القسام ـ الضفة المحتلة :
1 آب/ أغسطس 2012؛ كان الحدثُ جديراً بالتفكّر والتأمُّل، ففي معادلةٍ "دقيقة" يتنازل الأسير سامر العيساوي عن حقٍ من حقوقه الأساسيّة في أحد طرفيها، وهو الطعام، وفي طرفها الآخر يمدّ نفسه بالكثير من العزيمة، مقابل أن يكون الناتج ما يعقد أمله عليه وينشُد.. وهو "الحريّة".
العيساوي ليس وحده الذي يُضرب عن الطعام من أجل الحرية، ففي السجون الإسرائيلية ما يدفع الأسرى الفلسطينيين إلى "شراء" الحريّة بأي ثمن كان.. أليس "التعذيب بكل الأساليب" يُنسي لذة الطعام؟!
لكن تبقى بعض التساؤلات: كيف يقود الامتناع عن تناول الطعام إلى كسر القيد والتخلص من تعنت السجان؛ وما آثار ذلك على المجالات الحياتية المختلفة للأسرى داخل سجون الاحتلال، وما المصير المتوقع لهؤلاء بعد خوض غمار هذه "المعركة"؟
قرار الإضراب عن الطعام جريء 100%، نظراً لتبعاته، ويأتي كردة فعل على ممارسات إدارة السجون الصهيونية، وها هو الأسير العيساوي متخذ قراره بهذا منذ أكثر من ثمانية أشهر، بالسعي إلى الحرية مهما كان الثمن؛ كأنّ المُحرر أيمن الشراونة لدى حديثه عن العيساوي يعبّر عن ذات الهدف الذي سعى إليه قبل الإفراج عنه في 17 مارس الماضي.
في زنازين الاحتلال الصهيوني يوجد الآن أمثالٌ وأمثال للعيساوي الذي يصارع الموت، يقول الشراونة:" إنّ إضرابهم عن الطعام يعني جوع وحرمان وعطش وألم، بل يمكن القول إن كل الأمراض تحل في أجسادهم".
يتغاضون عن النظر إلى حالتهم الصحيّة، سواءً أحلّ بها مرض في الأمعاء أو المعدة والكلى، مع أنها لن تقتصر على الفترة الزمنية التي تواجدوا خلالها في السجون، إن كتب اللهُ لهم الحريّة، بل ستمتد إلى ما بعد الإفراج عنهم، حتى أن الشراونة لا يزال عاجزاً عن الوقوف على رجله اليسرى.
كما أن العيساوي يتعرض كغيره ممن يرفضون الاحتلال وقوانينه الجائرة بحقهم، فأضربوا عن الطعام، إلى عقاب نفسي أشبه بالحرب، يتخذ أشكالاً عدة أحدها أسوأ من الآخر، فليس الزج في العزل الانفرادي أفضل من منع زيارات الأهل، ولا منع المحامين من الدفاع عنه بأحسن من حجب الحقائق عن العالم للاستفراد به.
لقد كان للعيساوي في كلّ مَن تحمّل صنوف العذاب في سبيل حريّته، أسوةٌ حسنة؛ يقول الشراونة، ثم يتحدّث عن اختلاف دوافع الإضراب عن الطعام لدى الأسرى تحت مظلة الهدف الكبير بالحصول على الحرية:" فمثلاً العيساوي أُفرج عنه في صفقة تبادل الأسرى بين الاحتلال وفصائل المقاومة سنة 2011 إلا أن الأول عاد لاعتقاله".
ولم تكتف إدارة السجون بذلك، فما زالت تُوجّه له تهمة ليست بتهمة، فكيف يكون دخول العيساوي لأراضي الضفة المحتلة -وتحديداً إلى البيرة- تهمةً، أوليس هذه الأرض كلها أرضه يتنقل فيها كيفما شاء؟
"سيناريوهات" الإضراب
لكن ثمة فرق لابدَّ من التمعن فيه بين الإضراب الفردي والجماعي عن الطعام حتى يُثمر الجهد، فنسبة نجاح الأول "ضعيفة جداً" بل إنه لا يروق للشراونة، موضحًا بالقول:"خضت معركة فردية بالإضراب عن الطعام مع أني ضد فكرة الإضراب المنفرد، فهو لن يأت بنتيجة مرجوة وعلى العكس ستستفرد بك إدارة السجون".
ثم يتابع: "أي أسير يضرب الآن عن الطعام بشكل منفرد لابد أن يتعدى السقف الزمني الذي وصل إليه العيساوي لأن إدارة السجون لن تتنازل على طبق من فضة وتحقق مطالبهم، وليست كل الأجسام والنفسيّات تستطيع تحمّل الإضراب المنفرد".
أمّا الإضراب الجماعي عن الطعام، وفق اعتقاده، فالنصر فيه "مؤكد"؛ لأنّ إدارة السجون لن تستطيع مثلاً ترحيل جميع الأسرى إلى المستشفيات، فهذا خيار صائب وسيحقق الأهداف المرجوة في الحرية وفك القيد.
لكن الشراونة يرى مع ذلك أن الإضراب المنفرد الذي يخوضه بعض الأسرى كالعيساوي في سجون الاحتلال، والذي التحق بإضرابه حوالي 20 أسيراً احتجاجاً على استشهاد الأسير ميسرة أبو حمدية في 2 من الشهر الجاري، ربما يكون مقدمة لإضراب "نخبوي".
وذلك الإضراب "النخبوي" بعينه كان مُخططاً له منذ العام 2009-2010، لكن شاءت الأقدار أن يؤجل، ومن المتوقع أن ينفذ الأسرى في سجون الاحتلال هذا الخيار في 17 من الشهر الجاري، الذي يصادف يوم الأسير الفلسطيني.
ويجدرُ لفت الانتباه إلى أن العيساوي رفض في ذات اليوم الذي وافق فيه الشراونة على الإبعاد، بحسب ما يقول الأخير، قراراً بالإفراج عنه مقابل الإبعاد إلى خارج القدس المحتلة.. أي خارج مسقط رأسه، وبعيداً عن هوائها، وفي كل الحالات فكان ذلك "انتصاراً" فرضه بعزيمته.
ودخلت الحالة الصحية للعيساوي مراحل خطيرة دفعت وزير الأسرى في حكومة رام الله عيسى قراقع إلى القول:" قد نفقد العيساوي في أي لحظة"، ما يعني أن مصير هذا الأسير الذي تشرّف التاريخ بدخوله إليه من أوسع أبوابه ببسالته، قد يكون الاستشهاد.. ولا يمكن تسمية هذا إلا انتصار بلا منازع.
أمّا الحالة الثانية التي يتمناها كل فلسطيني وعربي وحر حول العالم، هي أن يُفرج الاحتلال عنه مُرغماً، وسيكون هذا أيضاً انتصاراً بلا منازع بعد سنواتٍ من الإضراب عن الطعام، ودفعه لثمن الحريّة وحده.. حين كان العالم من الرفاهية في نهاية.
وبين الإضراب الجمعي، والآخر المنفرد، تبقى قرارات الأسرى عنواناً للتضحية، وأسطراً بحروف من العزيمة في التاريخ، ويبقى أيضاً مصير العيساوي الذي لا يتناول سوى الماء، معلقاً بين الحياة خارج السجون، أو الفوز بالشهادة والحياة في قلوب الفلسطينيين مادام في أحدهم قلب ينبض.