لماذا ترتبك السلطة الفلسطينية إزاء الانسحاب الإسرائيلي من غزة الدكتور عبد الستار قاسم كان المطلب الفلسطيني بخاصة والعربي بعامة منذ عام هو انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تم احتلالها…
الدكتور عبد الستار قاسم
كان المطلب الفلسطيني بخاصة والعربي بعامة منذ عام 1967 هو انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تم احتلالها في حرب حزيران، وكان خروجها من أي مساحة جغرافية موضع ترحيب. لكن الأمر يبدو مختلفا منذ أن أعلن شارون عن خطته للانسحاب من قطاع غزة. ثارت ثائرة السلطة بسبب هذا الإعلان واعتبرت الخطة الشارونية أمرا خارجا عن الكياسة الدولية وعن المبادرات السياسية المطروحة وعلى رأسها خريطة الطريق.
لقد طالبت شارون بالتوقف عن سياساته العنجهية والتفكير بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية. اعتبرت السلطة الفلسطينية الخطة تجاوزا لها ولتمثيلها للشعب الفلسطيني وامتدادا للسياسة الليكودية التي لا تعترف بالشعب الفلسطيني أو بالشراكة السياسية في البحث عن حل للقضية.
من الصعب جدا على المتتبع لتفاصيل القضية الفلسطينية أن لا يلمس السذاجة العميقة التي ينطوي عليها هذا الموقف السلطوي. إسرائيل تريد أن تنسحب والسلطة تطلب التريث والانتظار وتكيل الاتهامات لشارون. لماذا؟ من الناحية المنطقية والتاريخية والوطنية لا توجد إجابة. المطلوب ببساطة هو انسحاب إسرائيل وانتهى، بالضبط كما حصل في جنوب لبنان وكما هو المطلب العربي قديما. ومن المفروض أن لا مشكلة لدى الجانب العربي سواء تم هذا الانسحاب بقرار من شارون أو من غيره، تم فجأة أو بتمهيد، ليلا أو نهارا، عبر البحر أو البر.
بالتأكيد شارون ليس طيب القلب ولم يقرر الانسحاب لأن حمامة السلام قد رفرفت فجأة فوق رأسه. لقد وعد منتخبيه بالقضاء على المقاومة الفلسطينية وتوفير الأمن لهم، لكنه وجد بعد سنوات أن الأبعاد الأيديولوجية في خطابه الانتخابي لم تعد مجدية، فاعترف بالواقع الذي يؤكد صلابة المقاومة الفلسطينية على الرغم من الخسائر الكبيرة التي يمنى بها الجانب الفلسطيني. وجد شارون أن كل الضربات العسكرية القوية ضد الفلسطينيين قد أنتجت ردود فعل عكسية لدى الفلسطينيين وعلى الساحة الدولية، وأنه لا يملك في النهاية سوى التنازل عن قضايا عقائدية مثل أرض إسرائيل الكبرى ونشر الاستيطان في كل مكان في فلسطين الانتدابية.
هناك من يحاول التقليل من شأن المقاومة الفلسطينية قائلا بأنها مقاومة غير فعالة وتتلقى الكثير من الضربات مقابل ردود واهية في كثير من الأحيان. ويضيف هؤلاء بأن شارون ينسحب متآمرا للإيقاع بين الفلسطينيين وليس لأنه في مأزق عسكري. صحيح أن شارون ليس في مأزق عسكري لكنه كما كان رؤساء وزراء من قبله في مأزق أمني. قد تكون الدولة قوية جدا عسكريا وتمتلك من الوسائل القتالية التي تؤهلها للبطش بلا هوادة، لكنها تبقى غير قادرة على توفير الأمن لأن كل قدراتها العسكرية لن تمنع عنها المفاجآت التي ينفذها الطرف الآخر. قتل شارون وسفك الدماء وهدم البيوت وخرب المزارع واعتقل وبث الرعب لكنه لا يستطيع أن ينام بهدوء.
