السبت, 20 يونيو, 2026, 23:53 بتوقيت القدس

الحاج رمضان.. من غزة في خضم الطوفان إلى قم في إيران

كتب: د. ماجد عبد الله .. من غزة في خضم الطوفان إلى قم في إيران

البدايات:

بينما كنا نواجه في غزة عدواناً همجياً، يطفح بالحقد التلمودي، والسلوك النازي، وننتظر في كل لحظة أن تباغتنا القنابل الثقيلة المدمرة والحارقة، كنا نراقب بألم شديد العدوان الصهيوني الأمريكي على بلد مسلم، وقف إلى جانبنا مساندا وداعماً ومدافعاً عن حقوقنا في مجابهة الظلم الصهيوني، والاستكبار الأمريكي، ليهدموا فيه البنيان، ويقتلوا الإنسان، ويدمروا المقدرات، وبينما نتلقف الأخبار، عن استهداف العلماء والقادة العسكريين منهم والسياسيين، يسرق سمعي اسم رجل من هؤلاء العظماء، جعلني في حيرة، وتفكير، وأنا أردد في نفسي، هل يا ترى سيكون هو هو، ثم أعود وأدعو ربي أن لا يكون هو، ثم ما هي إلا ساعات ويتم الكشف عن حقيقته، فكان الخبر ثقيلا بثقل دوره في إسناد المقاومة على مدار عقدين من الزمان أو يزيد، ولعل القارئ يقول من هو يا ترى هذا الرجل؟

إنه الرجل الذي عرفته قبل عشرين عاماً، نذر نفسه ووقته في سبيل الله، وعاش مجاهداً لأجل القدس وفلسطين، أشهد أنه صاحب خلق ودين، يفكر بعمق، ويخطط بروية، ويبني بصمت، ويكافح بإصرار.

لم يكن العدو الصهيوني ليغفل عنه، وما كلَّ عن مطاردته، فهو الرجل الذي وقف شامخاً على جبال سوريا الجنوبية يرقب فلسطين بعينيه ولسان حاله، قادمون بإذن الله، وثم متحدياً على ساحل الناقورة في لبنان، وهو يقول سنحطم أحلامكم أيها الغاصبون المحتلون، ثم يرقد مرابطاً، تارة في دمشق وأخرى في بيروت همه القدس وفلسطين حتى استطاع أن يصنع المعجزات التي خلدت ذكراه بعد رحيله، فصدق فيه قول الشاعر: وكن رجلاً إن أتوا بعده ... يقولون مرّ وهذا الأثر.

إنه الرجل الذي أحبَّه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، الشهيد السيد علي خامنئي رحمه الله، وأفرد له حجرة في قلبه، ولطالما أشاد به وبأعماله في ملف فلسطين، حتى أنه لم يستبدله وأبقاه في منصبه حتى اختاره الله شهيداً.

إنه الرجل الذي طارد العدو، فطارده حتى نال منه رحمه الله رحمة واسعة.. إنه الشهيد، - نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحدا - اللواء محمد سعيد إيزدي (الحاج رمضان) الذي استشهد في 21 يونيو 2025م بمدينته قُم، إثر عدوان إسرائيلي غاشم على إيران في أتون الحرب التي بدأت في 13 يونيو 2025م ليودع هذا العالم بجسده، ويبقى خالداً بأعماله وجهاده، في محور المقاومة لأجل القدس وفلسطين.

بدأت معرفتي به، الموصوف برجل الظل، في دمشق عام 2005م تقريباً، بأنه منسق علاقات المقاومة، واستمرت العلاقة والمعرفة لسنوات طويلة، وكان آخر لقاء لي به في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، عام 2022م، ولم يكن الوصول إليه سهلاً، فالعدو يصنفه بـ (الرجل الخطير) فكان من واجب حزب الله المضيف، أن يحافظ عليه، فدخلت عليه ذلك اليوم، بصحبة بعض الإخوة القسّاميين من غزة، لمناقشة بعض القضايا التي تهم المقاومة، فازددت يقيناً على ما أعرفه عنه، أنه قليل الكلام كثير العمل، لسانه لا يتوقف عن الذكر، وفي نظراته همُّ العمل، وشغف الإنجاز، ولفت انتباهي صورة معلقة على باب زجاجي لبترينة الصالون أمام مائدة الطعام، تجمعه مع الدكتور الرنتيسي رحمه الله، فقال لنا معتزاً بها، أنها كانت في مرج الزهور، ليؤكد لي هذا الرجل قناعتي بمدى إخلاصه وصدق انتمائه لفلسطين وأهلها، وعرفت أن زيارته للمبعدين في مرج الزهور كانت زيارة دعم واسناد، باسمه ونيابة عن الحرس الثوري والجمهورية الإيرانية، وانتهت الزيارة عنده بترحيب كبير، ووعد صادق لدعم المقاومة ورجالها بكل أصناف الدعم كما عهدناه.

جهوده في دعم منظومة المقاومة وتطويرها، ودوره في محور القدس:

الحاج رمضان كرّس وقته لخدمة المجاهدين في المجالات المتعددة، وكان شريكاً حقيقياً في دعم وإسناد المقاومة الفلسطينية بمختلف توجهاتها، بل إن بصماته واضحة في تطوير قدراتها التصنيعية، والتكنلوجية، في الصواريخ وتوجيهها، والطائرات المسيرة بأنواعها، وهو الذي نسّق وأشرف على مئات الدورات العسكرية، في إطار بناء المقاتل واعداده، لمختلف الفصائل الفلسطينية، وهو الذي عكف على إقامة مشروع للمقاومة في جنوب لبنان، فكانت قوة الرضوان نتاج إصراره على المضي قدما في البناء الفعلي والكمي، لقوى المقاومة، من أجل الجهوزية التامة لفعل ما يتطلبه الأمر عند الحاجة، كما ساهم في تطوير الفهم العسكري لدى رجالات المقاومة داخل فلسطين وخارجها، وكان من أهم تنسيقاته في هذا الشأن حرصه على إنشاء دورة القيادة والأركان لقيادتي العمل العسكري والأمني في حركة حماس، والتي استمرت لما يقارب العامين يتنقل المتدربون فيها بين دمشق وطهران حتى نهايتها، فكانت هذه الدورة من حسناته وآثاره الباقية، ولا أنسى أن نتاج المادة العلمية في هذه الدورة قد استفادت منها المقاومة في غزة وفلسطين، يوم أن جعلوا جزءاً منها في مناهج الأكاديمية العسكرية لكتائب الشهيد عز الدين القسام.

كان شريكاً حقيقياً في الدعم اللوجستي، من خلال مد المقاومة بأصناف الأسلحة المختلفة، فكان وريثاً حقيقياً لنهج (الحاج رضوان) عماد مغنية رحمه الله، والذي عرفناه بانتمائه اللامحدود للقدس وفلسطين، وكان همه كيفية إيصال الكميات الكبيرة والمختلفة من صنوف الأسلحة لقوى المقاومة في غزة، ولذلك استمر الحاج رمضان بالإنفاق المالي الكبير، لفتح خطوط التهريب إلى غزة، وبناء المخازن، في مختلف الأماكن حتى ضمان وصول الأسلحة إلى قوى المقاومة، ولذلك فإن جزءاً مهماً من ترسانة المقاومة تم بناؤها بجهده في التمويل والتخطيط والإشراف، حتى أصبح له سهم حقيقي في معارك المجاهدين مع العدو الصهيوني.

