تصاعدت خلال الأيام القليلة الماضية حدة التهديدات الصهيونية بشن عملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة وتمثلت هذه التهديدات في التصريحات المتوالية التي يطلقها إرهابيو الكيان الصهيوني…
تصاعدت خلال الأيام القليلة الماضية حدة التهديدات الصهيونية بشن عملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة، وتمثلت هذه التهديدات في التصريحات المتوالية التي يطلقها إرهابيو الكيان الصهيوني بدءا من بيرتس وليس انتهاء بأشكنازي بشن هذه العملية تحت دواعي وذرائع واهية ومكشوفة، فتارة تحت دعاوى
- ضرورة قطع الطريق على المقاومة وخصوصا حماس التي نجحت حسب المزاعم الصهيونية في حفر ما لا يقل عن عشرة أنفاق من قطاع غزة باتجاه الخط الأخضر سواء بهدف التسلل إلى داخل الخط الأخضر بهدف تنفيذ عمليات نوعية، وإما بغرض النفاذ إلى ساحة الضفة الغربية بغرض تفعيلها وتعزيز المقاومة فيها، وإما بهدف تفخيخ وتفجير مواقع صهيونية محاذية للقطاع.
-وتارة تحت ذريعة الكذبة الكبرى بتعاظم قوة حماس في القطاع وتعاظم تسليحها عبر تهريب السلاح في الأنفاق على الحدود المصرية الفلسطينية، وذلك رغم أن عددا من قادة جيش العدو اثنوا قبل أكثر من شهر على قدرة الجيش المصري في ضبط الحدود ومنع عمليات التهريب.
-وتارة تحت زعم أن حماس تعمل على إنشاء جيش نظامي في قطاع غزة على غرار قوات حزب الله في الجنوب اللبناني.
وقد يعزز مصداقية التهديدات الصهيونية ضد قطاع غزة ما سربته قوات الاحتلال قبل يومين من إجراءات في مدينة سديروت، حيث نقلت الصحف العبرية أن جيش الاحتلال اصدر أمرا لأولياء أمور طلاب المدارس في سديروت بتزويدهم بحقائب مزودة بأطعمة لا تتلف وبإسعافات أولية وبالمياه وإيداعها في هذه المدارس وفي رياض الأطفال لتكون جاهزة للنزول بها إلى الملاجئ إذا ما حانت ساعة الصفر، ما أثار مخاوف سكان سديروت حسب الصحف العبرية من نية جيش العدو القيام بحملة عسكرية واسعة ضد القطاع قد تقوم المقاومة الفلسطينية على أثرها بإمطار سديروت بالصواريخ.
عندما احتلت إسرائيل قطاع غزة إبان العدوان الثلاثي في العام 1956 وخرجت منه بعد أربع أشهر كتب جنود الاحتلال على مراكزهم قبل الرحيل عبارة" سنعود" وبقيت الإدارات الصهيونية التي أدارت القطاع طوال الأربع أشهر تجتمع دوريا بانتظام في تل أبيب طوال عشرة أعوام استعدادا للعودة إلى القطاع، وقد عاد العدو لاحتلال قطاع غزة بعد عشر سنوات أي في العام 1967، وقد لاحظ الباحثون أن القرار الصهيوني باحتلال القطاع كان دقيقا ومصاغا بعناية وصدر في اليوم الأول لاحتلال القطاع على عكس البيان العسكري الذي صدر عندما احتلت الضفة الغربية حيث كان بيانا قصيرا ومهلهلا وقد صدر بعد أربعة أيام من احتلال الضفة، الأمر الذي يوحي بمدى الاهتمام الصهيوني ودقة مخططاتهم لاحتلال القطاع لما له من حساسية لجهة الحدود والعلاقة مع مصر.
وتجدر الإشارة إلى انه يحسب لمصر أنها حافظت على فلسطينية قطاع غزة وهو القطعة الوحيدة من فلسطين التي حافظت على فلسطينيتها في الوثائق الرسمية حيث أصدرت الإدارة المصرية حتى إبان وجودها في قطاع غزة بطاقات سفر فلسطينية، ولم تحاول مصر ضم قطاع غزة، على عكس ما مارسه النظام الأردني الذي حاول إلحاق الضفة الغربية بالشرقية وإصدار بطاقات سفر أردنية لسكان الضفة.