أما التبرير بأن الانسحاب الشاروني يهدف إلى الإيقاع بين الفلسطينيين فيشكل إدانة قوية وغبية للشعب الفلسطيني. هذا التبرير يعني بأنه إذا زال الاحتلال فإن الشعب الفلسطيني سيغرق في حرب أهلية تكون السلطة الفلسطينية والحركة الإسلامية بطليها البارزين. أي أن وجود الاحتلال هو الذي يمنع الاقتتال الداخلي وعليه أن يتريث قبل الانسحاب ليتمكن الفلسطينيون بمساعدة المصريين على ترتيب أمورهم. طبعا من السهل القول أنه إذا كان الشعب الفلسطيني على هذه الدرجة من الغباء فإن بقاء الاحتلال يعتبر نعمة، ومن المفروض أن يكون بقاؤه مطلبا.
في هذه المقولة استغباء واضح للعربي. قطاع غزة في أغلبه الآن تحت إدارة السلطة الفلسطينية وليس تحت إدارة الاحتلال. الاحتلال موجود في حوالي 40% من مساحة القطاع، وهي المساحة الخالية تقريبا من السكان الفلسطينيين والمحتوية على المستوطنات الصهيونية. لم نجد طيلة هذه السنين الحركة الإسلامية تحمل السلاح في وجه السلطة ولم نعهدها حريصة على الاقتتال الداخلي. وإذا حصل اقتتال فكان بمبادرات فردية سرعان ما كانت تتم محاصرته. فقط السلطة هي التي اتبعت سياسة القمع والزج بالسجون وملاحقة المقاومين الفلسطينيين.
المشكلة حقيقة هي كالتالي إسرائيل تريد أن تخرج من غزة وتفكك المستوطنات، وهي على اتصال مستمر مع مصر والسلطة والأردن وأمريكا من أجل أن يكون هناك بديل أمني عربي يرعى لها متطلباتها الأمنية. السلطة جزء لا يتجزأ من الصفقة، لكن شبح "حماس" واستمرارها في المقاومة يبقى هاجسا كبيرا. "حماس" قوية في الشارع الغزي وتحظى بتأييد واسع جدا ومن المحتمل جدا أن تكسب أي انتخابات يمكن ترتيبها في القطاع. وإذا وفت "حماس" بميثاقها فإن المقاومة ستستمر. في هذه الحالة ستكون إسرائيل والسلطة الفلسطينية الخاسرتان. إسرائيل تكون قد انسحبت دون ضمانات أمنية، والسلطة تكون قد تعثرت في تعاونها مع إسرائيل وفقدت مصداقيتها ومصالح رموزها.
ولهذا يتم الاستنجاد بالجانب المصري. إسرائيل معنية بالضمانات الأمنية المصرية لأنه ثبت لها أن السلطة منفردة لم تكن قادرة على الوفاء بالالتزامات الأمنية تجاه إسرائيل، والسلطة معنية بالدور المصري لإقناع حماس من باب الأخوة العربية وحرص مصر على مصالح الفلسطينيين بالتوقف عن المقاومة والتسليم بسلطة السلطة الفلسطينية.
تمت محاولات متكررة في هذا المجال سابقا تحت عنوان الحوار الفلسطيني - الفلسطيني في القاهرة ولم يثمر، لكن المعنيين لا يصابون باليأس. أي أن الارتباك حقيقة لا يتأتى من الانسحاب وإنما من التبعات المترتبة عليه فيما يخص أمن إسرائيل ومصالح رجالات السلطة والأنظمة العربية المعنية.
أعتقد أن الموقف الصحيح يجب أن يركز على كيفية ترتيب الأوضاع الفلسطينية على أسس من النباهة والعلمية وبطريقة تخدم البناء الداخلي الفلسطيني وعملية التحرير. الانصراف إلى انتقاد الانسحاب وتفكيك المستوطنات لا يثير إلا التندر ولا يعبر إلا عن قصر نظر.
من المفروض أن يكون الانسحاب موضع ترحيب ودرسا للذين تخلفوا عن مقاتلة الاحتلال ليتعظوا. خرج الصهاينة من جنوب لبنان دون قيد أو شرط ومن المفروض أن يخرجوا من كل الأرض العربية دون قيد أو شرط.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع