من لقائها في القدس بالرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى لقائها في عمان مع مديري مخابرات أربع دول عربية سعت رايس وستسعى بكل ما أوتيت من دبلوماسية…
من لقائها في القدس بالرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى لقائها في عمان مع مديري مخابرات أربع دول عربية سعت رايس وستسعى بكل ما أوتيت من دبلوماسية إلى استعادة زمام المبادرة في المنطقة تمهيداً لخطوات أخرى تتعلق بالملفات الحساسة فيها.
في القدس بدا واضحاً أن رايس قد قررت قطع الطريق على اتفاق مكة الذي نظر إليه الأمريكيون والإسرائيليون بوصفة انتصاراً لحركة حماس، إذ وصل الحال بأولمرت حد القول لعباس "لقد خنتني وتحالفت مع حماس"، ما يعني أن اللعبة ستعود إلى مربعها السابق ممثلاً في السعي المحموم إلى إقصاء حكومة حماس أو جرها إلى التنازل عن ثوابتها، مع أنني شخصياً أؤمن بأن أي تنازل مهما كان لن يعدو أن يؤجل لعبة الإقصاء لبعض الوقت، إذ ليس صحيحاً أن الأمريكان والإسرائيليين يملكون القابلية للتعامل مع الإسلاميين بصرف النظر عن اللغة التي يستخدمونها أو الطرح الذي يقدمونه، وقد ثبت الآن أن واشنطن لم تعد تثق بالتيارات الإسلامية، وأنها تفضل الأوضاع العربية القائمة على أية خيارات إسلامية أياً تكن هويتها .
ما تريده رايس هو إقناع الدول العربية المعنية بالكف عن تخفيف الحصار حول حركة حماس، إلى جانب إقناعها بالاستثمار في المسار المعاكس ممثلاً في لعبة إقصائها بالقوة، حتى لو أدى ذلك إلى بعض الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني، ولا يعرف بالطبع ما الذي سيجري على صعيد مواقف تلك الدول، لا سيما مصر التي تعتبر الأكثر تأثيراً في المعادلة الخاصة بقطاع غزة، فيما يبدو الوضع في الضفة الغربية محسوماً لصالح حركة فتح من الناحية العسكرية بالطبع. ويبقى أن مشروع الدولة المؤقتة هو الوحيد المطروح على الأجندة الأمريكية الإسرائيلية .
خلال الأسابيع القادمة سنعرف إلى أي مدىً سيكون التجاوب من طرف الدول العربية، وعموماً فإن تشكيل حكومة الوحدة، بفرض تشكيلها بالفعل، لن يعكس بالضرورة مواقف الأطراف المذكورة، إذ إن الأهم هو المواقف التالية فيما يتعلق بالحصار، لا سيما أن فك الحصار سيحتاج قدراً من التحدي للولايات المتحدة في حال أصرت على الإبقاء عليه .
في سياق اللقاء الأخير لرايس، يمكن القول إن الملف الفلسطيني لم يكن الوحيد على الطاولة، إذ هناك الملف العراقي في ظل تطبيق خطة بغداد، وحيث ينبغي على الدول الحاضرة أن تبادر إلى دعم الخطة، بل دعم المحاولات الأمريكية لتطبيع الوضع في العراق في ظل ترتيب سياسي مختلف عن السابق يأخذ في الاعتبار محاصرة النفوذ الإيراني في العراق، معطوفاً على منح العرب السنة دوراً أفضل في العملية السياسية، وربما الأمنية من أجل إبعادهم عن المقاومة .
وفي العموم فإن حكاية العرب السنة تبدو حاضرة في وعي الدول المذكورة، أقله في سياق محاصرة النفوذ الإيراني. هنا تدخل إيران على الخط، إذ تبدو الترتيبات المتعلقة بالهجوم عليها حاضرة أيضاً، بدليل حاملة الطائرات الأمريكية الثانية التي حطت في المنطقة، بعد أن سبقتها واحدة قبل أسابيع، من دون أن يعني ذلك حسماً للأمر تبعاً للدهاء المعهود للدبلوماسية الإيرانية.
الأهم في هذا السياق هو المضي في لعبة عزل إيران عن المحيط العربي والإسلامي، أكان من خلال الحشد المذهبي، أم من خلال التركيز على ما تفعله في العراق، الأمر الذي يدخل في السياق المذهبي أيضاً.
لقاءات رايس إذن هي محاولة لترميم حلف الاعتدال العربي، وبالطبع في مواجهة الحلف الآخر الذي يضم إيران وسوريا، كما يضم حزب الله وحماس، بل عموم الإسلاميين بعد أن منحت الأنظمة الضوء الأخضر كي تتعامل معهم بالطرق التي تروق لها، رغم أن كثيراً من التيارات الإسلامية تبدو مشاركة في لعبة الحشد ضد إيران، لكن ذلك لن ينفعها في شيء، لأن الأصل هو ممانعة البرنامج الأمريكي وليس شيئاً آخر، ولو كان الممانعون - ماركسين أو قوميين - لما اختلف المشهد في شيء .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع