القسام ـ وكالات:
على الرغم من أن سجن بئر السبع الصحراوي يعتبر من أسوأ السجون الصهيونية من حيث ارتفاع درجة الحرارة وموقعه تحت الأرض والخدمات السيئة فيه؛ إلا أنه كان من أحب السجون على قلب المحرر توفيق أبو نعيم، نظرًا لأنه يقع في بلدته الأصلية "بئر السبع" التي هجر آباؤه وأجداده منها عام 1948
ويقع سجن بئر السبع -وهو أول سجن أنشأته الدولة العبرية في بداية عام 1970- جنوب مدينة بئر السبع على طريق "إيلات" (أم الرشراش)، وفي الطريق للسجن تمر على مقبرة بئر السبع التي استولت قوات الاحتلال على جزء منها وأقامت عليه سوقا حيث يوجد قبر جد أبو نعيم "سليمان".
وقال أبو نعيم لـ "قدس برس": "كنت دائمًا أقرأ الفاتحة على روح جدي وأتنسم عبير بلدتي الأصلية (بئر السبع) التي ولد فيها أبي وكذلك أجدادي وعاشوا فيها حتى قدمت العصابات الصهيونية عام 1948، ورحلوهم منها إلى قطاع غزة".
وأضاف: "عشت في هذا السجن الأكثر سوءًا -وكل السجون سيئة- قرابة خمس سنوات متفرقة، كانت على قلبي من أجمل السنوات كوني في بلدتي الأصلية، فأنا صحيح معتقل ولكني حققت حق العودة ولم أكن آنذاك لاجئا لأني أعيش في بلدتي الأصلية".
وتابع: "كنت أشعر أني لاجئ حينما كنت أخرج من هذا السجن لسجون أخرى أبعد فيها عن مسقط رأس أبي وجدي الذي ولد ودفن فيها".
وقال أبو نعيم -والذي أفرج عنه في صفقة التبادل الأخيرة بعد اعتقال دام 22 سنة-: "في ذات مرة سألني أحد ضباط سجن بئر السبع، حينما كنت اقوم بأعمال الرياضة في السجن، أي سجن أحب إليك؟ فقلت له بلا تردد سجن بئر السبع، فاستغرب من جوابي كونه يعتبر من أسوأ السجون. فسألني لماذا؟ فقلت له لأنه مُقام في بلدتي الأصلية ويطل على قبر جدي، وأشرت بيدي له إلى اتجاه المقبرة، فما هي إلا ساعات حتى تم نقلي من السجن إلى سجن آخر".
قبر جدي سليمان
وأضاف "حينما كان يتم نقلنا من هذا السجن إلى سجون أخرى أو للمحكمة كنا نمر في شوارع بئر السبع، التي يوجد بها بيت أبي وجدي وأقاربي، ونشتم عبق هذه المدينة العظيمة التاريخية، وكنا نشعر بنشوة غريبة تنسينا أننا معتقلون، وكان الحنين يزداد حينما نقترب من المقبرة المدفون بها جدي، حيث دائما كنت أقرأ له الفاتحة".
وأضاف: "في ذات يوم كنا منقولين من السجن وقلت لأحد الزملاء الذين كانوا معي: ترى الاحتلال يهمل هذه المقبرة، حيث إن الأشواك والقاذورات بها كثيرة ولم تنظف، وأنا حزين عليها كون جدي مدفونا بها، فقال لي أنت حزين على هذه المقبرة ولست حزينا على نفسك وأنت تقبع بالسجن أو على القدس المحتلة التي يدنسها اليهود".
أما الأسير المحرر أشرف البعلوجي، الذي خرج كذلك في صفقة التبادل بعد اعتقال دام 20 سنة، فهو كذلك كان يشعر بنفس الشعور الذي كان يشعر به زميله أبو نعيم حينما كان يقبع في هذا السجن كون بئر السبع بلدته الأصلية.
وقال البعلوجي لـ "قدس برس": "لسجن بئر السبع الذي عشت فيه أربع سنوات طعم ونكهة خاصة، رغم سوئه حيث كنت أشعر بأنني في بلدي وكل فلسطين بلادي لكن هذه المدينة ولد فيها أبي وجدي قبل هجرتهم إلى قطاع غزة بعد احتلال العصابات الصهيونية لها عام 1948".
