مسار علاقة روسيا بحركة حماس..بعد عام

مسار علاقة روسيا بحركة حماس..بعد عام

د.عصام عدوان
2007-03-04

تحت هذا العنوان صدرت مقالتي التي نشرتها جريدة الرسالة بتاريخ م واليوم وبعد عام من الخناق المفروض على حركة حماس وحكومتها والشعب الفلسطيني بغرض ثنيها عن ثوابتها أو عزلها فلم يفلح…

تحت هذا العنوان صدرت مقالتي التي نشرتها جريدة الرسالة بتاريخ 23/2/2006م، واليوم، وبعد عام من الخناق المفروض على حركة حماس وحكومتها والشعب الفلسطيني بغرض ثنيها عن ثوابتها أو عزلها، فلم يفلح عزلها، ولكن تم دفعها إلى تلطيف مواقفها من خلال إعلان احترامها لقرارات الشرعية الدولية والاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير مع الكيان الصهيوني، بما فتح شهية المجتمع الدولي لممارسة أدوار أخرى، تقوم روسيا فيها بدور الصديق الناصح، أملاً في الوصول إلى مستوى أفضل للخطاب الأيديولوجي والسياسي لحركة حماس. فهل يفلحون؟

التاريخ لا يعيد نفسه. لكن النَفْس البشرية التي فطرها الله، جُبلت على صفات مشتركة، فهي تتصرف في المواقف المتشابهة بذات الطريقة رغم اختلاف الوسائل والأدوات، مما يوحي بأن التاريخ يعيد نفسه. إلا أن النَفْس البشرية المنقادة لله تتحكّم في فطرتها امتثالاً لأوامر الله ورسوله لذلك فهي تأخذ العبرة من أخطاء الآخرين فلا تكررها، وهو ما يضعنا أمام صنفٍ آخر من هذه النَفْس، هو النَفْس المؤمنة، وهي أيضاً تكرر تصرفات النَفْس المؤمنة عبر التاريخ، ولذلك وجدنا تجارب الفساد والانحلال في الأمم الغابرة تتكرر، كما وجدنا تجارب الصلاح والرشاد في الدول الإسلامية الغابرة تتكرر .

إن هذه المقدمة ضرورية لفهم سلوك البشر، أفراداً وجماعات، تنظيمات ودول. فقد خاضت حركة فتح تجربة طويلة مع الاتحاد السوفييتي سابقاً أوصلتها إلى الانحراف عن أهم مبادئها؛ وهو تحرير كامل فلسطين وتدمير الكيان الصهيوني. فهل تتكرر التجربة اليوم بين روسيا وحركة حماس؟!

إن الإجابة على هذا السؤال المهم، تقودنا للإطلالة على تجربة فتح في هذا الصدد. فبعد أن حازت فتح على معظم مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الرابعة في يونيو 1968م، من خلال اتفاق الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية على حصة كل فصيل في المجلس فيما سُمي بنظام "الكوتة"، حصلت فيها قائمة فتح على 38 مقعداً من أصل مائة مقعد، وحصدت من بين المستقلين والاتحادات الشعبية على أقل من ذلك بقليل، فغدت فتح هي الفصيل الثوري الفلسطيني الذي سيمسك بزمام منظمة التحرير الفلسطينية، فقرر جمال عبد الناصر اصطحاب ياسر عرفات (الناطق الرسمي باسم فتح آنذاك) في زيارة إلى موسكو في يوليو 1968م.

وفي أعقاب تلك الزيارة أخذ الإعلام السوفيتي يكرر عبارات إيجابية تجاه المقاومة الفلسطينية، وخاصة فتح، وأشار إليهم باعتبارهم "أنصارنا الفلسطينيين"، وسمح السوفيات لدول شرقية بتزويد فتح بالسلاح، وخصوصاً أن الصين سبقته إلى ذلك، لكنه في الوقت نفسه مارَسَ معهم "لعبة" شدّ الحبل، فقد أفسح المجال للإعلام السوفيتي لإعلاء شأن المقاومة الفلسطينية التي تقودها فتح، وأمدهم من وراء ظهْر بالسلاح قبل أن يعلن ذلك في سنوات لاحقة، ثم تمنّع في الاعتراف بقانونية المقاومة الفلسطينية، لكنه سمح للأحزاب الشيوعية في العالم أن تعترف بها وتتعاون معها منذ أن قبلت فتح انضمام عناصر تنظيم الأنصار الفدائي الشيوعي في الأردن إليها في عام 1971م. ولم يفتأ القادة السوفيات في كل زيارة لعرفات أو وفد منظمة التحرير أن يؤكد وقوفه إلى جانب شرعية النضال الفلسطيني لاسترداد الأرض المسلوبة عام 1967م، بينما رفضوا أي توجهات لإنهاء الوجود الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية على أنقاضها، كما أكدوا مراراً رفضهم لاستخدام السلاح ضد "المدنيين" وشجعوا الصراع الطبقي، كما وافقوا على الكفاح المسلح ضد جيش الاحتلال.

