القائد الميداني/ أيسر عبد الرحيم طه الحلبي
صاحب الهمة العالية
القسام - خاص:
هم جنودُ اللهِ في ساحات الكرامة، هم المعاول التي تحفرُ جسورَ النصر والتحرير، همُ الأقدر والأجدر على مواصلة طريق الجهاد، وحتى بعد استشهادهم، فدماؤهم وقودٌ يسيّر سفينة الجهادِ في سبيل الله، فطوبى لكم أيها الشهداء الأطهار.
رجال وهم في كلِّ مكانٍ قلائل إلا في فلسطين، فأرض تنجب أمثال "أيسر الحلبي" يدعو الله صباح مساء أن يكون أول الشهداء، لا يمكن أن يقل فيها الرجال أو يندرون.
ميلاد البطل
كانت غزة بتاريخ 9/3/1973م على موعد مع ميلاد طفل جديد لا يعرف الخضوع أو الخذلان، إنما يعرف العزة والإقدام، إنه الشهيد القسامي "أيسر عبد الرحيم الحلبي" والذي نشأ وترعرع في مخيم الشاطئ بأحضان عائلة متدينة، ويتربى على حب وطنه ودينه ومعاني الرجولة والشجاعة.
كان أيسر نسمةً تصافح قلوب من يختلطون به، فقد كان شديد الحب لأهله وأصدقائه وإخوانه، مخلصاً لهم لا يبخل عليهم بكل ما تجود به النفس، يشاركهم في أفراحهم وأحزانهم ومناسباتهم كلها، مما أكسبه حبَّهم وتقديرهم، فكان يستثمر ذلك الحب والتقدير في دعوتهم لدين الله تعالى ولما فيه صلاحهم.
وفي الحي الذي عاش فيه، عرف أيسر – رحمه الله-بحسن أدبه وعلو أخلاقه وجمال صفاته وسماته، وتميز بعلاقاته الممتازة مع جميع أهل الحي الذين كانوا يكنون له الكثير من الحب والود والاحترام، فقد كان يقدم يد المساعدة والعون لكل من يحتاج لها دون أن يطلب منه، وكان يمشي بين أهل الحي بكل حب وخير وصلاح، ينهاهم عن فعل المنكر، ويحثهم على الخير والرشاد وطاعة الله عز وجل.
بدأ الشهيد القسامي مرحلة دراسته الابتدائية في مدرسة الشاطئ، ومن ثم أكمل دراسته الإعدادية في مدرسة الرمال، ثم المرحلة الثانوية في مدرسة فلسطين، ليلتحق بعدها في معهد قلنديا بالضفة الغربية ويحصل على درجة دبلوم في الرسم المعماري.
عمل شهيدنا رحمه الله في وزارة التربية والتعليم، فكان كالطائر المحلق في كل الميادين، فما ترك ميدان علم ودعوة وجهاد وإلا ووطأته قدماه.
التزامه الدعوي
كان أيسر رحمه الله من الذين بكّروا في التزامِهم بالمسجد، فمنذُ أن كان طفلاً وهو في مسجدِه "الشيخ أحمد ياسين" على موائدِ القرآن الكريم، يتعلم ويحفظ ويزداد نوراً بنور القرآن.
تحوَّل شغفه بالمسجد إلى التزام حديدي عندما كَبُر، فشارك شهيدنا أيسر -رحمه الله-إخوانه في المسجد في جميع نشاطاتهم، وتلقى على يد دعاةِ ومشايخِ الحركة الدروسَ والدورات الدينية والدعوية إلى أن أصبح واحداً من أبناء جماعة الإخوان المسلمين فاستحقَّ أن يكون مثالاً للشاب الملتزم بحركته والمنتمي إليها قلباً وقالباً وقولاً وفعلاً.