وتابع: "كنت دائمًا حينما كان يقوم والدي بزيارتي ويحاول أن يسال عن أحوالي ويطمئن عليها، أقول له ممازحًا أنا أعيش في بلدتي الأصلية وأستمتع بنسيمها وعطرها الذي تحرم منه".
ويقع قضاء بئر السبع جنوب فلسطين، يحده من الغرب قضاء غزة، ومن الشرق الأردن وجنوب البحر الميت ووادي عربة، ومن الشمال قضاء الخليل، ومن الجنوب خليج العقبة وشبه جزيرة سيناء.
مدينة بئر السبع
وتقع مدينة بئر السبع غرب البحر الميت بنحو 75 كيلومترا وشرق البحر المتوسط بنحو 85 كيلومترا وترتفع عن مستوى سطح البحر 175 مترًا، وتقع في الجزء الجنوبي لفلسطين وفي الجزء الشمالي لصحراء فلسطين (صحراء النقب) على نصف قاعدة المثلث الذي تشكله هذه الصحراء تقريبًا.
وتبلغ مساحة مدينة بئر السبع 3890 دونما، وقد بلغ عدد سكانها عام 1922 حوالي 2356 نسمة، وعام 1945 قدروا بحوالي 5570 نسمة.
وهي مدينة صحراوية قديمة سكنتها القبائل الكنعانية، ودُعيت "بئر السبع" على الأرجح نسبة إلى آبار سبعة قديمة بها وقيل إنها دعيت بذلك نسبة إلى البئر الذي حفره سيدنا إبراهيم والنعاج السبعة التي قدمها لزعيم المنطقة (أبي مالك) لخلاف وقع بين رعاتهما.
وتعتبر بئر السبع مركزا للتجارة والاتصالات بين تجار القدس والخليل وغزة والمجدل والقبائل البدوية.
وتعمد الدولة العبرية -وفي مخالفة واضحة للقوانين الدولية واتفاقية جنيف الرابعة- إلى نقل الأسير الفلسطيني إلى معتقل بعيد عن منطقة سكناه، وهي لا تعرف أن المنطقة التي نقل إليها هي الأحب إليه وهي منطقة قطنها آباؤه وأجداده من عشرات السنين بل ودفن بعضهم فيها
حال أبو نعيم والبعلوجي لم يكن يختلف كثيرًا عن حال الأسير المحرر يحيى السنوار، الذي خرج كذلك معهم في صفقة التبادل بعد اعتقال دام 23 سنة، إلا أن السنوار كان الأسعد بينهم.
سعادة السنوار كانت تكمن في أن سجن عسقلان الذي عاش فيه لسنوات كان قريبًا جدًا من منزل والده الذي هجر عنه عام 1948.
سجن عسقلان
وكان يقع منزل إبراهيم السنوار والد يحيى إلى الغرب من سجن عسقلان؛ حيث كان يطل السجن مباشرة على هذا المنزل الذي ظلت آثاره باقية على الرغم من مرور 65 عامًا على تركه بعد تهجير الفلسطينيين على يد العصابات الصهيونية عام 1948.
ويقع سجن عسقلان المركزي وسط مدينة عسقلان الساحلية والذي أنشئ في عهد الانتداب البريطاني كمقر لقيادة الجيش البريطاني في عسقلان ومحيطها وكذلك كسرايا لاستقبال الوفود البريطانية الرسمية، وداخل سرايا عسقلان خصص جناح من المبنى كمركز تحقيق وتوقيف للثوار.
وبعد هزيمة عام 1967 تحول إلى مركز شرطة عسقلان ومع تصاعد المقاومة الوطنية الفلسطينية ضد الاحتلال والازدياد الملموس في عدد الأسرى؛ أصدرت قيادة الجيش الصهيوني، مرسوماً عسكرياً بافتتاح سجن عسقلان المركزي، وذلك في أواخر الستينيات وتحديداً في عامي 1968-1969، ومع ازدياد الأعمال الفدائية التي قام بها السكان الفلسطينيون وارتفاع عدد المعتقلين منهم دعت الحاجة الفورية إلى افتتاح سجن لهؤلاء المعتقلين، وقد تم تسليم مركز الشرطة إلى "مصلحة السجون"، وتقرر أن هذا المبنى يصبح سجناً في الدرجة القصوى من الأمن.
وقال السنوار لـ "قدس برس": "إنه رغم مرارة سجن عسقلان ورطوبة زنازينه وسوئها إلا أنه كان من أحب السجون إلى قلبي لاسيما وأنه قريب من بيت والدي".
منزل السنوار
وأضاف: "عشت سنوات طويلة في هذا السجن وفي زنازين عزله، وكنت كلما تضايقت من السجن وتصعبت علي الامور أقول في نفسي ألا يكفيك أنك على بعد أمتار قليلة من بيت أبيك وجدك، وهو ما كان يصبرني على ألم السجن والعزل والبعد عن الاهل والأحباب."
وتابع: "ظن الاحتلال أنه باعتقالنا في هذا السجن البعيد عن مسقط رأسي خان يونس والتي لجأت عائلتي لها بعد تهجيرها سيكسر عزيمتنا بأن لا نعود للمقاومة لتحرير أرضنا، وهو لا يعرف أنه قربنا إلى هذه الأرض وهذه الديار التي هجر عنها آباؤنا وأجدادنا وسنعمل على تحريرها والعودة لها عاجلا أم أجلا، وتلا بيت شعر قال فيه: (لا تظنوا السجن قهرا رُب سجن قاد نصرا)."
وأشار السنوار إلى أنهم كانوا يشعرون في هذا السجن بالذات أنهم يطبقون حق العودة على أرض الواقع رغم الأسلاك والحواجز التي كانت تحول بينه وبين الوصول إلى منزل والده.
وقال: "من استطاع أن يفك قيدنا ويخرجنا من هذه السجون الظالم أهلها يمكنه أن يعيدنا إلى أرضنا التي هجرنا عنها"، في إشارة منه إلى المقاومة الفلسطينية التي أنجزت صفقة التبادل في تشرين أول (أكتوبر) من عام 2010.
مدينة عسقلان
وتعتبر مدينة عسقلان من أكبر وأقدم مدن فلسطين التاريخية، وتقع جنوب فلسطين على بعد 65 كم غرب القدس.
أسس الكنعانيون المدينة في الألف الثالثة قبل الميلاد، وكانت أحد موانئ الفلسطينيين القدماء على ساحل البحر المتوسط. وتقع إلى الشمال الشرقي من غزة، وتبعد عنها 25 كم قريبة من الشاطئ على الطريق بين غزة ويافا.
وتبلغ مساحة أراضيها 107,334 دونما بما فيها مساحة المدينة 1,346 دونما، ويعتبر الجامع الكبير من أبرز أثار المجدل بناه "سيف الدين سلار" من أمراء المماليك عام 1300.
قامت المنظمات الصهيونية المسلحة بهدم المدينة وتشريد أهلها البالغ عددهم (11496) نسمة، وكان ذلك في الرابع من تشرين ثاني (نوفمبر) من عام 1948. وأقام الاحتلال على اراضيها مدينة أسماها (اشكلون).
ويبلغ مجموع اللاجئين من هذه المدينة في عام 1996 حوالي (70595)، معظمهم لجأوا إلى قطاع غزة الأقرب لهم.
وقد كانت عسقلان على مدى تاريخها الطويل ذات شأن اقتصادي بسبب مينائها البحري وموقعها الاستراتيجي القريب من الحدود المصرية ومواجهتها للقادمين من البحر تجارا وغزاة، وقد كانت منذ القدم محطة هامة من سلسلة المحطات الممتدة على طول السهل الساحلي الفلسطيني، حيث اعتادت القوافل التجارية والحملات العسكرية المرور بها للراحة والتزود بالمؤن.
واشتهرت المدينة بصناعة الأقمشة وكان فيها نحو 800 نول لحياكة الأقمشة القطنية والحريرية التي كانت تباع في أسواق فلسطين وتعتبر من أهم مدن فلسطين في صناعة النسيج أو الوحيدة.