الأمر المؤكد أن شارون لا ينسحب من غزة وفق فكرة واتته وهو رائق المزاج هادىء البال إنما هو ينسحب تحت ضغط المقاومة وبعد أن أصابه اليأس من النجاح بعد أن استنفذ كل مرات الرسوب فى الحروب…
الأمر المؤكد ، أن شارون لا ينسحب من غزة ، وفق فكرة واتته وهو "رائق المزاج هادىء البال " ، إنما هو ينسحب تحت ضغط المقاومة، وبعد أن أصابه اليأس من "النجاح" - بعد أن استنفذ كل مرات الرسوب فى الحروب ضد الشعب الفلسطيني،إذ فشلت كل خططه العسكرية ، خطة وراء خطة ، وانه لو كان الأمر بيده -لو لم يكن مجبرا - لما تنازل وطرح الانسحاب أو حتى تحدث بينه وبين نفسه ، بإمكانية الانسحاب من غزة تحديدا ..وهو القائل خلال حملته الانتخابية " حكم نتساريم -مستوطنة صهيونية فى غزة -كحكم تل أبيب " ..ويومها طالب هو مستوطني غزة بالصمود -حسب تعبيره - حتى ينهى مهمته فى تركيع المقاومة ..وها هو بنفسه الآن يعلن انه قرر إجلائهم! والأمر المؤكد كذلك أن من حق الشعب الفلسطيني أن يهنىء نفسه ، بأنه صمد وثابر، وواجه القتل العشوائي، والجوع والتجويع، وقدم القادة للشهادة قائدا تلو الأخر.
وأخيرا ها هو يسجل انتصارا كبيرا ، على القوة العسكرية الصهيونية ، وعلى شارون تحديدا ، الذي -هو-دون أن يحقق ما قاله لناخبيه بتحقيق الأمن -خلال مائة يوم -من خلال عمليات القتل والاغتيال..والذي -هو- صاحب اكبر المذابح فى التاريخ الفلسطيني بل والانسانى ..والذي هو دون إن يحقق شيئا -مما وعد -لم يجد بديلا أمامه سوى الهروب من غزة .
من حق الشعب الفلسطيني أن يفرح يومها بالانتصار إذ أن المعنى الاستراتيجي لانسحاب شارون من غزة هو انه لم يجد بديلا فى مواجهة المقاومة سوى "تقصير خطوط الدفاع" بالانسحاب من غزة . .بعد أن قامت خطته فى توسيع خطوط الهجوم -من خلال عمليات الاحتلال والتوغل وحصار المدن -ومن خلال إتباع وسائل وأساليب وصلت الى ما لم يفعله بشر ببشر من قبل. لكن الأمر المؤكد أيضا .
على الجانب الأخر ،أن ما يفعله شارون تحديدا الآن، من خلال الإعلان عن نية الانسحاب من غزة-بغض النظر عن ضغوط المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني - إنما هو انه ينصب فخا-فخ المتراجع والمهزوم فى معركة غزة نعم - للشعب الفلسطيني وجميع قواه وفصائله وللدول العربية بل ولبعض دول العالم أيضا ..وانه اختار التراجع والانسحاب من غزة لتكون أوضاعه أفضل فى مناطق الصراع الاخري على الأرض الفلسطينية...وان ذلك أمر يتطلب دراسته ووضع الخطط لمواجهته . ان لشارون أهدافا أخرى ..متعددة من خلال فكرة الانسحاب من غزة أو تفكيك كل أو بعض المستوطنات ..أهدافا يبغى تحقيقها على كل الجبهات ...أهدافا يجب فهمها جيدا ودراستها ..إذ هو ينصب أفخاخا لكل الإطراف الفلسطينية والعربية والدولية ..وهو لن يجلس على مقربة منها -كصائد العصافير-ينتظر من ذا الذي سيقع فيها ،بل هو سيحاول جر الجميع للوقوع فيها-وكذلك لأنه لم يقرر الانسحاب من غزة على نحو مفاجىء -كما يتصور البعض -بل هو يجهز لذلك الانسحاب منذ وقت طويل -كضرورة استراتيجية فرضت عليه-أنجز خلاله عملية تفريغ الحدود بين مصر وغزة فى منطقة رفح ، ليكون بعد الانسحاب قادرا على عزل غزة تماما عن العالم ومن جميع الاتجاهات كما واصل عمليات الاغتيال وقتل القادة لإضعاف المقاومة ليبدو فيما بعد انه ينسحب عن قوة لا عن هزيمة ..وأنجز خلاله أيضا بناء مساحة كبيرة فى سور الاستيلاء على مزيد من الأراضى الفلسطينية وضمها الى الأراضى المحتلة فى عام 48 ..والاهم والأخطر انه سيكمل بناء السور خلال الفترة التي يشاغل فيها الفصائل الفلسطينية والدول العربية ويشغلها بقضية الانسحاب من غزة ..بطرح أسئلة حول أين ينقل المستوطنات والمستوطنين الذين سيتم إخلاؤهم هل يعيدهم الى داخل حدود 48 أم أن من حقه أن يعيدهم الى داخل الضفة انتظارا للحل النهائي ..وحول الطبيعة القانونية لوضع قطاع غزة بعد الانسحاب ..دوليا ..الخ!.
ومن ثم فان السؤال الجوهري الذي ينبغي البحث عن الإجابة الاستراتيجية له ليس فقط هو كيف لا يسقط اي من الأطراف فى فخ من الافخاخ ..فهذا وحده غير كاف فى حالتنا هذه ...وإنما هو كيف يسقط شارون هو نفسه فى احدها أو فيها جميعا ..أو كيف يمكن الجمع بين الانسحاب من غزة ..وبين منع لعبة تعزيز الوجود الصهيوني فى الضفة عموما وفى القدس خصوصا -وكيف يمنع شارون من تنفيذ اخطر تحول فى الوضع الفلسطيني منذ علن 48 ، حيث هو يستهدف إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني -فى الداخل -الذي أنتج الانتفاضة عبر إعادة تقسيمه وتفتيته !
من الرمي فى البحر الى الانسحاب ..ما الفرق؟
كان حلم رابين ، كما قال علنا ، إن يصحو من النوم يوما ليجد غزة وقد غرقت فى البحر .وفى أثناء المفاوضات الفلسطينية -الصهيونية فى اوسلو وغيرها، كان ثمة إصرار من المفاوضين الصهاينة على ان يكون الانسحاب الصهيوني ، والاتفاق الفلسطيني -الصهيوني محصورا أو يبدأ من غزة -غزة أولا- وبالكاد تمكن المفاوضين الفلسطينيين من ان يكون الاتفاق الأول شاملا أريحا فى طرف الضفة الغربية على الحدود-غزة أريحا أولا -والان ، وفى الوقت الذي جعل شارون من قضية جدار الفصل العنصري شعارا لحياة أو موت الكيان الصهيوني فانه يعلن انه سينسحب من غزة . فما هي حكاية غزة هذه ..ولم كانت تأتى لرابين فى الأحلام .. ولم كان تمسك المفاوض الصهيوني على إن يبدأ انسحابه منها ..ثم لم القرار الحالي بالانسحاب منها دون اتفاق ؟ما الذي جعل غزة المكان الذي يؤرق فى الأحلام قبل الانتفاضة ثم هي المكان الذي يريد الصهاينة التخلص منه بالمفاوضات أو "بدون " بعد الانتفاضة؟. والقصة باختصار شديد هي أن غزة ، تمثل العبىء الأكبر فى عملية احتلالها للضفة الغربية وغزة التي جرت فى عام 67 ..
فهي فى جانب ، لا تمثل عنوانا للصراع على الهوية فى هذه الأرض كما هو حال القدس التي هي هوية الصراع وعنوانه ..وهى كذلك ليست فى درجة الخطورة الاستراتيجية التي تمثلها مدن الضفة سواء مدن الشمال مثل قلقيلية وطولكرم وحتى رام الله ، والتي بعضها لا يبعد عن البحر سوى 19 ميلا بما يجعل المدن الصهيونية على ساحل البحر مجرد شوارع فى أخرها ..بل هي حتى ليست فى درجة خطورة بلدة ابوديس التي من يتحكم فيها يكون على أطراف القدس ...وهى من الناحية الجغرافية ليست إلا مكانا مطوقا بالكامل ومن كل الاتجاهات ..فهي مطوقة من الشمال والشرق بالا راضى المحتلة فى عام 48 -ودون اي تواصل أرضى مع الضفة الغربية المحتلة - وهى من الغرب مطوقة بسلاح البحرية الصهيوني ..وهى من الجنوب مطوقة من خلال الجنود الصهاينة على الحدود مع مصر .
ومع ذلك ورغم عدم حيوتها فى الوقت الراهن وفى ظل ضغوط الانتفاضة على غرار مناطق فلسطينية أخرى فإنها -من جانب أخر-هي المكان الأكثر خطرا على الكيان الصهيوني أو هي الأكثر كشفا لهشاشة فكرة قيام الكيان الصهيوني وهى النقطة الأقوى فى يد الشعب الفلسطيني فى الصراع الاستراتيجي مع هذا الكيان..باعتبارها المكان الأكثر كثافة بالسكان لا فى فلسطين فقط وإنما فى العالم حيث يبلغ عدد سكانها الفلسطينيين 1.7 مليون يعيشون فى مساحة 210 كيلو متر مربع ( المستوطنات بها يسكنها 7 آلاف مستوطن يعيشون فى مساحة 155 كيلو متر ) ومن ثم فهي الخزان الاستراتيجي للقدرة البشرية الفلسطينية فى الصراع ..فإذا أضيف الى ذلك أنها فى الرصيد الاستراتيجي فى موازين القوى الداخلية الفلسطينية هي المنطقة الأكثر ارتباطا بحماس-على خلاف الضفة التي هي فى الميزان مكان السيطرة الأكبر فيها لفتح -يبدو واضحا لم حلم رابين حلم تمنى أو حلم يقظة بان تغرق فى البحر قبل إن تغرق إسرائيل فى بحر سكانها ..ولم يريد شارون التخلص منها سواء من سكانها أو من سيطرة حماس عليها ..أو من صواريخ القسام أو لأغراض أخرى .
استراتيجية شارون
يمكن القول بان خطة شارون باتت واضحة أكثر من اي وقت مضى -أو فلنقل أنها الخطة الاستراتيجية الصهيونية بغض النظر عن الاختلافات التفصيلية بين رابين نتنياهو وبيريز وشارون - خطة شارون لا هي اوسلو ولا هي الدولة الفلسطينية ولا هي خارطة الطريق ..فتلك كلها ليست إلا تحقيقا وتوفيرا لفترات زمنية كانت الدولة الصهيونية فى حاجة لها للانتهاء من تشييد وإنجاز مقومات تهويد القدس وضم الضفة الغربية جزءا بعد تقطيعها ..مع إنهاء مواجهة خطر الانقلاب الديموجرافى الذي كان يهدد- وما يزال -بإنهاء "دولة إسرائيل" كدولة صهيونية أو يهودية ..والتي كانت ابرز خططها فى السابق هي عمليات جلب للمهاجرين من كل أنحاء الأرض ..ولهذا يبنى الجدار -وهو بالمناسبة مشروع حزب العمل وليس مشروع الليكود -ولهذا أيضا سيجرى الانسحاب من غزة ..هذه هي الخطة وما استتبعها من ضرب الحركة الوطنية الفلسطينية التي تم جرها للاراضى المحتلة لتصفيتها أما قصص ومماحكات الاتفاقات أو والانسحابات -باتفاق أو من طرف واحد وحواديت وقصص اوسلو وخارطة الطريق ..الخ كلها تقع ضمن خطة لإبعاد خطر تحول العرب الى أغلبية ..والحصول على وقت لمواجه خطر الانقلاب لهوية المجتمع الصهيوني من خلال التزايد السكاني ..وإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية الى الأبد وأحكام السيطرة على القدس .تلك هي خطة شارون -كما كانت هي خطة بيريز نتنياهو -التي نفذها منذ مجيئه وباتت واضحة تماما الآن وأكثر من اي وقت مضى.
