القسام ـ الضفة المحتلة:
لم ينعم الشيخ صالح محمود إبراهيم عطية خلال العقدين الأخيرين بحياة أبسط مقوماتها الاستقرار، فالاعتقالات المتتالية وسيف الاعتقال الإداري المشهر في وجهه مع كل اعتقال، كانا مسلطين على رقبته ورقبة عائلته التي لا تريد إلا بقاء الأب معها وبجوارها.
أهالي بلدة خربثا المصباح قضاء مدينة رام الله، التي ينتمى لها الشيخ صالح عطية الذي ناهز الخمسين من عمره اعتادوا أن يمازحوه بعد كل إفراج، متسائلين عن تاريخ عودته مرة أخرى للأسر وعن المدة التي سيمضيها معتقلاً، فيرد عليهم "الله أعلم"... وهو جواب يختزل في طياته معاناة كبيرة للأسرى المحررين الذين يستهدفهم الاحتلال من خلال إعادة اعتقالهم، في سياسة لـ"تصفير العداد واستنزاف الطاقات وإجبار الأسير على رفع الراية البيضاء".
آلام استمرت عشرين عاما وعائلة الشيخ صالح تعيش وهو بعيد عن كنفها بسبب الاعتقال الذي يباغتهم بين حين وآخر. الزوجة الصابرة أم محمود تروي القصة فتقول "منذ عام1993، وزوجي يعتقل باستمرار، ولم تتكلل حياتنا الأسرية بالاستقرار منذ ذلك الحين حتى الآن".
وتضيف: "لم يمض زوجي سنوات في بيته ومع أولاده، بالقدر الذي أمضاه بين جدران السجون وفي زنازين التحقيق والتعذيب، فقد بلغ عدد اعتقالاته أكثر من عشر مرات".
مجدداً للاعتقال الإداري
الشيخ صالح، الذي يعمل موظفاً في وزارة التعليم العالي في رام الله، اعتقل في المرة الأخيرة بتاريخ 1/5/2013 من بيته، بعد الإفراج عنه بستة أشهر، فكان قد قضى حكماً بالسجن عامين متواصلين، وهو الآن يقبع في سجن "عوفر" بعد أن تم تحويله للاعتقال الإداري.
الزوجة والأبناء الثمانية عاشوا واقعاً أليماً مع إعادة الاعتقال الإداري للشيخ عطية، صحيح إنه ليس بالأمر الجديد لديهم، إلا أنهم ظنوا أن هذا الكابوس لن يعود ليداهم حياتهم مجددا، لكن إصرار الاحتلال الاسرائيلي على تكرار الاعتقال الإداري خاصة لمن عاشوه يبقى قائماً.
عذابات المرض
بوتيرة مستمرة، واصل الاحتلال اعتقال الشيخ صالح عطية، فأكدت زوجته -التي لم تعد تذكر تواريخ اعتقال زوجها لكثرتها-، أن "اعتقالاته بلغت أكثر من عشر مرات وغالبيتها كانت إدارية، حيث كانت الأسرة بأكملها تعيش أحلاماً وآملاً بالإفراج، تتعثر فيما بعد بسبب تجديد الاعتقال الإداري له".
ورغم الأمراض التي يعانيها وإصابته بأزمة صدرية وارتفاع في نسب الدهون والكوليسترول لديه، إلا أن ذلك لم يشفع له من سيف سلطه الاحتلال ولم يتراجع عنه في قمع وإخضاع الكثير من الأسرى الفلسطينيين في سجونه، وهو سيف الاعتقال الإداري.
الأم.. والدور العظيم
بأفراحها وأحزانها كانت عائلة أبو محمود تفتقده، العائلة التي حملت فيها الأم المسؤولية بأكملها.. مسؤولية الأبناء والبيت والعناية والمواساة والاستشارة في كل الأمور وترتيب كل شيء وإنجازه... نعم فهي الأم الفلسطينية التي حملت مسؤولية بيتها في اعتقال زوجها مرات ومرات، ولم تمنن أو تستكثر ذلك، وعدته أجراً وثواباً وحباً لذلك الزوج الغائب الذي ضحت من أجله الكثير.
أما الأبناء الثمانية، فكبروا بسرعة -كما تقول أم محمود-، "كبروا وسنين العمر تمضي بوالدهم مشتتاً ما بين الأسر والحرية التي كان يتنشق عبيرها فترات محدودة، ثم يعاود أسيراً مع رفاقه".