القسام ـ خاص:
يوسف السركجي ، رجل ليس كباقي الرجال .. صدق ما عاهد الله عليه فقضى نحبه شهيدا في سبيله بعد مسيرة علم وعطاء وجهاد لم يبخل فيها بالغالي والنفيس إرضاء لوجه الله تعالى.
لن تبكي ارض فلسطين رجلا مثلما تبكيك يا أبا طارق ، سيذكرك سوق محني يهودا وشارع بن يهودا في القدس المحتلة وان ترسل إليهما قوافل الاستشهاديين في أيلول من العام 1997 ، وستذكرك خلية شهداء من اجل الأسرى وهي تلحق بالعدو العار تلو العار.
شمس تطلع على جبل النار
أشرقت شمس الثلاثين من أيار عام 1962 على جبل النار لتزف نبأ ميلاد يوسف خالد عبد المجيد السركجي ذلك الطفل الذي سيكون له فيما بعد مستقبل حافل بالجهاد وسيتولى لفترة من الزمن قيادة كتائب العز القسامية .
نشأ يوسف السركجي في عائلة ملتزمة وتلقى تعليمه الأساسي والثانوي في مدارس نابلس وقد تميزت سيرة حياته بإضاءات وملامح تنبثق من شخصية تتجذر فيها الأخلاق الإسلامية السامية، فقد نشأ وترعرع على هذه الأخلاق حيث كان التزامه بالإسلام وهو في حداثة سنه مذ كان يبلغ أربعة عشر ربيعا، فجعل من الإسلام منهجه وطريقه ومن شدة حبه لدينه فقد اتخذ من دراسة الشريعة الإسلامية وسيلة لإرواء عطشه وحبه لهذا الدين وأكمل فيما بعد دراسته العليا وحصل على شهادة الماجستير في الشريعة الإسلامية من جامعة النجاح الوطنية.
وبعد انتهاء فترة دراسته في الأردن عاد أبو طارق إلى مدينة نابلس وعمل إماما وخطيبا في عدة مساجد قبل أن يستقر به المقام في مسجد السلام وهناك نشأ على يديه جيل من الشباب المسلم الذي حمل هم دينه ووطنه وشعبه .. فكان من بينهم الشهيدان القائدان جاسر سمارو ونسيم أبو الروس الذين كان لهما شرف مرافقته في سجنه ومطاردته واستشهاده.
في سبيل الله
عاش أبو طارق حياة مليئة بمعاناة المجاهد الذي نذر نفسه فداء لدينه ووطنه، فكان له مع زنازين الاعتقال صولات وحكايات، حيث قدر له أن يعيش خلف قضبان المعتقلات الصهيونية من عام 1988 وحتى عام 1995 على فترات متقطعة تخللها سنة من الإبعاد في عام 1992 حيث كان ممن أبعدوا إلى مرج الزهور، وهذه مرحلة لها حكاياتها ووقفاتها.
وعندما انتهت مرحلة الإبعاد بعودة المبعدين إلى ديارهم قدر له أن يعيش حياة الاعتقال مرات ومرات، وكان أن خسر إحدى كليتيه في إحدى هذه الجولات حيث كان معتقلا في سجن عسقلان، وحتى حينما قدر له أن يفلت من قبضة الصهاينة الحاقدين ، كان لا ينجو من قبضة أبناء جلدته حيث عانى مرارة الاعتقال السياسي في سجون السلطة الفلسطينية أكثر من مرة من تاريخ 23/9/1997 وحتى تاريخ 18/4/2001 على خلفية اعترافات من الشهيدين نسيم أبو الروس وجاسر سمارو اللذين كانا مسؤولين عن معمل للمواد المتفجرة في وادي التفاح بنابلس وعانى بشدة أثناء وجوده في مسالخ التحقيق في سجون السلطة وتدهورت صحته حتى كاد أن يموت من التعذيب ونشرت الصحف الفلسطينية تقارير عن وضعه آنذاك.
في سجون سلطة أوسلو
وأعيد للتحقيق أكثر من مرة لدى الأمن الوقائي في أريحا بعد نقله من سجن جنيد بنابلس وكان كلما يعتقل مجاهد من كتائب القسام أعادوا الشيخ أبا طارق للتحقيق في أريحا ونابلس.
وكان أقسى ما في نهاية هذا الاعتقال انه حرم هو وعائلته فرصتهم الأخيرة من أن يمارسوا حياة أسرية طبيعية، حيث كان الخيار الوحيد المتاح أمامه بعد أن أطلق سراحه أن يعيش مطاردا، وكان هذا منذ بداية شهر ايار2001 وحتى تاريخ استشهاده.
ولا شك أن مأساة حياة الاعتقال والإبعاد والاختفاء كان لها عند "أبو طارق" وجه آخر لا يعرفه إلا من جرب وعاش هذا النوع من الحياة، فكما قال العالم الكبير ابن تيمية –رحمه الله- :"إن سجني خلوة ونفيي سياحة"، فقد أتيح لشيخنا المجاهد أبو طارق أن يزيد من علومه ومعرفته في السجن وان يواصل هذا العلم إلى تلامذته المخلصين، وأتيح له أن يدخل باب الجهاد الحقيقي ويأخذ دوره الفاعل فيه، فكان ما كان وما كشف عنه النقاب لاحقا وبعد أن نال منه أعداء الله والإنسانية حيث أعلنوا بعد اغتياله عن دوره المهم والبارز كقائد لكتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية.
وكما كان للاعتقال أثره في تأصيل دور هذا الشيخ المجاهد الفذّ، كذلك كان للإبعاد حيث اختص بتجربة سياسية وجهادية فريدة، وكان ممن حظي بفرصة ممارسة حياة نموذجية في مجتمع إسلامي نقي وفريد، مما أخرجهم من هذه المحنة بمكاسب ما كانوا ليدركوها لو لم يعيشوا هذه التجربة الفريدة.
إيمان قوي.. وإرادة كالصخر
كانوا يعيشون أياما في العراء وتحت البرد القارس لا يجدون ما يلتحفونه أو يقتاتونه، ومع هذا لم تفت هذه المعاناة القاسية من عضده ولم تجد طريقا لتنال من عزمه، فقد كان صاحب يقين عال، وثقة بقضاء الله وقدره وإرادته التي تهيمن على كل أمر، فكان في أيام المطاردة إذا لاقاه إخوانه مصادفة في مكان ما يتعرفون عليه بشدة ويذكرونه انه ما كان ينبغي أن يتواجد في ذاك المكان خوفا على حياته، فكان يرد عليهم"وما أدراكم فقد تسبقوني بالشهادة وقد يكتب لي من بعدكم الحياة" وهذا ما كان فقد ودّع الكثير من أحبابه وأصدقاء دربه، فودع الجمالين وأبو هنود وأبو النور والكثيرين غيرهم.
اعتقل أحد الأشخاص لدى الاحتلال وفي أثناء التحقيق معه اخبروه أن السلطات تنوي قتل أو اعتقال الشيخ يوسف السركجي، ولما بلغ الخبر للشيخ كان رده: "إن نهاية حياته بيد الله ولا يملك أحد من الناس أن يضع لها حدا، لذلك لا يخيفني هذا الكلام"، وكان بدروسه ومواعظه وأحاديثه يشحن إخوانه ويشحن هممهم وينتقل بينهم ليرفع من معنوياتهم ويبقيهم دائما على أهبة الاستعداد.
كذلك من صفاته التي تميز بها انه كان مستجاب الدعوة موصول بالله، فقد تعرض ذات مرة لظلم شديد في سجنه الانفرادي حيث منع من حقوقه ومن الخروج من زنزانته فدعا على سجانه بان يقع عليه مثل ما يعانيه الشيخ فما لبث حتى استجاب الله دعوته وبات ذلك السجان من ليلته تلك سجين الفراش بغرفة العناية المكثفة بعد أن أصابته جلطة حادة، ومنع حتى أقرب أقربائه من زيارته، فما كان من بقية سجانيه إلا أن تحاشوا تحديه حتى لا يعرضوا أنفسهم لدعواته.
صفات القائد الفريدة
ولكنه لم يستخدم سلاحه هذا إلا ضد أعداء الله، أما إخوانه وبقية من عامله فما وجدوا منه إلا سماحة وطيبة ولينا ندر أن يوجد مثلها.
كان من صفاته انه شديد الصبر، لا يشكو الألم، يعمل بصمت، شفوق على أهله وأسرته وإخوانه المجاهدين، ويؤثرهم ويقدم لهم أفضل ما يملك، أتاه احد إخوانه المطاردين ذات يوم يطلب ما يلتحف به، إذ كان ينام بالعراء، فما تردد لحظة بأن يحمله فراشه الذي ينام عليه وكان أفضل ما لديه، وقد جاء فقيرا ذات يوم لم يطعم اللحم منذ مدة فتقاسم معه كل ما لديه في الثلاجة مناصفة، وكان رده دائما على من احتج على سلوكه هذا بترديده قوله تعالى:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون".
من شدة حبه للناس كان يحس بألمهم ويقف إلى جانب أصحاب الحاجة حتى ممن لا يعرف، فقد كان يزور الجرحى بالمستشفيات في الانتفاضة الأولى، ويقلم أظافرهم ويقص شعورهم ويطعمهم بيديه ويشتري لهم المرطبات والحلوى.
كان من أبرز خصاله بره الشديد بوالديه، حتى انه كان يقبل قدم أمه إرضاء لها، وكان في أيام إجازته في معتقل السلطة، حيث كان يسمح للمعتقلين أحيانا بالخروج وزيارة أهلهم لمدة يوم أو يومين، فكان يقضي إجازته مع والديه وإخوانه وأهله جميعا ولا يخصص زيارته لأهل بيته كما يفعل الآخرون، وكان في أجازاته يتصل هاتفيا مع إخوانه في الخارج ويدعوا لهم.