فمن خلال سور الفصل العنصري هو سيضم مساحة كبيرة من الضفة مستهدفا إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة من ناحية وتطويق القدس بصفة نهائية من ناحية أخرى ومن خلال الانسحاب من غزة هو ينحى جانبا 1.7 مليون فلسطيني من معركة الانقلاب الديموجرافى مقابل انه يستعيد فقط 7 ألاف مستوطن ..اي انه وببساطة يهدف من خلال الانسحاب قلب موازين السكان فى داخل المنطقة الباقية تحت سيطرته بحوالي مليون و673 ألف مواطن لصالح الكيان الصهيوني .وخطة شارون -ومن كان قبله-تقوم على إعادة تقسيم الشعب الفلسطيني -المقسم- على خلفية رؤيته المعلنة عدة مرات بان المعركة الدائرة الآن هي معركة بين هويتين على ارض واحدة وان الحل هو فى ضرب وإنهاء الحركة الوطنية الفلسطينية ..وانه اذا كان الشعب الفلسطيني بعد عام 48 و67 قد أصبح مقسما الى أربعة تكوينات الأولى داخل حدود 48 والثانية فى الضفة والثالثة هم الفلسطينيين الذين هجروا فى عام 48 وبقوا داخل الأرض الفلسطينية خاصة غزة والرابعة هم الفلسطينيين فى الشتات فى كل دول المحيط العربي خاصة سوريا والأردن ولبنان .اذا كان هذا هو الحال الذي أنتج الوضع الراهن ..من انتفاضة ومساندة من فلسطيني الخارج الى الداخل ومساندة من فلسطينيو 48 مع فلسطينيي 67 فى الضفة وغزة .. فان شارون يريد إعادة تقسيم الشعب الفلسطيني لينهى هذه الحالة ويعيد تركيب تجمعاته من جديد .. لينضم سكان من أراضى الضفة الغربية.. الى داخل الخط الأخضر من خلال السور ..وليبقى القسم الثاني فى معازل مفصولة عن بعضها البعض وضمن حالة احتلال ووضع صراع وتفاوض معزولين عن بقية الفلسطينيين .ويكون سكان غزة خارج إطار الصراع بلا احتلال مباش مع عزلهم عن بقية قطاعات الشعب الفلسطيني -حين ينسحب - وليكونوا فى وضع يستحيل فيه الحياة أصلا فى ذات الوقت !
