القسام – الضفة المحتلة:
لم يكن يوم اغتياله يوما عاديا، وإنما حتى في موته كان بعيدا عن الأهل والأحباب واستشهد وعيناه تشتاق لهم كما هم، ففي قرية الفندق إلى الغرب من نابلس سقط نصر الدين عصيدة شهيدا بعد أن اغتالته قوات الاحتلال الصهيوني بعد مطاردة له تجاوزت الخمس سنوات.
وكان لعملية اغتياله في الثامن عشر من آذار لعام 2003 وقع كبير على أهالي القرية التي كان عصيدة يختبأ فيها، حيث قال شهود عيان وقتها أن القوة التي جاءت لاغتياله أحضرت معها وحدة من كلاب تقصي الأثر، وبدأتن تبحث عنه لرصد مكانه وعندما انتصف النهار أي في حوالي ساعات الظهيرة داهمت تلك القوات المكان الذي كان الشهيد يختبئ فيه فتبادلت معه إطلاق النيران حتى استشهد.
الميلاد والنشأة
ولد الشهيد في قرية تل إلى الجنوب الغرب من نابلس وهي بلد التين كما يعرف عنها وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي فيها.
وقبل اغتياله طاردته كانت سلطات الاحتلال الصهيوني تطارده حتى قبل الانتفاضة، وكان حينها معتقلا في سجن نابلس المركزي ضمن حملات الاعتقال السياسي التي كانت تقوم بها سلطة أوسلو إلى أن أطلقت السلطة الفلسطينية سراحه مع بقية الأسرى، اثر قيام قوات الاحتلال بقصف منشآت السلطة الفلسطينية في الضفة. فعادت سلطات الاحتلال إلى مطاردة عصيدة بتهمة مشاركته في التخطيط وتنفيذ عمليات فدائية، أحداها عملية مغتصبة عمانوئيل التي قتل خلالها احد عشر مغتصباً وجرح العشرات. كما يتهم بالمشاركة في عملية مغتصبة يتسهار التي أسفرت عن مقتل مغتصبين ، وعملية مغتصبة ألون موريه التي أسفرت عن مقتل أربعة مغتصبين.
وفي إطار سياسة العقاب الجماعي التي انتهجتها قوات الاحتلال ضد عائلات الشهداء والفدائيين المطلوبين، اعتقلت قوات الاحتلال احد أشقائه وقررت طرده إلى غزة إلا أن المحكمة العليا وبعد مداولات عديدة منعت قوات الاحتلال من طرد شقيق عصيدة.
من هو نصر الدين
ويحتل القائد القسامي نصر الدين عصيدة رأس قائمة المطلوبين لدى سلطات الاحتلال، التي لم تستطع الوصول إليه لأكثر من خمسة أعوام من المطاردة، بعد أن ترك "بصمته" الأولى المعروفة عام 1998، في عملية استهدفت مغتصبة يتسهار جنوب غرب نابلس شمال الضفة الغربية، وأوقعت العملية اثنين من حراس االمغتصبة ، واتهمت سلطات الاحتلال عصيدة ومجموعة من رفاقه بالوقوف خلف العملية البطولية.
وبضغط من سلطات الاحتلال اعتقلت السلطة الفلسطينية بعض أفراد هذه المجموعة والذين قضوا نحو ثلاثين شهراً في سجون السلطة ولم يفرج عنهم إلا مع اندلاع انتفاضة الأقصى.
الاحتلال لم يتمكن منه
وفي المعركة الدائرة بين سلطات الاحتلال ونصر الدين عصيدة ومجموعته تمكنت سلطات الاحتلال استناداً إلى معلومات استخبارية من اغتيال أحد أفراد المجموعة الشهيد ياسر عصيدة ورفيقه الشهيد فهمي أبو عيشة بقصف سيارة عمومي كان الاثنان يستقلانها بالقرب من مدينة طولكرم يوم 1/11/2001م.
وبعد فترة قصيرة وبتاريخ 12/11/2001 داهمت قوات الاحتلال قرية تل قرب نابلس التي ينتمي لها عصيدة وكانت القرية خاضعة آنذاك للسلطة الفلسطينية، ولم تجد قوات الاحتلال نصر الدين مصطفى عصيدة ولكنها تمكنت من أحد رفاقه وهو الشهيد محمد ريحان الذي قتلته قوات الاحتلال أمام منزله وأطفاله وتركته ينزف لساعات طويلة حتى استشهد.
لابد من الرد
وأمام هذا التصعيد العسكري كان لا بد من عصيدة ورفاقه أن يردوا، فتركوا هذه المرة بصمة جديدة كبيرة بتاريخ 12/12/2001 وذلك بتنفيذ عملية ضد حافلة ركاب تقل مغتصبين من مغتصبة عمانوئيل والتي كانت إحدى أهم عمليات المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى وقتل فيها، حسب الرواية االصهيونة نحو 11 مغتصبا وجندياً، بينما هناك رواية أخرى تشير إلى سقوط نحو عشرين اخرين واستشهد في العملية المقاوم عاصم ريحان ابن جامعة النجاح الوطنية وشقيق الشهيد محمد ريحان.
و أصبحت قرية تل هدفاً أساسياً لقوات الاحتلال التي جردت حملات عسكرية واسعة للتوغل في البلدة واعتقال أقرباء المطلوبين وترويع المدنيين، ولكنها فشلت في القبض على نصر الدين أو أحد من رفاقه.
محاولات اعتقاله فشلت
وبتاريخ 4/1/2002 دهمت قوات الاحتلال قرية تل، ويبدو أنه كان لديها معلومات استخبارية بوجود نصر الدين عصيدة ورفاقه في أحد الأمكنة في القرية واستشهد خلال العملية أحد رفاق عصيدة وهو الشهيد نائل رمضان الذي ذكرت روايات أنه استشهد بينما كان يغطي على انسحاب رفاقه خلال اشتباك عسكري مع المحتلين.
ورغم عمليات الاحتلال في المدن الفلسطينية والتي توجت بعملية (السور الواقي) في شهر نيسان من العام 2002 وارتكاب مجازر في جنين ونابلس ورام الله وبيت لحم، فإنها لم تتمكن من القبض على عصيدة.
وترك عصيدة، في معركة الإرادة والعقول مع الاحتلال بصمة جديدة من حيث لم يتوقع أحد سواء من المحتلين أو المراقبين الفلسطينيين، فضربت مجموعته هذه المرة أيضا في عمانوئيل بتاريخ 16/6/2002، ونصبت المجموعة، التي قالت كتائب القسام إنها نفس المجموعة التي نفذت عملية عمانوئيل الأولى كمينا لحافة المغتصبين القادمة من مغتصبة بني براك قرب تل أبيب وزرعت متفجرات ودخل أفراد المجموعة الذين كانوا يرتدون اللباس العسكري إلى الحافلة بعد إصابتها وانسحبوا بسلام.
بصمة جديدة
وفي اليوم التالي لوقوع العملية وأثناء عملية التمشيط الصهيونية وقع اشتباك بين قوات الاحتلال وأحد أفراد المجموعة الذي استطاع قتل ضابطاً وإصابة ثلاثة جنود قبل أن يستشهد، وكان هذا الشهيد هو عاصم عصيدة ابن شقيقة الشهيد ياسر عصيدة.
وبدأت حملات بحث وتمشيط واسعة وتم هدم منزل عائلة نصر الدين عصيدة واعتقال والده وأشقائه ووالد عاصم عصيدة وشقيقه حازم ووالد المقاوم سامي زيدان وأشقائه.
واستمر الاحتلال في مطاردة نصر الدين ورفاقه وارتكب بتاريخ 8/11/2002 جريمة وكان ذلك يوافق يوم الجمعة الأولى من شهر رمضان، عندما اقتحمت قوات الاحتلال قرية تل ظهراً بينما كان المواطنون متوجهون إلى جامع القرية لأداء الصلاة، حيث فاجأتهم قوات الاحتلال المقتحمة وقتلت المواطن أحمد رمضان.
وترجل الفارس
وبتاريخ 18/3/2003 كان نصر الدين يثبت نفسه مجددا، عندما اشتبك أحد أفراد مجموعته مع قوات الاحتلال قرب إحدى المغتصبات وبعد يومين من الحادث اتصل أفراد عرفوا أنفسهم أنهم من كتائب عز الدين القسام ببعض وسائل الإعلام في نابلس وكشفوا عن هوية الشهيد الذي لم يكن إلا سامي زيدان.
وترك المحتلون الشهيد في تلك المنطقة النائية ولم يعثر على جثمانه إلا بعد عشرة أيام بعد أن عثر عليها أحد المزارعين من قرية عوريف.
وبقي نصر الدين طليقاً يفكر في ترك بصمات أخرى، في معركة الإرادة والشجاعة والذكاء بينه وبين المحتلين، حتى جاء الساعة التي ترجل بها الفارس عن جواده ويلقى وجه ربه راضيا عنه وينتظر من ينتقم له ولشهداء فلسطين.
عودة الفارس
بعد تسع سنوات من الغياب في مقابر الأرقام، عاد القائد القسامي الأسطورة نصر الدين مصطفى عصيدة إلى بلدته، تلّ، ولكن هذه المرة ليس على قدميه اللتين أرهقهما في مطاردة جنود الاحتلال والمغتصبين، وإنما على أكتاف أبناء شعبه وبلدته الذين عرفوه قائدا مغوارا لا يعرف الخوف إلى قلبه سبيلا.. عاد القائد جسدا ليوسّد في تراب الأرض التي جبلها بعرقه ودمه ودم إخوانه المجاهدين.
وفي موكب مهيب شارك فيه الآلاف من أبناء قرية تل ومدينة نابلس وقادة وكوادر وأنصار حركة المقاومة الإسلامية -حماس، حُمل القائد الذي دوُخ المخابرات الصهيونية، على الأكتاف ليطوف في أرجاء قريته وصولا إلى بيته مودعاً.
كرامات عديدة حظي بها الشهيد عصيدة، لعل أبرزها ما أكده الطبيب الشرعي في نابلس بعد أن كشف على جثمان الشهيد، حيث قال انه بدا وكأنه لم يمر على استشهاده سوى سنة ونصف، فقد كان جثمانه شبه كامل وعليه دماء، إلا أن الرأس لم يتبق منه سوى عظمة واحدة بالإضافة إلى أن إحدى الأرجل مبتورة.