لقد دفع الاتحاد السوفيتي قادة فتح نحو انتهاج أسلوب المفاوضات والقبول بالقرار 242 كحل للقضية الفلسطينية. وقد شعر قادة منظمة التحرير الفلسطينية بنشوة الإكبار، وبالانبهار وهم يجالسون قادة أكبر دول العالم ويحاورونهم وجهاً لوجه، وقد جعلهم ذلك حريصين على الإبقاء على رضا السوفيات، وكسب تأييده المادي والمعنوي. وقد انعكس هذا الحرص سلباً على القضية الفلسطينية وعلى مبادئ فتح وعلى العمليات العسكرية الخارجية، والكفاح المسلح عموماً، وأبدى أبو عمار في عام 1975م استعداده لتقديم أي مساعدة للسوفيات كنوع من مبادلة المصالح. وطالبهم السوفيات بإبداء مرونة تجاه مؤتمر دولي للسلام يُسْفر عن دولة فلسطينية في أراضي عام 1967م. وقبِلَت فتح ومنظمة التحرير البيان السوفيتي الأمريكي في مطلع أكتوبر 1977م المستند أساساً إلى قرار 242. ولقد أظهر ت محاضر لقاءات ياسر عرفات مع أندريه غروميكو وقادة السوفيات في عام 1979م أنهم كانوا يضغطون على المنظمة لتعيد النظر في موقفها من قرار 242.

لقد كان المقابل الذي حصلت عليه منظمة التحرير هو افتتاح مكتب لمنظمة التحرير في موسكو عام 1976م تم منحه صفة سفارة في عام 1981م، واستمرار الزيارات المتبادلة بين الطرفين، واستمرار الدعم العسكري والإعلامي والدبلوماسي، ودعم قبول المنظمة عضواً مراقباً في هيئة الأمم عام 1974م ، لكنه أيضاً، لم يدافع عن فتح ومنظمة التحرير عندما تعرضت للضربات الإسرائيلية في عام 1978م، أو 1981م، أو حتى عام 1982م، ولم يكن له أثر في معالجة الأزمة داخل فتح التي أدت للانشقاق، المبني أساساً على اليسار الفلسطيني الحليف للسوفيات. وباختصار، كان الجري وراء الاتحاد السوفيتي، جرياً وراء سراب.

إن هذه التجربة تضعنا أمام افتراض تكرارها مع حركة حماس، والتكرار يقتضي تشابه النفوس في كلا التجربتين، وفي الطرفين الروسي والفلسطيني. ورغم أن روسيا اليوم ليست هي الاتحاد السوفيتي، إلا أن القواسم المشتركة بينهما كثيرة، ويكفي من زاوية مهمة بالنسبة لنا كفلسطينيين أن يكون التشابه بينهما في انطلاقهما في حل القضية الفلسطينية من قرار 242، والاعتراف بإسرائيل على أراضي عام 1948م، وانتهاجهما المفاوضات طريقاً وحيداً لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، ودعمهما لدولة فلسطينية على أراضي عام 1967م تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل. فمن هذه الزاوية لم تختلف روسيا عن الاتحاد السوفيتي، وبالتالي فسلوكها السياسي سيتكرر مع حركة حماس وكل من يقود الشعب الفلسطيني، وقد أثبتت السنوات العشر الماضية توجهات روسيا هذه.

أما حركة حماس، فإنها ليست حركة علمانية تضم في جنباتها الكثير من اليساريين كما كانت حركة فتح، كما أنها لا تشبهها في براغماتيتها أو ليبراليتها، إنما لديها منطلقات فكرية عقائدية مصدرها الدين الإسلامي، وهو ما يلزمها بالتقيُّد بأحكام الشريعة الإسلامية، التي تجيز لها نسج علاقات وتحالفات واسعة النطاق إلا أن تكون هذه العلاقات والتحالفات على حساب الدين أو كل ما يرعاه الدين ، كالوطن والشعب والمقدسات. وعليه، فليس من المحتمل أن تكرِّر حماس تجربة فتح في شكل ومحتوى العلاقة مع روسيا إلا بالقدر الذي تتخلى فيه حماس عن منطلقاتها العقائدية ومرجعيتها الشرعية. وهذا التخلي تقع أعباؤه على عاتق النَفْس البشرية الأمّارة بالسوء، وعلى عاتق الشيطان الذي يُزَيِّن لها كل منكر، فإن الانفتاح على دول عظمى ومجالسة الحكام ومسامرة الوفود الديبلوماسية وغيرها، و"الحاجة" أحياناً لحضور الحفلات والمهرجانات، وموائد الطعام الملغومة بالخمور وما حرّم الله، وتعوُّد ركوب الطائرات والإقامة في أجنحة فندقية فارهة، وغير ذلك من ترف الدنيا، قد يؤدي إلى فتور الهمم وتَلَمُّس الأعذار، ومن ثمَّ تكرار تجارب الفشل، واستحقاق غضب الرب{قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة 24) أو كما حذّر رسول الله r بقوله{ فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم} (البخاري ر 2988) وفي رواية { وتهلككم كما أهلكتهم} ( البخاري 3781، 6061، ومسلم 2961 واللفظ للبخاري)

وخلاصة الأمر أن روسيا ستبدأ مع حماس لعبة شدّ الحبل، وتقدِّم لحماس ما تظن أنه سيجعلها تعيد حساباتها وتحرص لأجله على الحصول على رضا روسيا، ومن ورائها الاتحاد الأوروبي، وأيضاً أمريكا.ليس الأمر مثاراً للاكتشافات، فبضاعة هذا العالم الذي زرع الاستعمار الصهيوني في أرضنا ودَعَمَه وتبنّاه، مفضوحة، ولا تنطلي على جاهل. ولكن الثبات على المبادئ ووضوح الحجة، وحُسْن العَرْض، وسُمُوّ النَفْس، وهَيْبَة المؤمن، وحنكة نسج المصالح بلا نفاق أو كذب، تجعل العالم يحترمنا ويحترم حماس رغم أنه لن يعطينا شيئاً من أهدافنا السياسية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026