كان حسن العشرة لأهل بيته مستنا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فكان في خدمة أهله طالما توافر له الوقت والظرف، ومن شدة حبه لأبنائه وتعهده لشؤونهم انه وفي أثناء أيام اختفائه وعيشته الطويلة مطاردا، كان يمتلك منظارا فيحمله ويذهب إلى بقعة تواجه منطقة سكناهم فيراقبهم أثناء مغادرتهم لمدارسهم ويكحل عيناه برؤيتهم ولو عن بعد، وذات يوم شديد المطر اتصل ليرسل إليهم سيارة أجرة لتنقلهم إلى مدارسهم، فقد كان غائبا حاضرا بروحه وقلبه وتفكيره.
الشهيد أبو طارق.. رجل ليس ككل الرجال، ولعله ممن ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتاق إليهم حينما قال لأصحابه اشتقت لإخواني، الذين وصفهم بصفات لم يدع أبا طارق منها شيئا فمما لا شك فيه أن الله يصطفي من عباده ويختار منهم شهداء، فكان أبو طارق من هذه الصفوة المختارة هذا علمنا به ولا نزكي على الله أحدا .
على أعتاب الشهادة
ولقد كان مدركا انه ذات يوم سينال الشهادة التي حلم بها طيلة عمره وأحس بقربها منه منذ أن نالها أحباؤه أبو النور والجمالين وزاد إحساسه بدنوها منه منذ أن استشهد أبو هنود، لذا كان دائما يوصي أهله ويذكرهم بالصبر وتحمل ما هم مقبلون عليه من أمر استشهاده ولكنه كان أيضا مدركا بأن الله سبحانه وتعالى الذي أكرمه بهذا التكريم لن يضيع أهله ولن يضيع أبناءه وسيتولاهم برحمته ورعايته، فكان حريصا أن يذكر أهله دائما بهذا الأمر فكانت كلمته لزوجته الصابرة المجاهدة "أم طارق" التي طالما واساها بها: لا تخافي من الفراق فلن يضيعك الله وأولادك، فلو اطلع العباد الصالحين على حالنا لأشفقوا علينا فكيف بالله سبحانه وتعالى !! ".وفي ذلك تقول أم طارق بعد استشهاد زوجها "لقد صدقت يا أبا طارق لن يضيعنا الله، وان ندمت على شيء فهو خروجك من بيننا مطاردا فلم نتمكن من أن نشبع منك ومن إيمانك، وإننا ورغم معرفتنا بك إلا أننا كنا نجهلك ولم نعرف عنك كثيرا إلا بعد استشهادك فهنيئا لك".
في نحو الثالثة من فجر الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 2002 كانت نابلس على موعد مع مجزرة رهيبة أخرى تضاف إلى سلسلة جرائم العدو .
مجموعة من الوحدات الخاصة تتسلل إلى المدينة من جهة الشمال وتطوق شقة سكنية تقع في الدور الأرضي من بناية مؤلفة من تسع طبقات في شارع عصيرة في الجبل الشمالي يتواجد بداخلها أربعة من قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام هم الشهيد القائد " يوسف السركجي" و"نسيم أبو الروس" و"جاسر سمارو" و"كريم مفارجة" ، وتتبعها بعد ذلك نحو عشر دبابات وناقلات جند من جهتين وتتخذ مواقع لها في محيط البناية.
أجساد محترقة وقد مُثّل بها
وبدأ جنود الاحتلال بإطلاق القذائف الحارقة داخل الشقة قبل أن يقتحموها، ثم بدأوا بإطلاق النار على رؤوس الأربعة بعد الاقتحام، بغرض التأكد من قتلهم .. فارتقى الأربعة إلى بارئهم شهداء بدم بارد ليشهدوا على إجرام بني صهيون.
وبعد انسحاب القوات الصهيونية سارع الناس إلى مسرح الجريمة ليجدوا أربعة أجساد محترقة وقد مُثّل بها وأطلق الرصاص على رؤوسهم من مسافة قصيرة .. وتعالت أصوات التكبير المنددة بالجريمة وخرج الألوف في مسيرة غاضبة تجوب شوارع المدينة مطالبة بالثأر العاجل فيما أصدرت حركة حماس بيانا مقتضبا نعت فيه الشهيد القائد وإخوانه الشهداء وتعهدت فيه بالنيل من كل عصابات الإجرام الصهيونية .
رحل أبو طارق .. ولمّا ترتوِ من فيض جهاده الجماهير.. رحل وودع الدنيا إلى غير رجعة ..وسلم الراية من بعده إلى رجال تربوا على يديه الطاهرتين .. فلم يطل ثأرهم لدماء شيخهم ، وكانت عمليات الثأر التي وعدت بها كتائب القسام وزغردت لها تل الربيع والقدس وأم خالد ودفع الصهاينة ثمن ما اقترفت أيديهم.
صور القائد القسامي يوسف السركجي







