بعد توقيع اتفاق مكة بين حركتي فتح و حماس تحدث رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل عن لغة سياسية جديدة ستعتمدها الحركة ومن تصريحات مشعل نستطيع أن نتبين بوضوح بان هذه اللغة تسير…
بعد توقيع اتفاق مكة بين حركتي "فتح" و "حماس" تحدث رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، خالد مشعل عن لغة سياسية جديدة، ستعتمدها الحركة، ومن تصريحات مشعل نستطيع أن نتبين بوضوح بان هذه اللغة تسير باتجاهين. الأول داخلياً حيث كان اتفاق مكة ترسيخاً لمبدأ ثابت عند "حماس" من صونها للدماء الفلسطينية، وحفاظها على الوحدة الوطنية الداخلية، التي بدت في الفترة الأخيرة تتعرض لاهتزازات حقيقية بفعل فاعل، وكانت بحاجة إلي إعادة الحسم من جديد، تجاه خيارات الحفاظ على النسيج الوطني، وإعادة الاعتبار للقضية وللمشروع الوطني الفلسطيني.
هذا الموقف أكده خالد مشعل عندما قال " يجب أن نتحدث بلغة تتناسب مع المرحلة وفي إطار رؤية مشتركة مع جميل الفصائل، مع إيجاد آليات لمعالجة الخلافات السياسية عبر وضع حد للاشتباك الميداني ووقف نزيف الدماء الفلسطينية". وترسيخاً لهذه الفكرة أضاف مشعل " اتفقنا على تحصين الاتفاق بالالتزام والتطبيق العملي الحازم على الأرض ورفع الغطاء عن المخالفين وعدم السماح لهم بجر الساحة الفلسطينية للصراع مجدداً ".
أما خارجياً فقد أكد مشعل على أن احترام الاتفاقيات لغة جديدة لحماس لان ذلك ضرورة وطنية، مع تأكيده على نفس المواقف المعلنة لحركة "حماس" في المقال الذي كتبه في صحيفة الغارديان البريطانية 12 فبراير 2007 والذي أعاد فيه طرح ما سبق وان تم طرحه منذ عام 1989 من قبل الشيخ أحمد ياسين، وبعض قيادات "حماس" غير مرة، وكان مشعل قد أعاد طرحه قبل فترة وجيزة في القاهرة، وهو مشروع الهدنة محدودة الأجل مقابل قيام دولة في حدود ال67 دون الإقرار أوالاعتراف بشرعية المحتل على باقي أراضي فلسطين التاريخية.
البعض يعبر عن خشيته من أن يكون موقف "حماس" من الهدنة، أو تحقيق الهدوء في المنطقة يعني الاعتراف بالكيان الصهيوني والتطبيع معه ودمجه في العالمين العربي والإسلامي؟ وبتقديرنا بان هذه الخشية في غير محلها، لثبات موقف "حماس" بأنه لا اعتراف ولا شرعية البتة لهذا الكيان على أرض فلسطين، وبمقدورنا التأكيد للمرة المليون بان الهدنة محدودة الأجل لا تعني بأي حال من الأحوال هذا الاعتراف، مهما حاول البعض إلباسها هذا اللبوس.
إلى ذلك ومع لغة "حماس" الجديدة فإن البعض يتباكي على المقاومة، ويدعى بان "حماس" بتوقيعها لتفاهمات مكة قد تنازلت عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومه الاحتلال! كما أنها بتوقيعها للاتفاق وقبولها باحترام الاتفاقات اقتفت أثر "فتح" وسارت على خطاها، وهذه فرية أخرى. هؤلاء يكررون نفس الاتهامات التي اتهموا بها "حماس" حين ادعوا بأنها فرطت بالمقاومة حين شاركت بالعملية الانتخابية التي أفضت إلى فوزها، وهو ما نفته الوقائع الميدانية والعملية على الأرض بعد تشكيل "حماس" للحكومة الفلسطينية، التي حافظت علي خيار المقاومة ودافعت عنه بشراسة، ونفذ جناحها العسكري بمشاركة فصائل أخرى " عملية الوهم المتبدد" النوعية، فضلاً عن مشاركتها مع باقي فصائل المقاومة في صد الاجتياحات، وإمطار المغتصبات الصهيونية بالصواريخ.
قد يقول البعض بان حركة "فتح" لم تغادر مربع المقاومة أيضاً بدليل وجود مجموعات تقاوم من كتائب الأقصى ومحسوبة على فتح، لكن ينسي هؤلاء بالوقت ذاته أن مجموعات" فتح" المقاومة تعمل بمرجعيات مختلفة ولم يتوفر لها الغطاء الرسمي من حركة فتح حتى الآن، بدليل إدانة عملياتها ببيانات رسمية من قبل قيادة السلطة والحكومات التي مضت، ومن قبل اللجنة المركزية والمجلس الثوري لحركة فتح، والإعلان أكثر من مرة عن حلها، وهذا عكس حالة "حماس" التي في ظل حكمها ولأول مرة توفر حكومة فلسطينية الغطاء الرسمي لعمليات المقاومة.
