً لفشله.

بمعنى آخر صريح، هل نصدق أولمرت بالإعلان عن رغبته في الانضمام للمبادرة العربية؟ أم نصدق آخر تصريحات الرئيس بوش الذي نصب أولمرت مرة أخرى رجل سلام، أم نبقى نصدقهما معاً من دون أن نقول لأي منهما ولو مرة واحدة أنت تكذب؟

في الثمانينات كنت طالباً بجامعة اليرموك بالأردن، ولم تكن هناك لاقطات هوائية "دشات" أو الانترنت، ولم يكن أمام المستمع من الإذاعات الأجنبية غير إذاعة "إسرائيل" التي تصلك ذبذباتها وأنت في غرفة نومك أو في الحرم الجامعي أو في الأتوبيس أو حتى وأنت في صالون الحلاقة، فما من خبر تبثه الإذاعة وأنت تسمعه على نغمات قرقعة أواني الفطور في كافتيريا، إلا ويهمس من يهمس في أذنيك "يا ولد تحمل ترى هذه إذاعة "إسرائيل"، وأن هناك ستين من حملة شهادات الدكتوراه في علم النفس يعملون في هذه الإذاعة لصياغة الأخبار باللغة العربية"، فكنا نصدق ذلك طبعاً.

اليوم يبدو أننا بدأنا نصدق مرة أخرى ما بثته مئات الفضائيات مباشرة عن أن هناك لجنة تحقيق "إسرائيلية" برئاسة القاضي المتقاعد الياهو فينوغراد الذي قام بتقديم نتائج تحقيق استغرق ستة أشهر في مؤتمر صحافي حول العدوان الذي شنته "إسرائيل" على لبنان وتضمن انتقاداً حاداً لأداء رئيس الوزراء "الإسرائيلي" إيهود أولمرت، ومجموعة من القادة "الإسرائيليين" واتهامهم ب”"فشل خطير" على إدارة الحرب في لبنان التي تمت في شهر يوليو/ تموز 2006.

اللجنة الحالية يترأسها رئيس المحكمة العليا السابق الياهو فينوغراد، ويسانده قاض آخر وجنرالان سابقان وخبير في السياسة العامة وخبراء في الإعلام، ولا أدري كم هو عدد حملة شهادات الدكتوراه في علم النفس والخبراء في التحليل النفسي قبل أن تعلن اللجنة تقريرها في بث مباشر وحي شارك فيه العديد من الفضائيات العربية.

ومما جاء في تقرير فينوغراد "أن قرار شن الحرب من دون خطة موضوعة بإحكام أظهر فشلاً حاداً". وأضاف قائلاً "إن سحق حزب الله والتراجع من دون الجنديين كان طموحاً يستحيل تحقيقه".

لو تركنا فينوغراد جانباً ونظرنا إلى الواقع الميداني "الإسرائيلي" وطرحنا السؤال هل المسؤولية كل المسؤولية تقع فقط على عاتق رئيس الوزراء أو وزير الدفاع أو رئيس الأركان؟ أم تقع على كل القيادة "الإسرائيلية" بالتكافل والتضامن؟ حيث إن رئيس الأركان السابق دان حالوتس استقال بالفعل، ولم يبق في وجه مدفع التقرير إلا أولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس، وتشير التقارير الأولية إلى أن هذه المجموعة ستبحث في اتخاذ رد فعل موحد إزاء مضمون التقرير.

يا ترى ما هو هذا القرار الموحد تجاه قضايا غير موحدة بل ومشتتة ومنوعة من فساد ورشى وفضائح جنسية وتلاعب بالأسهم وتضليل للرأي العام، حيث يواجه أولمرت تحقيقات في قضايا فساد بينها تحقيق بشأن دوره كوزير للمالية في بيع بنك عام 2005، والموافقة على تقديم دعم حكومي عام 2003 لمصنع يمثله أحد أصدقائه، وشرائه لمنزل بالقدس عام 2004 في الوقت الذي قال فيه مراقب نفقات الدولة إنه حصل عليه بالتحايل وبخصم كبير للغاية.

إنها الاسطوانة نفسها لتلك الحرب النفسية التي استخدمها الاحتلال "الإسرائيلي" دائماً في كل حروبه ضد العرب، تتكرر اليوم من خلال تقرير لجنة فينوغراد. إنها حرب نفسية في وجه الأمتين العربية والإسلامية اللتين كادتا تتحدان على بعض المنصات التي أقيمت في كل من الرياض وشرم الشيخ وتركيا وعواصم أخرى، فكما أقامت "إسرائيل" دائماً استراتيجية حربها النفسية انطلاقاً من إذاعتها وانتهاء بمعسكراتها، وكلها تقوم على إشاعات ومزاعم وأكاذيب لتوحي للعالم العربي بأن "إسرائيل" قوة عظمى لا تقهر، وأنها ستبقى قوية في أي وقت، وإن واجهت الفشل أحياناً فستعود هي الأقوى لأنها القوة الرادعة الوحيدة في المنطقة التي لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها ويرد على نفاقها وأكاذيبها.

وما تقرير لجنة فينوغراد إلا للتعويض عن تلك الصواريخ والقذائف التي لم تكن كافية للسحق والإبادة، وكأنه يحمل إدانة لقادة الكيان لفشلهم في إيقاع المزيد من القتل والتدمير والمجازر، فجاء التقرير بهذه الضجة الإعلامية لتدرس تل أبيب تأثيراتها في الدول العربية التي تواجه انقسامات شديدة مع الأسف الشديد. حيث إن وثائق الجيش "الإسرائيلي" كانت تشير باستمرار إلى استغلال التصدعات والانقسامات في المجتمع العربي، لكن نتائج عدوان يوليو/ تموز المنصرم أكدت أن "إسرائيل" لم تستطع تحقيق هدفها، وإن حربها النفسية فشلت كما فشلت طائراتها وهي تحلق فوق بيروت وجنوب لبنان وتلقى منشورات لإخافة السكان "من يحميكم يا مواطني لبنان؟"، فكان الرد من خلال الصمود اللبناني والمقاومة اللبنانية والوحدة الوطنية وإفشال العدوان وأهدافه، وهو فشل مزدوج لكل من "إسرائيل" والولايات المتحدة، لأن واشنطن كانت تراهن على انتصار "إسرائيل" لإطلاق مشروعها للشرق الأوسط الجديد.

حقاً إن "إسرائيل" تواجه اليوم حبل المشنقة، وهي تبحث عن أي قشة تتعلق بها للخروج من المستنقع؟

هناك حوادث تجري في كل بلاد الدنيا، حوادث فساد ورشى واستغلال جنسي وخيانات وغيرها لدرجة أنه في بلاد الشرق هناك عواصم تعرف ببلاد "البقشيش" أو عواصم الرقيق الأبيض، ولم يكن العيب أن تكتشف "إسرائيل" فضيحة جنسية أو مالية أو إدارية، وإنما العيب كل العيب أن يقال عن الجيش الذي لا يقهر إنه عاد بعد العدوان دون سحق حزب الله، ودون استعادة الجنديين، ودون تجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026