الاستشهادي القسامي/ توفيق علي محمد ياسين
لا والله..لا أدعكما تسبقاني إلى الجنة
القسام ـ خاص:
هم رجال صدقوا الله فصدقهم الله.. طلقوا الدنيا ليشتروا الآخرة.. أبطال سطروا بجهادهم أروع الملاحم القسامية.. التقوا مع بعضهم البعض في أحراش عصيرة القسام.. وتتلمذوا على يدي قائدهم أبو الهنود الذي زلزل أركان الاحتلال.. قصتنا في هذا التقرير عن واحد من خمسة مجاهدين باتت أرواحهم تحلق في جنان الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء.. إنه الاستشهادي القسامي توفيق ياسين الذي فجر نفسه في عملية مزدوجة بالقدس المحتلة عام 1997م موقعاً عشرات القتلى والجرحى في صفوف الصهاينة المحتلين.
المولد والنشأة
ولد شهيدنا توفيق علي عبد الله ياسين في بلدة عصيرة الشمالية، شمال مدينة نابلس في الضفة الغربية، ونشأ وترعرع وسط عائلة ملتزمة ووضعها المادي جيد، حيث درس في مدارس عصيرة الشمالية إلى أن أنهى دراسته الثانوية، ثم التحق بعد ذلك للعمل في مجال الدهان علماً أنه كان منذ طفولته ملازماً لوالده في فلاحة الأرض وزراعتها.
كان شهيدنا يتصف بصفات كثيرة تجعل منه إنساناً من نوع آخر فقد عرف عنه الهدوء منذ صغره، حتى أنه كان قليل الاختلاط مع زملائه في المدرسة ولا تراه دائماً إلا مع أحب الأصدقاء إلى قلبه الشهيد بشار صوالحة، فكانا لا يفترقان كالروح الواحدة في جسدين، كما كان توفيق ذو بنية جسدية قوية أهلته لأن يكون هداف فريق المدرسة في لعبة كرة اليد التي تتطلب مهارات تختلف عن الرياضات الأخرى كونها تتطلب قوة ورشاقة وسرعة وكلها صفات كان شهيدنا يتحلي بها.
أما معاملته لأبويه وإخوانه فقد كانت تتسم بالحب والود حتى أنه كان يعاملهم معاملة خاصة ويحبهم حباً شديداً، كما تميز شهيدنا أنه كان شديد البرّ لوالديه ولا يرفض لهما طلباً ويسعى دائما لنيل رضاهما والقيام بكل ما يحقق لهما الراحة.
في صفوف الحماس
انضم شهيدنا توفيق إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ نعومة أظافره وكان من رواد المساجد والمحافظين على أداء الصلوات جماعة، كما كان يتصف بين إخوانه بدماثة أخلاقه وابتسامته الدائمة على محيّاه وحبه وإخلاصه لدعوته، وتميزه بصورة لافتة لطاعة الأمير، حيث كان لا يتردد في تنفيذ كل ما يطلب منه.
كما عرف عنه أنه كان دائماً من المبادرين والمسارعين في المشاركة بالأعمال التطوعية خاصة في موسم قطف الزيتون، حيث كانت الحركة الإسلامية دائماً ما تحرص على تنظيم نشاطات وفعاليات مختلفة لتقديم المساعدة للأهالي وللتخفيف عنهم في مثل هذه المواسم.
أما عن تنظيمه في صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام فقد كان ذلك في صيف عام 1995م على يد شهيدنا القائد محمود أبو الهنود الذي عاد لأرض الوطن بعد أن كان قد أبعد قسراً إلى مرج الزهور برفقة أكثر من 400 قيادي وناشط من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، حيث لاحظ أبو الهنود في الشهيد توفيق الصفات اللازمة لضمه إلى الخلية القسامية التي شكلها في منطقة عصيرة الشمالية، وكان في عضويتها كل من الشهداء معاوية جرارعة وبشار صوالحة ويوسف الشولي.
وبعد أن اكتمل تشكيل الخلية وأصبحت جاهزة لإثخان الجراح بالعدو الصهيوني بدأ أفراد الخلية جهادهم بعملية محكمة شمال مدينة نابلس، حيث استهدفوا بالرصاص سيارة صهيونية كانت تسير في طريق الباذان مما أدى إلى مقتل طبيب صهيوني وإصابة مرافقه بجراح، وعند الانسحاب من مكان العملية ارتطمت سيارة المجاهدين التي كان يقودها شهيدنا توفيق بصخرة كبيرة في المكان مما دفعهم للترجل من السيارة والمسارعة بالانسحاب مشياً على الأقدام قبل هروع قوات الاحتلال.
ورغم أن العملية التي كانت باكورة نشاط الخلية قد نجحت في النيل من الصهاينة بإيقاع الخسائر في صفوفهم إلا أن السيارة التي بقيت في المكان قادت إلى المنفذين وأصبحوا مطاردين لدى الاحتلال الصهيوني.
الاعتقال في سجون السلطة
وبعد فترة بسيطة من المطاردة تم اعتقال شهيدنا توفيق ورفاقه على يد أجهزة السلطة الفلسطينية.. حيث تم زجهم في سجن الجنيد بمدينة نابلس.. في مفارقة عجيبة وغريبة، فبدلاً من أن يكرّم المجاهدين وتضرب لهم التحيات يزج بهم في السجون والمعتقلات كما هو الحال في هذه الأيام.. لكن ما يدمي القلب أن الظلم من ذوي القربى كما يقول الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على القلب من وقع الحسام المهند
ونظراً للقدرات الكبيرة التي كان يتمتع بها أفراد الخلية ولأنهم تلامذة القائد أبو الهنود، نجح شهيدنا توفيق وإخوانه المجاهدين بالفرار من سجن الجنيد بعد 6 أشهر من اعتقالهم وأصبحوا مطاردين بين أحراش وجبال عصيرة القسام تلاحقهم قوات الاحتلال وأجهزة السلطة الفلسطينية في آن واحد.
وهكذا أصبح مجاهدونا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، لا يفت في عضدهم تخاذل المتخاذلين، ولا بطش المعتدين، ولسان حالهم يقول "أملنا أن يرضى الله عنا، لا نريد دنيا ولا مغنماً، نريد جنة ونعيماً".. ثم سرعان ما انضم إليهم الشهيد القائد أبو الهنود وأصبح الخمسة يعدون العدة من خلال خلية "شهداء من أجل الأسرى" لإعادة الكّرة من جديد على الاحتلال الصهيوني لكن هذه المرة بطريقة أخرى، بحيث تنتقل المعركة إلى داخل أسواق وطرقات القدس المحتلة حيث يظن الصهاينة أنهم في مأمن من ضربات القسام.
فترة المطاردة
وقبل الخوض في تفاصيل "خلية شهداء من أجل الأسرى" لا بدّ من ذكر الدور الكبير الذي كان يلعبه شهيدنا توفيق أثناء فترة المطاردة، حيث كانت موكلة إليه مهام غاية في الأهمية أبرزها أنه كان "الدليل" لأفراد الخلية كونه كان ذو خبرة واسعة في تضاريس المنطقة وعلى دراية تامة بأماكن المغاير والآبار وأماكن الاختباء.
ويعود لشهيدنا توفيق الفضل في الإشارة على قائده الشهيد محمود أبو الهنود بحفر مغارة تحت الأرض في مكان استراتيجي، حيث تحولت هذه المغارة إلى مكان آمن لأفراد الخلية ينامون فيها باستمرار دون أن يستطيع الاحتلال أو عملائه المنتشرين من الوصول إليها أو مع المعرفة بها إلا بعد فترة طويلة جداً من المطاردة والتحدي.
كما كان شهيدنا توفيق مسئول عن موضوع الحراسة، فهو الذي كان يكلف ويتابع موضوع الحراسة بين أفراد الخلية، ورغم كل هذه المهام الكبيرة إلا أنه كان دائماً يساعد في إعداد الطعام كونه كان أكثرهم اتقاناً في إعداد الطعام.
وإضافة إلى كل المسؤوليات التي كانت ملقاة على عاتقه كان شهيدنا يشارك في عمليات رصد المغتصبين وأذناب الاحتلال من العملاء والمندسين، حيث يعود الفضل إليه في كشف عدد من الجواسيس وسحبهم والتحقيق معهم، فقد كان لا يخشى في الله لومة لائم ويتميز بجرأة وشجاعة كبيرتين.
وأخيراً عرف عن توفيق أنه كان أمهر أفراد الخلية في ركوب الخيل حيث كان خيالاً بارعاً منذ مصغره، وكان باستمرار يدرب أفراد الخلية مهارات ركوب الخيل.. حيث كان يتميز بقدرة بارعة في إتقان إطلاق النار أثناء ركوبه الخيل، وقد كان له شرف تعليم الشهيد القائد محمود أبو الهنود ركوب الخيل.
شهداء من أجل الأسرى
وعودة إلى خلية "شهداء من أجل الأسرى" التي تأسست في مدينة نابلس، فبعد أن أكملت استعداداتها جعلت من بلدة عصيرة الشمالية وأحراشها ميدان عملها بفعل وجود تلامذة أبو الهنود التواقين للشهادة وبسبب طبيعة المنطقة، وبدأت الخلية بقيادة الشهيد القائد محمود أبو الهنود بالتحضير لتنفيذ عملية استشهاديتين مزدوجتين في مدينة القدس.
وفي تفاصيل العمليتين رسم قادة القسام في منطقة نابلس الخطة بحيث يتم تنفيذ عمليتين مزدوجتين على مرحلتين، الأولى ينفذها استشهاديان في شارع "محنى يهودا" بالقدس المحتلة والثانية تتبعها بعد شهر واحد وفي ذات المكان وبنفس الطريقة، وكان الهدف من ذلك توجيه لطمة إلى قادة الاحتلال وضباط مخابراته العاجزين، وتوصيل رسالة واضحة "للشاباك الصهيوني" أن جنود القسام قادرون على الوصول إلى حيث يشاءون وفي الوقت الذي يختارون رغم التعزيزات والاحتياطات الفاشلة.
وبعد أن تمت كافة الاستعدادات ولم يبق سوى اختيار الاستشهاديين للعملية الأولى، وقع أمر لم يكن بالحسبان ولا يتخيله أي إنسان إلا من عرف من هم جند القسام، حيث دب خلاف من نوع آخر بين المجاهدين الأربعة كل منهم يريد أن يكون منفذ العملية الأولى، ولم يستطع أبو الهنود حل الموضوع إلا من خلال الاتفاق على إجراء قرعة لاختيار اثنين منهم في رحلة السباق إلى الجنة.
القرعة
وبالفعل جرت القرعة وكانت النتيجة من نصيب كل من الشهيد معاوية جرارعة والشهيد ويوسف الشولي، وهنا احتج شهيدنا توفيق قائلاً: "أنا لا أقبل بنتيجة القرعة، ولا أقبل الحرمان، لا و الله لا أدعكم تدخلون الجنة قبلي، أنا أريد أن أكون شهيداً في هذه الموقعة"، وبعد جدالٍ طويل، أعيدت القرعة مرة ثانية، لتكون نتيجتها نفس الأخوين السابقين: معاوية ويوسف ولكن تحت إحتجاج توفيق، وصياح وكلام طويل، أعيدت القرعة مرة ثالثة، وكانت من حظ يوسف ومعاوية مرة ثالثة، وأعيدت رابعة بطلب وإصرار من توفيق، لتخرج أيضاً على نفس الأخوين: معاوية و يوسف لتكون نتيجة الرابعة هي ذات الأولى!
وبعد أخذ وشد ونقاش طويل وبكاء وعويل من قبل شهيدنا توفيق وهو يقول لا... لا ... لا أقبل أن تتركوني في هذه الدنيا وتذهبوا إلى الجنة، وأخذ توفيق يبكي ويرجو أحدهم أن يقدمه، ولازال هكذا حتى تدخل الشهيد أبو الهنود وأصدر قراره بأن يُبَدلَ يوسف، عندها فرح توفيق وخرّ ساجداً شاكراً لله عز وجل وقطع العهد لأخيه يوسف أنه سيشفع له يوم القيامة، أما يوسف فقد سالت الدموع من عينيه لكنه رضي بقضاء الله وقدره واستجاب لأمر قائده، وهنأ يوسف أخيه توفيق ولسان حاله يقول "أنتم السابقون ونحن اللاحقون"، لينطبق على المجاهدين الأربعة قوله تعالى "من المؤمنين رجال صدقوا الله ما عاهدوا عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا".
وبالفعل نفذت المجموعة العملية الأولى بتاريخ 30-7-1997م حيث فجر الاستشهاديان توفيق ياسين ومعاوية جرارعة نفسيهما في عملية مزدوجة في سوق "محني يهودا" بالقدس مما أدى إلى سقوط 15 قتيلاً وأكثر من 70 جريحاً آخرين حسب اعتراف الاحتلال.
وبعد تنفيذ العملية جنّ جنون الاحتلال بعد أن فشل في تحديد هوية منفذي العملية طوال أكثر من أسبوع، إلى أن توصل ضباط الاحتلال بعد تحقيقات مكثفة إلى أن أحد منفذ الهجوم هو شهيدنا توفيق، فما كان من قوات الاحتلال الصهيوني إلا أن تفرغ حقدها في عائلته، حيث أقدمت على هدم منزله المكون من ثلاثة طوابق.
وهكذا رحل توفيق إلى جنان الخلد بعد أن وفقه الله في عملية استشهادية أشفت غليل المجاهدين وعموم الشعب الفلسطيني الذي كان وما زال يعاني من جرائم الاحتلال، وترك وراءه أشباه الرجال من أزلام السلطة الفلسطينية يتلوعون ويتحسرون ويندبون حظهم بعد أن فشلوا في الامساك به كي يحصلوا على مزيد من الامتيازات من أسيادهم الصهاينة.