كما أن "حماس" رفعت علانية شعار "يد تبني ويد وتقاوم" وترجمته حقيقة على أرض الواقع، وترفض الإقرار بشرعية المحتل على ارض فلسطين. كما يتناسى هؤلاء بان "فتح" أرخت كل قلاعها للحلول الأمريكية، وللمبادرات الدولية دون الحصول على أي مقابل. في حين أن لغة "حماس" السياسية تختلف، إذ تقول للعالم أعطونا أولاً حقوقنا كاملة في أراضينا عام 1967 وإطلاق سراح جميع المعتقلين وعودة اللاجئين، وبعد أن يتم كل ذلك أقصى ما يمكن أن تقدمه "حماس" هو هدنة محدودة الأجل.
بالمقابل يحسب للمتباكين على المقاومة ومصيرها إقرارهم _ وهو ما يفهم من بين ثنايا الكلمات والسطور_ أن المقاومة لا طعم ولا لون ولا رائحة ولا فاعلية لها بدون "حماس". ولكي يطمئن هؤلاء على المقاومة بمقدورنا التأكيد مجدداً بأنه لا أحد يستطيع مصادرة هذا الحق، لا حركة، ولا حزب، ولا فرد، ولا أي كائن من كان، لكن قد يتفق على أساليب المواجهة، فالفرق الآن بين هذه المرحلة، _مرحلة الشراكة الحقيقية بعد تفاهمات مكة ولغة "حماس" الجديدة_ والمرحلة السابقة، هو أن الإجماع الوطني بات يشكل الهدف الأعلى الذي تسعى إليه كافة القوى الوطنية والإسلامية، عكس الحقبة الماضية حين كان يسود التفرد وفرض الرؤى والبرامج الأحادية على الساحة الفلسطينية، وهي البرامج التي ثبت عقمها وفشلها بما جلبته من كوارث ودمار على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، التي لم تسترد عافيتها إلا ببرنامج المقاومة وتفجر انتفاضة الأقصى عام 2000، وعليه لا نعتقد بأن "حماس" ستفرط بالمقاومة والمقاومين، بعد كل هذه التضحيات الجسام التي بذلت من الشعب الفلسطيني وقواه الحية! و بتقديرنا أن " حماس" ستواصل هذا العطاء حتى استرداد كافة الحقوق المسلوبة.
أما ما يردده البعض بأن "حماس" ارتكبت خطأً كبيراً، بقبولها في اتفاق مكة احترام الاتفاقات الموقعة واحترام قرارات الشرعية الدولية والعربية، وقولهم بأنه كان من الأفضل لحماس مغادرة الحكومة إذا كان الخيار محصورا بين المغادرة والتوقيع على اعتراف بالشرعية الدولية واحترام الاتفاقيات الموقعة. فأفضل رد على هؤلاء هو ما كتبته المبدعة لمي خاطر بأن " من حق هؤلاء الاعتراض على الاتفاق وإبداء مثل هذه التخوفات، لكن يتعين عليهم أولاً حين يطلبوا من حماس مغادرة الحكومة أن يطرحوا البديل وأن يتخيلوا السيناريو حين تترك "حماس" الجمل بما حمل لفتح وتدير ظهرها لمن انتخبها وطالبها بالإصلاح، وتترك لفتح أن تمضي بالقضية الفلسطينية في أي اتجاه تريده بعد أن تكون حماس قد نزعت عن نفسها رداء الشرعية طائعة وتحولت إلى فصيل لا يملك حق الاعتراض بل يحكم على نفسه بأن يصبح صوتاً معارضاً لا وزن له..!".
ختاماً
"حماس" تسير بكل ثقة نحو تثبيت رؤيتها للصراع وللحل، متسلحة بالوقائع على الأرض التي أفضت إليها السنوات الماضية من مرحلة الصراع، حينما وصلت كل جهود فرص الحل رغم التنازلات الفلسطينية الكبيرة إلى طريق مسدود، بسبب الظلم والإجحاف من قبل المجتمع الدولي والتنكر لأبسط الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني .
لغة "حماس" الجديدة هي رسالة للتعامل مع الاتفاق باعتباره فرصة لإحداث حراك في المنطقة، وإعطاء فرصة جديدة للرئيس أبو مازن لتعرية إسرائيل أمام الجميع، فالاحتلال لن يقبل إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أي شبر من أرض فلسطين، ولن يقبل بأن يتخلى عن القدس لأصحابها الشرعيين.
هذه الرسالة وبحسب العنوان والمضمون في الجزء الأكبر منها موجهه للرأي العام الغربي وقادته تخاطبهم باللغة التي يفهمونها، وهي في هذه الحالة اختراق حمساوى بارع، مع تسليمنا بالرأي القائل بأن خالد مشعل،بهذه اللغة الجديدة، لم يأتي بما لم تأت به الأوائل بهذه اللغة الجديدة, فالنجباء في دروس مخاطبة العالم كثر، وخصوصا الرئيس الراحل ياسرعرفات، لكن المشكلة تكمن في أن البعض يسارع لتطبيق خطابه واقعاً قبل أن يتمه قراءة، ويقدم تنازلات دون أن يطالبه بها أحد، وعلى ما نعتقد هذه نقطة الاختلاف الجوهرية بين الخطابين، وبين "فتح" و"حماس".
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع