القسام ـ وكالات:
قبل نحو عام وقف الشاب محمد الهمص إلى جانب والده الستيني في مسجد البراء بن عازب في مدينة غزة استعدادًا لأداء صلاة العصر، وهما لا يعلمان أنه اللقاء الأخير الذي يجمعهما وسيحفر لاحقًا في شريط الذكريات.
انتهت الصلاة.. جلس الوالد مع ابنه ودار بينهما حوار سريع، قال الأب: "اهتم بنفسك فالاحتلال ماكر وقد يستهدف غزة في أي وقت"، رد الابن: "وصلتني رسالة تنبيه على الجوال، افتحوا شبابيك المنزل حتى إذا وقع قصف"، غادر الابن وسارعه الوالد بالقول: "توكل على الله وربنا معك".
بهذه الكلمات انتهى لقائهما، دقائق معدودة حتى وصل نبأ ارتقائه مع نائب القائد العام لكتائب القسام أحمد الجعبري عصر يوم 14/11/2012، باستهداف السيارة التي كانا يستقلانها وسط مدينة غزة.
في زاوية من زوايا منزله، أخذ أبو وحيد يحدق في صوره نجله مع رفيق دربه الجعبري ويعيد شريط ذكرياته، وقال: "محمد كان شابًا شجاعًا ورجلًا أفنى عمره في الدعوة، ويعمل بخفاء، وإعلامي يشهد له الكثيرون بالتميّز".
ويتحدث لوكالة "صفا" عن رحلة الحج قبل أسبوع من استشهاده: "كتبت أنا ووالدته ورقة صغيرة فيها كافة الديون التي علينا وسلمناها له، فقال: تسبقاني للشهادة؟ أنا سأسبقكما إن شاء الله، فلم يمض أسبوع على الموقف حتى نال ما تمنى".
ويتابع "عمل في سوريا مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وقيادات في الحركة بعد رفض السلطات المصرية في عهد حسني مبارك عودته لغزة، وأجرى عمليات جراحية إثر إصابته بمحاولة اغتيال عام 2004".
ويكمل والدموع تذرف من عينيه "محمد كان يوزع أضحيته في كل عام على فقراء بسوريا، ويخرج والابتسامة على محياه، ثم يرجع لبيته وقد اشترى من كمية اللحوم على حسابه من أجل أسرته".
ولا يختلف الحال عند والدته التي بدت خلال لقائنا بها صابرة ومحتسبة رغم فراق نجليها محمد ووحيد قبل أعوام، وعند سؤالنا لها ماذا كان يعني لك استشهاد نجلك، أجابت قائلة: "الله يرحمه ويلحقنا به على ذات الدرب".
ومثلت معركة "الأيام الثمانية" بالنسبة لهما "أيام عزة وكرامة بفضل الله ثم بإعداد الشهيدين الجعبري والهمص ورفاقه المقاومين خلال الأيام الماضية استعدادا لأي معركة مع الاحتلال الذي لا يتوانى عن استهداف غزة".
ويطالب الوالدان رفاق نجله في المقاومة بإعداد العدة للمعركة القادمة وإكمال ما بناه الجعبري والهمص لإفشال أهداف الاحتلال وتحقيق شروط المقاومة كما كان في معركة "الأيام الثمانية"، حتى تحرير فلسطين.