كان أيسر حريصاً كل الحرص على دعوة الناس وخصوصاً أهل حيه وجيرانه إلى الالتزام بطاعة الله عز وجل والصلاة في المساجد، يحثهم على الخير ويرشدهم إلى البر والصلاح، وينهاهم عن المنكر والشر، كما تميز بدوره الاجتماعي الفعال والمميز في المسجد، فكان يزور الأسر الفقيرة والمحتاجة، وكان مميزاً بعلاقته الاجتماعية القوية مع أهالي الحي.
حياته الجهادية
لم يكتف الفتى التقي الورع بنشاطاته الدعوية في إطار مسجده ومنطقته، بل سعى رغم حداثة سنه لأداء فريضة الجهاد، وحمل البندقية دفاعاً عن الدين والوطن، فعمل جاهداً على الالتحاق بكتائب الشهيد عز الدين القسام.
انضم أيسر إلى صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في بداية عام 2000 من باب حبه للجهاد والاستشهاد في سبيل الله، ورغبته الشديدة في الدفاع عن أرض فلسطين من دنس المحتل، وكانت بدايته مشرقة في صفوف الكتائب، وكان محافظاً على موعد رباطه على الثغور، وقد اتسم بالسرية والنشاط في جميع المهام والدورات العسكرية.
حرص أيسر على السمع والطاعة لأمرائه، وعلى التسابق إلى الجهاد والإعداد في سبيل الله، حيث كان من الجنود المميزين والمتفانين في سبيل الله، وكان شهيدنا يسعى دائما لنيل الشهادة في سبيل الله.
مرَّ الشهيد البطل في عمله الجهادي بالعديد من المراحل، حتى وصل إلى قائد فصيل، وقد شارك في العديد من التخصصات والقدرات العسكرية، فبجانب رباطه في سبيل الله، انضم المجاهد إلى وحدة حفر الأنفاق القسامية، فكان يغيب عن الشمس لوقتٍ طويل، من أجل يحفر ممراتٍ نحو العزة والكرامة، ويدك المجاهدون حصون الأعداء.
عرف أيسر بين اخوانه بحسن الأخلاق مقداماً، لم يكن كثير الكلام، بل كان يتحدث فيما يخص العمل، كان ملتزماً بما يوكل إليه من مهام صعبة، مطيعا ولم يتوان عن ذلك أي لحظة، ولم يتأخر عن أداء مهامه.
ومن صفاته الجهادية أيضاً التي كان يتمتع بها أنه كان عسكرياً شجاعاً واسع الصدر، يحب الإخوان دائماً بذكرهم بالله عز وجل ويحثهم على الصبر والثبات عند اللقاء.
موعد الشهادة
كان الدعاء بأن يرزقه الله الشهادة حاضراً دائماً على لسانه، وكأنه على يقين أنَّ المرء إذا "صدق الله" سيصدقه الله.
فبعد رحلة جهادية طويلة صعدت روحه الطَاهرة إِلى رَبها شاهدةً عَلى ثَباته وصبره واحتِسابه، فما وهن ولا استكان، ولم يعرف للراحة طعم، ليلحق على عجل مبتسماً مرحاً سعيداً بركب الشهداء.
كان أيسر على موعد الفراق لهذه الدنيا الزائلة والانتقال لجنة الخلود والبقاء شهيداً –بإذن الله تعالى-يوم الأربعاء الموافق 19/5/2021م إثر قصف صهيوني خلال معركة سيف القدس.
ارتقى أيسر، وسطر بدمائه أروع ملاحم البطولة والفداء، ورسم ملامح العزة والكرامة وأصالة رجال القسام، الذين حملوا رسالة أنّ الأرض فداها الروح وكل ما نملك لأجل تحريرها، رحمك الله يا أبا أشرف وتقبلك شهيداً مجاهداً مع النبيين والصديقين والشهداء، وصبّر من بعدك أهلك وإخوانك ورفاق دربك وكل محبيك، وأكرمهم بشفاعتك وأظلهم معك بظله يوم لا ظل إلا ظله.