الذكرى ال12لرحيل قائد يترك خلفه إرثاً نضالياَ
الأربعاء, 19 مارس, 2014

الذكرى ال12لرحيل قائد يترك خلفه إرثاً نضالياَ

القسام – لضفة المحتلة:

من المتوقّع أن يكون الهاتف الخاص بمجرم الحرب الصهيوني آرييل شارون قد رنّ في ساعة مبكرة من فجر يوم الثلاثاء 18/3/2003م ، ليبلغه قائد قوات جيش الاحتلال في الضفة الغربية الخبر الذي انتظره شارون منذ أشهر و هو مقتل علي علان الذي تصدّر قائمة المطلوبين لقوات الاحتلال لتخطيطه عدة عمليات أوجعت العدو و بقيَ بعيداً عن أيدي المحتلين .

و كان شارون نفسه قد وقف يوم في 24/11/2002 في مغتصبة جيلو على مشارف مدينة بيت لحم مستعرضاً قواته التي كانت بدأت احتلالاً و توغلاً كاملاً للمدينة و قراها و بلداتها قبل ذلك بيومين ، و سأل إذا كانت أجهزته الأمنية استطاعت القبض على (علي علان ...!) .

و قبل وقوف شارون بيومين كان مقاومٌ يدعى نائل أبو هليل استطاع تجاوز جميع حواجز الاحتلال و نفّذ عملية استشهادية في قلب القدس الغربية في حيّ كريات مناحيم الاستيطاني أوقعت أكثر من عشرة قتلى ، و كانت مبرراً لإعادة اجتياح محافظة بيت لحم ، و مع أولى أيام الاجتياح كشفت صحيفة يديعوت أحرنوت الصهيونية على موقعها الإلكتروني أن الهدف من العملية العسكرية في بيت لحم هو علي علان سواء كان له علاقة بعملية أبو هليل أم لا ، فعلان بالنسبة لشارون أضحى المطلوب الأول ..! . فمن هو علي علان ؟!!

النشأة

ولد علي علان قبل 28 عاماً في مخيم عايدة للاجئين قرب مدينة بيت جالا من أبوين أُجبرا على الرحيل عن قرية المالحة قرب القدس عام 1948م بعد أن تم احتلال القرية و تهجير سكانها و تحويل مئذنة مسجدها إلى برجٍ لتربية الحمام و تحويل المسجد نفسه إلى صالة من صالات الرقص و اللهو .

و تفتّح وعي علان الوطني مع خطواته الأولى في المخيم الذي ينطق كلّ شيء فيه على بشاعة المحتلين ، و مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى كان علان أحد رماة الحجارة ، و فيما بعد نشط في صفوف حركة حماس ، و لكن بقيَت تحرّكاته محاطة بسرية و غموض ، و كان علي صموتاً جداً ، و ساعد شكله على إحاطة عمل بالسرية ، و لم يكن أحدٌ يتوقّع بأن علان الشاب الأشقر الوسيم الذي يبدو أنه غُمِر بتدليل و (بدلع) جعله يكون أقرب إلى شابٍ غير مبالٍ ، يمكن أن يكون مقاوماً ذا بأس  

مسيرة المقاومة

و لم يكن ذلك في الواقع سوى القشرة التي يحكم فيها عادة الناس على بعضهم البعض ، و كان أول احتكاكٍ له مع المحتلين عام 1994م عندما أوقفه جنود الاحتلال و هو في طريقه إلى القدس على الحاجز العسكري الفاصل بين مدينتي بيت لحم و القدس ، و تم اعتقاله و غاب علان أربع سنوات و نصف في سجون الاحتلال بتهمة مقاومة الاحتلال

و في داخل المعتقلات توثّقت علاقة علان بشباب و كوادر حركة حماس و كانت المعتقلات بالنسبة له مكاناً للتثقيف و الإعداد لبدء مرحلة أخرى متقدّمة لا بد ستأتي في مقاومة و مقارعة المحتلين .