لم يكتف الحاج رمضان بفعله في الإمداد والتدريب والبناء، بل كنا نجده الحريص على المشاركة الفعلية في متابعة المواجهات بين قوى المقاومة والعدو الصهيوني، ناصحاً، وموجهاً، وحاملاً للأموال، ومسخراً كل ما يمكن تسخيره للمقاومة أثناء المواجهات، فيبقى مرابطاً إن في بيروت أو دمشق في خلية المتابعة حتى يطمئن بالكامل على ما يمكن تقديمه في هذا الشأن، ومن أبرز هذه المتابعات، قيامه بالمشاركة والمتابعة اليومية في خلية الأزمة التي أقامتها دائرة العمل العسكري في الخارج لمتابعة حرب الفرقان في كانون الأول من عام 2008م، وبقي رحمه الله مرابطاً في هذه الخلية حتى انتهت الحرب التي استمرت ثلاثة وعشرين يوماً، صبَّ العدو فيها نيران حقده مطلقا عليها (الرصاص المصبوب)، والتي راح ضحيتها مئات الشهداء في غزة الصمود والمقاومة، فكان ممن حمل همّ دعم المقاومة بالسلاح والمال والتوجيه والتنسيق العملياتي بين المقاومة في فلسطين، وفيلق القدس ومحور المقاومة، طوال حياته حتى أسلم الروح لبارئها.

كان رحمه الله حريصاً على إنجاز أعماله بالمتابعة الحثيثة والمباشرة مع قيادات العمل العسكري، فكانت له علاقات مباشرة مع كبار القادة ومنهم، الشهيد يحيى السنوار، والشهيد أبو العبد هنية، والشهيد صالح العاروري، والشهيد محمد الضيف، والشهيد أبو البراء مروان عيسى، بالإضافة إلى اللقاءات العديدة مع جميع رؤساء المكتب السياسي لحركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وغيرهم من قادة المقاومة الفلسطينية، من أجل تذليل العقبات، وتسهيل المهمات، وكان آخرها اللقاءات المكوكية مع الشهيد قائد حركة حماس إسماعيل هنية قبيل استشهاده، في بيروت وطهران.

إن إقامة الحاج رمضان شبه الدائمة، في بيروت، مرابطاً فيها لتعكس مدى التصاقه وحبه وانتمائه للقدس وفلسطين، وكان وجوده القريب من الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصرالله، دوراً مهماً في تكوين الرأي المشترك، نحو سبل دعم المقاومة في فلسطين، وتطوير كل فكرة من شأنها خدمة المجاهدين واسنادهم، وتقوية عزائمهم، وهو ما ساهم بالفعل في تعدد اللقاءات مع كافة قوى المقاومة، من أجل تنسيق العمل المشترك، فكانت اللقاءات العديدة مع الشهيد الشيخ صالح العاروري بحضور الشهيد السيد حسن نصر الله، لتطوير ودعم وإسناد العمل المقاوم في الضفة الغربية، وما ساحة جنين، وخلايا العمل المسلح على امتداد محافظات الضفة الغربية إلا نتاج جهود الشهيد الشيخ صالح ورفاقه مع الحاج رمضان وسماحة السيد رحمهم الله جميعاً.

أيضاً في إطار تحركه رحمه الله في القضايا الاستراتيجية النابعة من فهمه العميق؛ عمل على تقوية محور المقاومة، والحفاظ على وحدة الساحات، والتي رأينا أخيراً فعلها المساند في حرب الطوفان، بمشاركة المجاهدين في لبنان واليمن والعراق، وما كان استهدافه رحمه الله إلا لقناعة العدو بمدى خطورته عليهم طوال السنوات التي مضت من عمره، كرّسها للمشاركة في بناء عظيم، مشيّد على أسس عقائدية متينة، ممزوج بدماء الشهداء العظماء، حتى تعلو رايات العز والكرامة والفخار فوق مآذن الأقصى وربوع فلسطين.

وأخيراً لا يمكن لمقال محدود، أن يفي هذا الرجل العملاق جزءاً مما قدمه لفلسطين، فهو بحق عاش لفلسطين وقدم لها ما عجزت دول عن تقديمه، واستشهد من أجلها، وترك أثراً كبيراً واضحاً سيبقى ماثلاً أمام الأجيال يقولون مرَّ وهذا الأثر.

أضف مشاركة عبر الموقع

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026