غير أن محللي الوقائع العسكرية والسياسية يقولون أن العديد من الاحتمالات لا تدعم عودة الاحتلال العسكري للقطاع ولا حتى اجتياح واسع النطاق له، رغم أن قوات الاحتلال كتبت قبيل انسحابها الأخير من القطاع أنهم سيعودون، وذلك للعديد من الأسباب نذكر منه
1- أن الوقائع الميدانية على الأرض وباعتراف قادة العدو تقول أن قطاع غزة يتربع على برميل كبير من البارود ولا تنقصه صواعق التفجير في وجه كل من يضغط عليه.
أي أن قطاع غزة يغص بالسلاح سواء المحلي أو المهرب بما فيه أنواع إستراتيجية مثل الصواريخ المضادة للطائرات التي تدعي قوات الاحتلال أن المقاومة حصلت عليها.
2- أن جيش الاحتلال لم يفق بعد من هول الصدمة والضربة التي وجهتها له المقاومة اللبنانية، فهو جيش وبشهادة العديد من قادة جيش العدو أصبح جيشا مأزوما مهزوما من الداخل مهزوزا نفسيا.
على العكس من ذلك المقاومة الفلسطينية ما زالت تفتخر بقدرتها على إجبار العدو الانسحاب من القطاع، وبقدرتها على توجيه ضربة إستراتيجية له في عملية الوهم المتبدد التي أودت بحياة عدد من جنودها إضافة إلى اختطاف جلعاد شاليط التي لم تفلح الإمبراطورية الأمنية لإسرائيل وعملائها من العثور عليه حتى الآن.
إذا فنحن أمام نفسيتين على طرفي نقيض، احدها مأزوم والآخر ما زال ينتشي، وعدا عن ذلك فإن إسرائيل إذا فقدت صوابها ودخلت القطاع فإنها قد تواجه جيشا من الاستشهاديين الذي اقر رابين وهو في ذروة قوته وطغيانه بعجزه عن مواجهتهم.
3- أن الوقائع السياسية في إسرائيل لا تشجع مثل هذا الاحتمال لما تشهده الساحة السياسية الصهيونية من تشتت وتشرذم سواء على اثر قيام حزب كاديما بتفتيت الحزبين التاريخيين الليكود والعمل، أو لجهة الأزمة الأخلاقية التي تطال رأس الهرم السياسي بدءا من رئيس الدولة ورئيس الوزراء مرورا بوزير العدل المستقيل وليس انتهاء برئيس الأركان ورئيس الشرطة المستقيلين.
4- أن عدواناً إسرائيلياً كبيراً على قطاع غزة قد يربك المخططات الأمريكية في الشرق الأوسط لجهة ترتيبه ورسم خريطة جديدة له على المقاسات الأمريكية والصهيونية، وما التجاذبات الإقليمية سواء مع روسيا أو مع إيران عنا ببعيد.
5- أن ثعالب السياسة الصهيوأمريكية قد يراهنون على نجاحهم في إفقاد حماس في السياسة ما ربحته في الحرب، تماما كما فعلوا مع حزب الله.
ذلك أن حزب الله صحيح انه في الظاهر قد يكون - ببنية عسكرية لا تقارن مع إسرائيل - ربح الجولة العسكرية مع اكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط، إلا أن الوقائع على الأرض تقول انه خسر في السياسة ما ربحه في الحرب، حيث أن الهدف الأمريكي الصهيوني من العدوان على لبنان قد تحقق، وهو إزاحة جنود حزب الله عن الحدود اللبنانية الصهيونية وإبعادهم بالقدر الذي سمح لخصومه في الساحة اللبنانية بشن حملة تشويه وإرباك سياسي أفرغ نصره العسكري من مضمونه.
وهو ما قد يكون ثعالب السياسية الصهيوأمريكية يراهنون عليه، بدفع حماس لتقديم تنازلات سياسية تفرغ نشوتها العسكرية من مضمونها، مستغلة في ذلك مصلحة حماس في التهدئة العسكرية بما يسمح بنجاح حكومة الوحدة الفلسطينية التي تقودها.
وهنا يكمن الامتحان الحقيقي لحماس وقدرتها على الإبداع والموازنة بين المقاومة بما يعززها وبين السياسة التي هي فن الممكن دون تقديم تنازلت حقيقية وبما يحقق المصلحة الفلسطينية المرجوة.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع