منذ أن بدأت لجنة فينوغراد الحكومية التي شكلت في إسرائيل لبحث إخفاقات الجيش والحكومة في إدارة الحرب الأخيرة ضد لبنان والجيش الإسرائيلي يعيش أزمات متلاحقة تجلت آثارها في استقالة…
منذ أن بدأت لجنة "فينوغراد" الحكومية التي شكلت في إسرائيل لبحث إخفاقات الجيش والحكومة في إدارة الحرب الأخيرة ضد لبنان، والجيش الإسرائيلي يعيش أزمات متلاحقة، تجلت آثارها في استقالة رئيسة هيئة أركانه وإعفاء عدد من جنرالاته، وأخذت مراكز الأبحاث والخبراء العسكريين الاستراتيجيين يشخصون طبيعة الأزمة التي يعيشها "الجيش الذي لا يقهر"، ليس من النواحي اللوجستية البحتة، أو نقص الإمدادات فقط، وإنما فيما يكن أن يسمى "النظرية العسكرية" التي يسير وفقها الجيش.
وهكذا فإن الحرب الأخيرة التي ما زالت تجري فصولها بين الجيش الإسرائيلي وقوى المقاومة الفلسطينية، وتلك المواجهة التي جرت ضد حزب الله، أعادت السؤال القديم الجديد الذي طالما طرحه خبراء العسكرتارية، حول ماهية الجيش الإسرائيلي، والمهام التي بانتظاره، وأين أخفق وأين أصاب، ولماذا، وما هي نقاط الضعف التي أصابته، وتسببت له بإخفاقات داخلية على مستوى التأهيل اللوجستني لأفراده، أو إخفاقات خارجية تتعلق بمواجهات كشفت عن ضعف أدائه مع خصومه الذين بدأوا "يطمعون" في الانقضاض عليه.
غياب أنموذج جيش الشعب
الإخفاقات التي أصابت الجيش الإسرائيلي ليست وليدة اللحظة، بل إنها تعود إلى عقود طويلة، يرتأي المؤرخون العسكريون الإسرائيليون إعادتها تحديدا إلى حرب أكتوبر 1973، المسماة إسرائيليا "حرب يوم الغفران"، حيث خابت آمال الجنرالات الأوائل للجيش حين افتقدوا نموذج "جيش الشعب" الذي قام بصياغة أسسه الأولى أول رئيس للحكومة ووزير الدفاع "ديفيد بن غوريون"، حيث طالب بتحقيق شعار شعب مقاتل طلائعي، بمعنى أن الشعب كله منخرط في الجيش على غرار النمط السويسري، إلى جانب الخدمة العسكرية الكاملة، ومهمات اعتبرها "وطنية" تحتل المقام الأول إلى جانب الاستيطان، التعليم، وتحقيق نموذج "الإسرائيلي" الجديد.
وبإمكان المراقب لمجريات الحراك الحاصل في الجيش الإسرائيلي أن يرى غياب هذا النموذج من خلال عدة شواهد واضحة وماثلة للعيان، أهمها
1- تراجع فترة الخدمة العسكرية لفترة طويلة من الزمن، تكونت الخدمة العسكرية أو الأمنية الملزمة لمدة سنتين السنة الأولى وفيها قليل من التأهيل العسكري، والسنة الثانية خدمة عسكرية كاملة، بعد ذلك يتوجه "الإسرائيلي" إلى بيته، ليكون هناك جنديا في إجازة تمتد لمدة أحد عشر شهرا، ويحافظ على كفاءته العسكرية، ويكون مستعدا للانخراط في صفوف الجيش مستقبلا، بمعنى أن يكون في الاحتياط حتى سن الـ49 عاما.
2- الاهتمام بالدعم اللوجستي دون تغيير الذهنية اعتاد الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الماضية، بعد أي مواجهة عسكرية يخوضها داخل فلسطين أو خارجها، على إمداد وحداته وفرقه بالمعدات اللازمة، وآخر ما تفتقت عنه قريحة الصناعات العسكرية، من خلال تكبير المواقع العسكرية، سواء القوة البشرية أو قوة التسلح، وإقامة المزيد من الكتائب العسكرية، وجمع كميات كبيرة من الأسلحة، معظمها من إنتاج أمريكي، وجزء منه تصنيع محلي، بحيث نجح الجيش في الاستثمار بكل شيء تقريبا.
وفي الوقت الذي حرص فيه الجيش على جمع كل الإمكانيات التكنولوجية التي لا تستخدم في غالبيتها، وتحصيل كل الوسائل القتالية التي سرعان ما تصبح قديمة، مما يولد في النهاية شعورا خطيرا في أوساط القادة والضباط الميدانيين بعدم الثقة، فإن تلك الاستثمارات والتطوير العسكري تستهلك حيزا هاما من الموازنة المالية وصلت إلى ذروتها بنسبة 30% من إجمالي الموازنة المحلية، وفي ذات الوقت فإن ذلك الدعم اللوجستي لم يرافقه أي تجديد لأفكار ملائمة!!
3-عدم التكيف مع المتغيرات المحلية والدولية حدثت متغيرات عالمية ذات تأثيرات كبيرة، دوليا جاء على رأسها تفتت الاتحاد السوفيتي، وتربعت الولايات المتحدة على عرش الكرة الأرضية بلا منازع، بعد انتهاء الحرب الباردة، وإقليميا تغير وجه المنطقة العربية منذ أوائل الثمانينات، حيث عقد اتفاق سلام بين إسرائيل ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وسوريا لم تعد تعتمد على دعم سوفيتي يوازي الغطاء الأمريكي لإسرائيل، وخرجت إيران والعراق من حرب دموية طويلة الأمد منهكتان، إلى أن انتهى نظام صدام حسين.
ورغم كل هذا التغير الجيو-سياسي، فلم يرافقه إسرائيليا تغيير في الذهنية المقابلة، سواء في جهاز اتخاذ القرارات، أو لدى الجيش الإسرائيلي ذاته، فالسيناريو الذي شكل كابوسا مستمرا لدى إسرائيل تمثل في هجوم عربي منسق، بقوات تقليدية كبيرة على حدود الدولة، وجاءت مقاومتا حماس في الداخل، وحزب الله في الخارج، لتأتي لإسرائيل بكابوس من نوع جديد!
وأكبر دليل على عدم مجاراة تلك التغيرات، الوصف الذي أطلقه الخبير العسكري "عوفر شيلح" حين قال أن حرب أكتوبر 1973 اعتبرت حربا قديمة بسلاح قديم، وجاءت حرب الخليج 1991 لتعتبر حربا قديمة بسلاح جديد، فيما اعتبرت حرب العراق 2003 حربا جديدة بسلاح جديد، والسؤال المطروح على واضعي النظريات العسكرية الإسرائيلية ماذا نطلق على الحرب الدائرة مع حماس وحزب الله؟
إلى حد كبير، تشبه الحرب التي خاضها الجيش الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية وجنوب لبنان، ذات الحرب التي خاضها الجيش الأمريكي في فيتنام، فقد قال الأمريكان عنها لم نحارب هناك ثلاث عشرة سنة، وإنما حاربنا هناك فقط سنة واحدة، مضاعفة إلى ثلاث عشرة مرة!
الجيش..تلك البقرة المقدسة!
جرت العادة لدى جميع دول العالم، أنه في الوقت الذي يتسبب فيه الجيش بإحراج الدولة من خلال إخفاق عسكري، فإن عملية التغيير التي لا بد ان يمر بها الجيش، تحتم الحاجة إلى إشراك الجمهور العام فيها عبر نقاش شعبي مفتوح، وبمشاركة كبيرة من البرلمان، والأكاديميين، ووسائل الإعلام، إلا في إسرائيل، حيث الكنيست عاجزة، والطبقة الأكاديمية الأمنية ضعيفة، ووسائل الإعلام تجد صعوبة في التعاطي مع الجيش، وتتعاطى مع الشعبية الجارفة له.
ولذلك حاول بعض الإسرائيليين من الخارجين على هذه القاعدة أن يطرحوا عدة أسئلة محرجة بعد تلك المواجهة "الخرقاء" هل أن جيش الدفاع الإسرائيلي متيقظ لحرب جديدة، ولتهديد حقيقي؟ وإلى أين تمكن من تكييف نفسه مع التغيرات الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية، التي حلت بالدولة؟ ثم ألم يحن الوقت بعد لأن يغير الجيش من طبيعة علاقته مع أجهزة الدولة، وموقعه كجهاز للشرطة في المناطق الفلسطينية، وموقعه المقدس في الخيال الإسرائيلي؟ بمعنى آخر هل أن جيش الدفاع الإسرائيلي هو حقا الجيش الذي يجب أن يكون، حتى يتمكن من تحقيق هدفه الحقيق والوحيد وهو الدفاع عن حدود الدولة؟
لعل الدلالة الكبرى على أن التعامل مع الجيش الإسرائيلي يتم انطلاقا من كونه "بقرة مقدسة" لا يجب الاقتراب منها، أن الترتيب الدقيق لقواته العسكرية ما زال أمرا سريا، لكن التقرير السنوي للميزان العسكري الصادر عن المعهد الدولي للأبحاث الاستراتيجية في بريطانيا، قدر حجم الجيش النظامي بـ172 ألف جندي، 107 ألف منهم ممن هم في الخدمة الإلزامية، بمن فيهم الضباط في سنوات الخدمة الأولى، وقدرت قوات الاحتياط بـ425 ألف شخص.
هناك أرقام أخرى لها دلالات هامة في عملية التغيير المرتقبة والمتوقعة، واردة من معطيات مختلفة لأن الجيش كما هو معروف لا ينشر معطيات دقيقة تتعلق بأعداد قواته، ففي عام 2002 وصل نحو 88 ألف يهودي إلى سن التجنيد العسكري، 77% من الشبان، و61% من الشابات جندوا بالفعل في صفوف الجيش، لكن نصف الفتيان الذين لم يجندوا حرروا لانتمائهم إلى المدارس الدينية، فيما حرر الباقون لأسباب طبية ونفسية، وعدم ملاءمتهم للخدمة العسكرية، وغيرها من الأسباب، علما بأن نسبة الشبان غير المجندين آخذة في الازدياد، وقد ارتفع تقريبا إلى النصف من عام 1990 إلى عام 2002، ومن المتوقع أن يصل إلى الربع في صفوف الشباب، وإلى 42% في صفوف الشابات.
أزمة القيادة العسكرية
إن الإخفاقات التي برزت مؤخرا بصورة كبيرة ومعلنة، لها علاقة بالقيادة التي تمسك بزمام الجيش اليوم، ولا شك ان وزير الدفاع الحالي "عمير بيرتس" يشكل أزمة بحد ذاته، سياسيا وعسكريا، ولذلك فإن عودة للوراء ثلاثين عاما حيث العام 1977، تظهر أن عشرة أشخاص تولوا منصب وزير الدفاع في إسرائيل، سبعة منهم كانوا بدرجة عقيد وما فوق، الثلاثة الآخرين مناحيم بيغن، موشيه أرنس، شمعون بيريس، تولوا وزارة الدفاع بعد ان توفي من سبقهم في هذا المنصب أو قتل، حيث كان يعين لهم مساعد بدرجة عقيد وما فوق، إلا في القيادة الحالية.
كما أن سبعة من بين ثمانية لرؤساء هيئة أركان الجيش، ممن عينوا في هذا المنصب منذ عام 1974 كانوا من قادة وحدة المظليين، ثلاثة من الأربعة الأخيرين وهم إيهود باراك، شاؤول موفاز، موشيه يعلون، تبوأوا مراكز حساسة في كتيبة رئاسة الأركان، غالبية قادة هيئة رئاسة الأركان الحالية من وحدة المظليين والقوات المدرعة، ولذلك جاء تعيين "دان حالوتس" من سلاح الجو تغييرا دراماتيكيا في نظام درج عليه الجيش الإسرائيلي منذ تأسيسه! فجاءت المفاجأة الفضيحة في أدائه الحربي الأخير، ومن ثم استقالته!
أخيرا، فإن التراجع الحقيقي لصورة الجيش العصري، تمثل في فشل النظرية التقليدية التي عمل وفقها الجيش الإسرائيلي منذ تأسيسه، وهي تقديس مبدأ الهجوم، ذلك أن قيادة الجيش وكراساته الداخلية أصرت دائما على قاعدة تمرير الهجوم إلى أرض "العدو"، انطلاقا من أن إسرائيل بمساحتها المحدودة لا تستطيع خوض حرب على الأرض التي تحتلها في فلسطين، وبقي هذا الشعور ملازما للجيش حتى بعد حرب حزيران 1967، بعد ان استولت على مساحات جغرافية جديدة، ولذلك رأينا الجيش الإسرائيلي يفضل الهجوم، وليس الدفاع، حيث تكمن فيه إمكانية القوة وتحقيق الانتصار، لكن المواجهتين الأخيرتين مع حماس وحزب الله أثبتتا أن هذه النظرية آن الأوان لأن يعاد النظر فيها، وبالتالي إعادة النظر في ماهية "الجيش العصري" كله الذي درجت إسرائيل إطلاقه على جيشها الاحتلالي.