و عندما خرج عام 1999م عمِل علان صاحب الشخصية المحبوبة كسائقٍ في شركة كهرباء القدس ، في مدينة بيت لحم و تزوج من أمل مفرح علان و بعد نحو عامٍ اختفى علان عن الأنظار و أصبح ظهوره نادراً و لم يعنِ اختفاؤه أو ظهوره شيئاً لمعارفه و أقاربه ، و لكنه كان قد انخرط في العمل العسكري لكتائب عز الدين القسام ، و وفقاً لمصادر صهيونية فإنه كلّف بتشكيل خلايا للكتائب في شمال و جنوب الضفة الغربية .

و في الأشهر الأولى لانتفاضة الأقصى وقعت في مدينة نابلس عملية اغتيال مدويّة لأحد قادة كتائب عز الدين القسام و هو الشهيد أيمن أبو الحلاوة ، بإطلاق صواريخ من مروحيات صهيونية مقاتلة على سيارته و في حين تمكّنت قوات الاحتلال من قتل الشهيد أبو الحلاوة فإن آخر كان معه في السيارة أصيب و نجا بأعجوبة و لم يكن ذلك الشخص سوى علي علان الذي بدأت الأوساط الصهيونية بوصفه أحد أخطر المطلوبين و أحد قادة الجناح العسكري لحماس و المطلوب الأول ..

مطاردة طويلة

و بدأت حملة مطاردة واسعة و كبيرة للمقاوم الجريح ، و تكرّرت الزيارات الليلية المفاجأة من قوات الاحتلال لمنزل عائلة علان و أشقائه و أقربائه في مخيم عايدة و بيت جالا و بيت لحم و رام الله و أماكن أخرى متعدّدة ، و تعرّض الكثير من أقرباء علان و معارفه للاعتقال .

و في شهر آب /2002م وصلت قوة كبيرة من جيش الاحتلال إلى منزل عائلة علي علان المكوّن من عدة طوابق و تسكنه أربع أسر عدد أفرادها يزيد عن الأربعين شخصاً ، و احتجزت كلّ هؤلاء في إحدى الغرف و حقّق رجال المخابرات الصهاينة معهم لمدة ساعتين و فشِلوا في معرفة مكان علي علان و أمهلوا السكان 25 دقيقة للخروج من المنزل لهدمه ، و كانت تلك الدقائق كافية ، كما يقول أحد الجيران لإبعاد أفراد العائلة عن المكان ، و أبقى رجال المخابرات زوجة علي أمام المنزل و خيّروها بأن تقول أين يوجد زوجها أو يقومون بهدم المنزل فقالت لا أعرف أين هو ، فتمّ تفجير المنزل و اعتقال أمل علان بعد أن نزَعوا منها ابنها (معاذ) ابن الثلاثة شهور الذي يعيش الآن في عهدة جدّه و جدّته .

و أمضت أمل أكثر من شهرين في معتقل المسكوبية بالقدس الذي يطلق عليه وصف (المسلخ) حيث خضعت لتحقيقٍ قاسٍ و تعذيبٍ و شبحٍ لا يوصف ، و بعد ذلك تم نقلها إلى سجن الرملة و منذ اعتقالها لم يتمكّن أي أحد من أفراد العائلة من رؤيتها .

و لم تثنِ كلّ هذه الممارسات علان عن القيام بدوره النضالي الذي بدا أنه يتعاظم بشكلٍ مضطرد ، ففي شهر أيلول / 2002، تمكّن أحد المقاومين ، و في ظلّ ظروف بالغة الصعوبة من تنفيذ عملية استشهادية في أحد الحافلات الصهيونية قرب مفرق بيت صفافا جنوب مدينة القدس و قتل عدداً من مستوطني مستوطنة جيلو في تلك العملية .

و اعتبرت سلطات الاحتلال العملية تحدّياً جديداً و قوياً من علان الذي ظهرت بصماته واضحة على تلك العملية ، و رغم تكثيف البحث عنه فإنها لم تستطع إلقاء القبض عليه .

و اعتقلت قوات الاحتلال أكثر من ثلاثين مواطناً من عائلة علان و ذلك والده و أشقاؤه و أربعة من زملائه الذين كانوا يعملون معه في شركة كهرباء القدس ، و رغم أن قوات الاحتلال أفرجت عن بعضهم من كبار السن كوالده إلا أن معظم المعتقلين بقوا محتجزين و منهم شقيقه أحمد علان 35 عاماً و الذي خضع لتعذيبٍ و تحقيقٍ في معتقل المسكوبية

و لم يبقَ منزلٌ من منازل الأقرباء أو حتى من يمتّ بأي صلة لعلان إلا و تم تفتيشه و اقتحامه ليس في محافظة بيت لحم فقط ، و لكن في قلنديا و رام الله.

التحدّي الكبير

و في ظلّ ظروفٍ دقيقة تمكّن الشاب نائل أبو هليل يوم 21/11/2002م من تجاوز حواجز المحتلين و تنفيذ عملية استشهادية في كريات مناحيم بالقدس الغربية ، و كانت العملية صدمة للمحتلين و تحدياً لإجراءاتهم ، فأعادت قوات الاحتلال اجتياح محافظة بيت لحم ، و أعلنت كما ذكرنا سابقاً أن هدف العمليّة هو علي علان : حياً أو ميتاً .

و تابع شارون جهود البحث عن علان شخصياً و وصل إلى مسرح العمليات بنفسه ، و لكنه كان في كلّ مرة يسأل عن علي علان يصاب بخيبة أمل .

و خلال أربعة أشهرٍ و نصف اعتقلت قوات الاحتلال العشرات من المحافظة و مارست شتى أساليب التعذيب لانتزاع أية معلومات عن علان الذي كان مشغولاً ، في مخبئه ، بالإعداد لعدة عمليات من بينها عملياتٍ نفّذتها كتائب القسام خلال الأشهر الأخيرة في مدينة الخليل و كانت عمليات نوعية .

و كانت الضربة المؤثّرة هي عملية حيفا الاستشهادية الأخيرة حين تمكّن الاستشهادي محسن القواسمي من الوصول إلى مدينة حيفا المحتلة و تنفيذ عملية استشهادية في إحدى الحافلات مما أدّى إلى مقتل نحو 17 صهيونياً .

و ثارت ثائرة شارون و كبار ضباط المخابرات للتحدّي الذي ما زال يمثّله علي علان .

الاستشهاد

و في فجر يوم الثلاثاء 18/3/2003م وقع حادثٌ له مغزاه في قرية مراح رباح الصغيرة جنوب بيت لحم ، عندما قتلت قوات الاحتلال أحد المواطنين بعد أن تمكّن من قتلِ عريفٍ في الجيش الصهيوني و إصابة آخر بجراحٍ متوسطة ، و فرضت قوات الاحتلال حصاراً على القرية الصغيرة و هدمت ثلاثة منازل فيها ، و مع تقدّم النهار دهمت فرقة من جنود الاحتلال منزل عائلة علان و اعتقلت والدته و والده و شقيقه محمد ، و تخوّف المواطنون من أن يكون الشهيد هو عليّ ، و بعد ساعات كانت وسائل الإعلام الصهيونية تعلن بفخرٍ تمكّن قواتها من قتل علي علان الذي وصفته بأنه قائد كتائب القسام في جنوب الضفة و بأنه كان في الفترة الأخيرة المطلوب الأول لحكومة (إسرائيل) .

و احتجزت قوات الاحتلال جثمان الشهيد علي علان ، الذي رحلَ مثلما يليق بالأبطال ، تاركاً لابنه (معاذ) إرثاً نضالياً سيفخر به طوال العمر .

جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026