قراءة في دوافع

قراءة في دوافع "حماس" لتوقيع اتفاق مكة

م. بدر الدين حمدي مدوخ
2007-02-26

الحمد لله أن وفق الفصيلين الكبيرين على الساحة الفلسطينية لاتفاق يحقن الله به دماء الشعب الفلسطيني عل ذلك يكون بداية لحقبة جديدة تخدم القضية الفلسطينية تحافظ على حقوقه الثابتة…

 

الحمد لله أن وفق الفصيلين الكبيرين على الساحة الفلسطينية لاتفاق يحقن الله به دماء الشعب الفلسطيني علً ذلك يكون بداية لحقبة جديدة تخدم القضية الفلسطينية تحافظ على حقوقه الثابتة المشروعة و على رأسها حق العودة و خلاصه من الاحتلال.

مما لا شك فيه أن هذا الإتفاق خضع للبحث و التحليل من جوانب عديدة، واجتهد الكتاب و النقاد و الباحثون و الساسة في قراءته و محاولة استقراء المستقبل من بين كلماته و سطوره، ونحن هنا سنحاول التخمين في الدواعي التي جعلت حركة حماس توافق على هذا الإتفاق و تلزم نفسها به، وهذا عبارة عن استقراء يحتمل الصواب و الخطأ، أما محاولة معرفة دوافع حركة فتح لتوقيع هذا الإتفاق، فلن أخوض بها الآن، لإدراكي أن قناعاتي لن تروق للكثير، ليس من منطلق عدم واقعيتها، بل من منطلق انتفاء المصلحة في نبش الماضي عنهم.

لقد جاءت حركة حماس إلى السلطة ضمن وعود قطعتها على نفسها أمام الناس، وهذه الوعود نستطيع تقسيمها إلى قسمين رئيسيين وعود بإصلاح شأن الناس و تحسين حياتهم وخاصة من الناحيتين الإقتصادية و الأمنية، ووعود بالحفاظ على ثوابت القضية و عدم التنازل عنها مهما كلف الثمن. ولعل حركة حماس لم تكن قبل فوزها في الإنتخابات تتوقع حجم العراقيل الداخلية و الخارجية التي  ستجابه بها لتعطيل برنامجها و لي ذراعها، وهنا لا بد أن ندرك أن التمسك بالثوابت و الحقوق و الدفاع عنها يحتاج لسند شعبي و مجتمعي وهو ما لا يمكن تحققه بدون إصلاح شأن الشعب و تحسين حياة المواطنين.

لقد حاولت حماس و عبر الحكومة العاشرة التي كونتها أن تحدث تغييراً و إصلاحاً في الحكومة والسلطة و مؤسساتها و في المجتمع لأن ذلك ما انتخبها الناس عليه، مما جعل حركة حماس مضطرة لمواجهة خطرين حقيقيين -لكونها المكونة و الرافدة لهذه الحكومة- و هما إمكانية الفشل في التغيير و الإصلاح،  ثم خطر عدم الحفاظ على الثوابت و الحقوق تحت ضغط حاجات الناس، ومما زاد من إمكانية حدوث الفشل عاملان رئيسان وهما أولاً النقص في الكادر البشري بالنسبة للحكومة و مؤسساتها وخصوصاً باعتقال العدو لما يقارب من أربعين نائباً من قائمة التغيير و الإصلاح وهو ما يعادل ثلث أعضاء المجلس التشريعي بالإضافة إلى ما يقارب ثلث أعضاء الحكومة، ثم ثانياً النقص الحاد في مصادر المال نتيجة لفرض الحصار على الشعب الفلسطيني عقاباً له لانتخاب حماس لتقوده. بالرغم من تيقننا أن المجتمع يدرك حقيقة الأمور لكنه قد لا يصبر على تبعات هذه الحقائق، مما يجعل جميع الإنجازات التي حُققت، مهما كانت، في كفة و الراتب و الأمن الشخصي في الكفة الأخرى!

ومما زاد من احتمالية الفشل في التجربة الأولى لحماس في الحكم، أن البعض من النواب و الوزراء لم يستطيعوا القيام بدورهم المنوط بهم لعوامل عديدة منها أن منهم من أجبر على هذا المنصب، و منهم من بقي على سمته في كسب القلوب و لو على حساب نفسه و شخصه، وهو ما ينبغي عليه أن يكون الداعية، مما ولد عند بعض العامة و الموظفين إنطباعات تقلل من هيبتهم كمسؤولين، ولا بد من القول أن البعض من هؤلاء المسؤولين لم يكن أيضاً بكفاءة المنصب الذي هو قائم عليه. كما أن تغيير أي وزير كان سيخضع لابتزازات سياسية لفقدان كتلة التغيير و الإصلاح لأغلبيتها في المجلس التشريعي نظراً لاعتقال معظمهم من قبل العدو كما أسلفنا.

وزاد من احتمال الفشل أيضاً الإضرابات التي شلت مناطق عديدة و خصوصاً في مجالي الصحة و التعليم و القضاء، و كذلك محاولة البعض في الساحة الداخلية لتوتير الوضع الأمني الداخلي، و المحاولات المستمرة للإنقضاض على السلطة، و التي كانت نتيجتها االأحداث الأخيرة التي سبقت الإتفاق، يضاف إلى ذلك عدم موافقة الرئاسة على العديد من القرارات الخاصة بالتعيينات للمناصب العليا بهدف إصلاح الوزارات ووقف الفساد فيها، بالإضافة لتعطيل القضاء وهذا لوحده كفيل بانهيار دولة، مما عمل على إغلاق الأبواب أمام تقديم المفسدين للقضاء،  و إلى غير ذلك من الأمور.

أما على الصعيد الخارجي فلقد كان واجباً على حماس في تجربتها أن تضع أمام عينها أموراً عديدة، من أهمها أنها الحركة الإسلامية الأولى التي تمسك بزمام الحكم في الوطن العربي بتفويض شعبي حر، أي هي التجربة الإسلامية الأولى في الوطن العربي التي استطاعت أن تحكم، فكان لا بد من عدم التفكير بالفشل، ثم لا بد من التنبه من مكائد التيار العلماني العربي، و الذي يرسل رسائله دائماً للشعوب ليبرهن على دموية حكم الإسلاميين لينفر الناس منهم و يبعدهم عنهم، ونجح في ذلك في الجزائر، و حاول في تركيا و فشل، وظن أنه ينجح في فلسطين، فخاب ظنه.

ثم إن حماس أصبحت أمل الشعوب العربية و الإسلامية المتمثل بالنزاهة و الشفافية و القدرة على تقديم نموذج للعرب في الحكم الرشيد.

مما سبق و غيره يتضح لنا سبب إصرار حماس على الرجوع من مكة ضمن اتفاق تجده هي متوازن بين متطلبات الداخل و الخارج و يحقق لمشروعها فرصة للنجاح، ولعل هذا ما يفسر كثرة عدد أعضاء الوفد في حينه، حيث مثلت حركة حماس بشقيها الداخل و الخارج، و مثلت كذلك الحكومة و الكتلة البرلمانية، ليكون القرار قوياً و قابلاً للتطبيق.

يبدو أنه لم يكن من السهل على أعضاء وفد حماس الجلوس مع نظرائهم من الوفد الآخر، لسبب بسيط وهو أن الجلوس مع من يكيد لك و يسعى ليل نهار لإفشالك ليس بالأمر السهل، ناهيك عن محاولة قتلك و اجتثاثك و إفشال مشروعك، إلا أن وضوح الأهداف و محاولة الوصول إليها بما يخدم المصلحة العامة كانت هي الغالبة على العقلية التفاوضية لدى طرف حركة حماس و الحكومة و كتلة التغيير و الإصلاح البرلمانية. ويبدو أن من هذه الأهداف

1-      العمل الجاد لتحقيق برنامج كتلة التغيير و الإصلاح التي تم على أساسه انتخاب الناس لها، و الذي من عناصره الواضحة، تعزيز الوحدة الوطنية و محاربة الفساد و حماية مشروع المقاومة " يد تبني و يدُ تقاوم"

2-      رمي الكرة في ملعب الآخرين عربياً و دولياً و حتى محلياً، ورفع كاهل الضغوطات عن الحركة و الحكومة وإظهار المعوق الرئيس الذي يقف ضد فك الحصار عن الحكومة، ليعلمه الشعب الفلسطيني و كذلك الشعوب العربية و الإسلامية.

3-      تثبيت حركة حماس كرقم صعب و أساسي في المعادلة الإقليمية و كذلك الدولية مما يخدم القضية الفلسطينية و إرجاع البعد العربي و الإسلامي لها.

4-      العمل على مساعدة حركة فتح و المنظمة من الخروج من دائرة التأثير الأمريكي و الأوروبي و حتى النظام الرسمي العربي، مما يحقق استقلالية أكثر في القرار الفلسطيني، ويساهم أكثر في كسر الهوة بين البرامج المختلفة على الساحة الفلسطينية.

5-      مساعدة حركة فتح لتأخذ وقتاً مريحاً و هادئاً لمراجعة برامجها و أولوياتها و الرجوع لجذورها، لأن ضعفها و قوتها يؤثر سلباً أو إيجاباً على المشروع الوطني الفلسطيني، حيث جميع القوى على الساحة الفلسطينية مهمة و أكيدة في طريق التحرير و إرجاع الحقوق.

6-      إجبار العالم على قبول حركة حماس برغم عدم تنازلها عن مبادئها، مما ينذر بقرب فشل المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة و هو ما يعني قرب نجاح المشروح الإسلامي.

7-      المحافظة على وجه حركة حماس الحقيقي التي اعتادت عليه الجماهير العربية و الإسلامية ناهيك عن الجماهير الفلسطينية، وخصوصاً بعد الدماء التي سالت.

8-      قلب موازين القوى العلمانية في المنطقة –العربية منها و غير العربية- و التي كانت وما زالت ليس لها هم سوى الوقوف ضد ما هو إسلامي و محاولة إفشاله.

9-      تثبيت الرؤية الإسلامية لإنهاء الصراع مع العدو الصهيوني، بعدما كانت الرؤى حكراً على العلمانيين و القوميين بالإضافة إلى الشيوعيين سابقاً.

10-     إثبات للجمهور الفلسطيني و العربي و الإسلامي استقلالية القرار الحمساوي و عدم خضوعه لمحاور أو ابتزازات أو غيرها، وهذا ما كلف الحركة الإسلامية الأم "الإخوان المسلمون" الكثير من الدم و المال و الوقت على مدى ما يقارب قرن من الزمان.

11-     إثبات تماسك الحركة داخلياً و خارجياً، بعكس ما حاول البعض الترويج له، مما يقطع الطريق على من يريد الفصل بين أعضاء الحركة و أجهزتها، وهذا يبرهن على قدرة وأحقية الحركة على قيادة الشعب الفلسطيني بخلاف غيرها.

12-      إظهار جانب التسامح - و الذي هو من الصفات الأساسية للحركة الإسلامية و المنهج الإسلامي - في جميع العلاقات و برغم المخاسر و برغم البغي الممارس ضدها.

13-     إعادة الرؤية الشاملة لجميع نواحي الحياة للمنهج الإسلامي في عقول الناس، و إثبات للجميع أن الإسلامي هو الأقدر سياسياَ و اقتصادياَ و أمنياً و عسكرياً و ، إن أُعطي الفرصة الحقيقية لذلك لأنه يستند إلى كتاب الله و سنة رسوله. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026