القسام – الضفة المحتلة :
شيع آلاف المواطنين في جنين ظهر اليوم الأربعاء (30-4) جثمان الاستشهادي عز الدين المصري والشهيد توفيق محاميد بقرية دير أبو ضعيف شرق جنين.
وتم تشييع جثمان الاستشهادي المصري في بلدة عقابا وهم يحملون جثمانه قبل أن يتوجهوا إلى مقبرة البلدة وهم يرددون الهتافات التي تمجد الشهيد، مستذكرين تاريخه.
فيما أكدت عائلة الشهيد المصري في كلمتها على أن استرداد الجثمان يطوي صفحة طويلة من المعاناة استمرت 13 عامًا، مطالبين باستمرار العمل حتى إغلاق ملف شهداء الأرقام.
وقال القيادي في حركة حماس الشيخ مصطفى أبو عرة إن دماء الشهداء لن تذهب هدرًا، وإن المقاومة هي الطريق الوحيدة لتحرير الأرض، مستذكرًا مناقب الشهيد المصري.
الاستشهادي القسامي
في اليوم التاسع من شهر آب/أغسطس عام 2001 كانت فلسطين على موعد مع أحد فرسانها الذين ترجلوا إلى ساحات الوغى ليذيقوا الصهاينة من ذات الكأس الذي شرب منه شعبنا الفلسطيني المجاهد. حيث انطلق شهيدنا القسامي المجاهد عز الدين المصري إلى قلب مدينة القدس المحتلة ليفجر نفسه وسط حشد صهيوني داخل أحد المطاعم موقعاً 20 قتيلاً صهيونياً وأكثر من 100 مصاب جراح العشرات منهم وصفت بالخطيرة.
ويا لها من ساعات عصيبة عاشتها أجهزة الأمن الصهيونية وهي لا تدري كيف تمكن الاستشهادي القسامي من الوصول إلى قلب مدينة القدس المحتلة على الرغم من حالة الاستنفار القصوى التي كانت قد أعلنتها عقب اغتيال الجمالين في مدينة نابلس وتعهدت كتائب القسام بالثأر لدماء الشهداء القادة، ولم يتأخر الرد طويلاً على تلك الجريمة النكراء التي نفذتها طائرات الاحتلال الصهيونية بحق قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس في الضفة الغربية جمال منصور وجمال سليم وثلة مؤمنة كانت حولهم، وهو ما تم بالفعل بعد 9 أيام فقط من جريمة الاغتيال حتى نفذت كتائب الشهيد عز الدين القسام تهديدها بعملية استشهادية زلزلت أركان الكيان الصهيوني الغاصب.
ميلاد الاستشهادي
ولد الاستشهادي عز الدين شهيل المصري في قرية عقابا بمحافظة جنين شمال الضفة الغربية في السابع عشر من شهر آب لعام 1979، ونشأ وترعرع وسط أسرة متدينة عرف عنها التقوى والصلاح، وتربى على حب الدين وأهله، واعتاد على ارتياد المساجد، والقيام بالنوافل من صيام وزيارة للأرحام والدعوة إلى الله على بصيرة.
وأما في مجال العمل فقد اضطر شهيدنا إلى ترك المدرسة في مرحلة مبكرة ليساعد والده وإخوانه في المطعم الذي كان يعد مصدر رزق العائلة الوحيد، وقد كان عز الدين يوصل الطلبات إلى الزبائن، حيث عُرف عنه أنه كان شخصية محبوبة لدرجة أنه لم يكن أحد يراه إلا ويحبه، فهو ذو الخلق الدمث والتعامل السمح والابتسامة التي ما كانت تفارق محيّاه.
موقف بطولي
كما عرف عن عز الدين أنه كان ذو رباطة جأش في مواجهة اليهود المحتلين، حيث استدعته المخابرات الصهيونية في أحد الأيام عام 1999 وطلبت منه الحضور إلى معسكر سالم العسكري، وفور وصوله إلى المكان بدأ التحقيق معه بأنه عضو في حماس وله نشاطات معادية لـ"الكيان" وغير ذلك من الأسئلة المعتادة في مثل هذه المواقف.
وقد أنكر الشهيد جميع التهم الموجهة له، مما أضطر ضابط التحقيق الصهيوني إلى إتباع أسلوب الترهيب وتهديده بالسجن والتعذيب فما كان من شهيدنا إلا أن ازداد عزيمة وصلابة غير آبهٍ بكل الوعيد والتهديد، وهو الأمر الذي حدا بالمحقق لأن يغيّر أسلوبه ويبدأ بإتباع أسلوب الترغيب من خلال إغرائه بالمال والسيارة ومحل جديد خاص له إن وافق على العمل معهم وتقديم مساعدات لهم. وهنا انتفض الشهيد صارخاً في وجه المحقق قائلاً: "والله لو أعطيتني مال الدنيا كله على أن أتعامل معكم، ما فعلت وما حلمتم بذلك أبداً، فافعلوا ما شئتم فلن أكون خائنا لديني وأمتي أبدا بإذن الله تعالى".
جهاده وانضمامه للقسام
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى واشتداد ضراوتها وارتقاء الشهيد تلو الشهيد قرر عز الدين المصري أن يكون له من أسمه نصيب وأن ينخرط في صفوف كتائب عز الدين القسام لينصر دين الله بقتاله أبناء القردة والخنازير، فكانت البداية على يد القائد القسامي الشهيد قيس عدوان الذي قام بتجنيده بانتظاره الفرصة المواتية لتنفيذ عملية استشهادية بناء على طلب عز الدين وإلحاحه على ذلك.
وبتاريخ الحادي والثلاثين من تموز لعام 2001كانت فلسطين على موعد مع مجزرة بحق قادة عظام وشهداء كرام ... انه موعد ارتقاء الجمالين ورفاقهما إلى حور الجنان، حيث بدأت الكتائب تستعد للانتقام، فالمصاب جلل، والفاجعة بالشيخين عظيمة وبدأ الاستشهاديون بالتجهز للصعود إلى الحور العين وكان من ضمنهم عز الدين المصري .. ليحقق أمنيته التي طالما رددها عندما كان يجيب مع من يعرض عليه الزواج .. الحور العين أفضل من هذا كله.
تفاصيل مثيرة للعملية
وبعد أن اتخذت كتائب الشهيد عز الدين القسام قراراً بالرد على مجزرة الاحتلال بدأ العمل حثيثاً وبصورة مكثفة بين خلايا منطقتي رام الله ونابلس، حيث تم الاتفاق في نهاية المطاف على إرسال الاستشهادي من منطقة جنين وهو شهيدنا عز الدين المصري إلى منطقة رام الله ليقوم الأسير القسامي القائد عبد الله البرغوثي بتجهيزه تمهيداً لنقله إلى مدينة القدس المحتلة.
وبالفعل تم إعداد عز الدين جيداً وتوجه بعد ظهر يوم الخميس 11/8/2001 بمساعدة الأسيرة القسامية المحررة أحلام التميمي ، إلى مطعم "سبارو" الشعبي في شارع يافا بالقدس المحتلة حيث كان مزدحماً وقت الغذاء، وفي شهادة أحد الصهاينة الناجين لوسائل الإعلام العربية، قال: "من بين الذين كان يتدافعون لدخول المطعم كان هناك شاب فلسطيني يرتدي شيرت ابيض اللون وبدلة رياضية غامقة، وكان يضع حول وسطه محفظة مثل أكياس الكاميرات".
ويضيف شاهد العيان الصهيوني "وحين دخل المطعم بدأ ينظر إلى قائمة الطعام المضيئة والمعلقة على الحائط وعلى الألواح الرخامية الحمراء والخضراء والبيضاء، كما لو انه يستكشف المنطقة المحيطة به، ثم سأل الشاب الفلسطيني موظف المطعم كم يستغرق الوقت لإعداد طبق من الاسباجيتي (المعكرونة) لأخذه خارج المطعم، وبينما كان الموظف يرد فيه على سؤاله مد الشاب الفلسطيني يده داخل محفظته وفجر قنبلة".
وبهذه العملية الاستشهادية التي كان بطلها الاستشهادي عز الدين المصري تكون كتائب القسام قد طوت صفحة جديدة من صفحات البطولة والفداء، فهكذا هي حياة الشهداء دائماً، أجساد على الأرض وأرواح تحلق في السماء، ودماء ترسم خارطة الوطن قائلة للأجيال: "إياكم والتفريط بذرة تراب واحدة منه ".