واغلب الظن إن خطة شارون فى مرحلة متقدمة ستشمل أيضا نقلا للرئيس عرفات وأجهزة السلطة الفلسطينية -تذكرة لعرفات فى اتجاه واحد كما يقول الصهاينة - الى غزة"المحررة " لينتهي الحال بالدولة الفلسطينية الى دولة غزة أولا وأخيرا - دولة غزة التي طرحت فى بداية التفاوض فى مطلع التسعينات -ولينتقل عبىء حياة سكان غزة الى الدول العربية . وهو أيضا يحول من خلال الانسحاب من غزة -اذا نفذه وهو سيأخذ وقتا طويلا - الضغط على الشعب الفلسطيني الى درجة الموت أو الهجرة -فبالإضافة الى أن الرقعة الجغرافية هي الأضيق - والى إن اقتصاد غزة يكاد يكون معتمدا بصفة كاملة على الاقتصاد الصهيوني -الماء الذي تستهلكه غزة بمعدل 5 ملايين متر مكعب يصل إليها من شركة المياه الصهيونية حيث تقيد سلطات الاحتلال عمليات استخراج المياه الجوفية -فان السكان لن يجدوا لا عمل-كانت البطالة قبل الانتفاضة بنسبة 35 % وتصل اليوم الى 60 % -ولا مكان للسكن ولن يكون أمامهم سوى خيار من اثنين بعد " التحرير " إما الموت وإما الهجرة ..وبطبيعة الحال فان شارون لن ينسى -قبل الانسحاب وبعده -اللعب على جميع تناقضات الوضع الفلسطيني عن طريق الطابور الخامس من العملاء لتفتيت الوحدة الداخلية المتحققة خلال الانتفاضة بين مختلف الفصائل - هو بدء بالفعل من الآن الحديث حول ضعف السلطة فى غزة وان حماس هى التى تسيطر عليها -والى اثارة الخلافات بين اهل غزة الاساسيين والمهاجرين اليها منذ عام 48 وانه سيكون باستمرار جاهزا للدعاية حول ضرورة تدخله العسكرى من الخارج بالقصف بالطيران بين الحين والاخر بسبب سيطرة حماس..الخ.
شارون يريد اذن نصب فخ لفكرة الدولة الفلسطينية ، سواء للجنة الرباعية او للسلطة الفلسطينية او للدول العربية ..هو سيقول للجنة الرباعية هانذا أنفذ انسحابا أكثر مما طلبتم وهذه بداية كبيرة ولن أتحرك بعد ذلك إلا بعد قضاء السلطة على حماس والجهاد وشهداء الأقصى ..وهو يضع السلطة الفلسطينية أمام مأزق ..إما القبول بانسحاب صهيوني من طرف واحد -والحالة هنا ليست حالة لبنان حيث كان الانسحاب من طرف واحد هو الأفضل حيث أن جنوب لبنان عاد الى عمقه -لكن أين تذهب غزة بدون اتفاق ..تذهب الى حصار قد لا تتمتع فيه السلطة الفلسطينية ذاتها حتى بحق الوصول إليها..إضافة الى انه ينهى فكرة سيطرة السلطة على بقية المناطق داخل حدود الضفة -المواطنين بعد ذلك سيتنقلون بتصاريح صهيونية بين المدن خارج وداخل السور فكيف تكون هناك سلطة فلسطينية عليهم ..وإما الرفض وفى هذه الحالة تفقد مبررات وجودها وتكثف عليها الضغوط من الجميع ..اي إنها اذا قبلت وقعت فى الفخ وإذا رفضت وقعت فى الفخ أيضا. والدول العربية فى فخ كذلك ،فإذا هي وافقت على الانسحاب فعليها تولى غزة بدءا من مواجهة مسئولية انطلاق أية أعمال فدائية منها أو إطلاق صواريخ القسام وحتى مواجهة حالة الجوع والانهيار الاقتصادي فيها ..وإذا لم تقبل فأنها تترك غزة فى الصحراء ..والهجرة من جديد على الأمد البعيد ..إذ فى حالة التحرير لن تكون ضوابط الهجرة كما هي عليه الآن تخلى عن الوطن " لإسرائيل" .
ويبدوا أن الطريق الأوحد الممكن حاليا أمام الإطراف الفلسطينية والعربية هو فى نقطة واحدة ترك شارون يخوض مناورة غزة والتركيز على مواجهة الجدار الفاصل سواء من خلال تركيز كل الضغوط بأشكالها المختلفة أو إعلان قيام دولة فلسطين من طرف واحد ،اذا ما اسحب شارون من طرف واحد من غزة ...مع عدم الإعلان عن حدود لهذه الدولة وترك الصراع مفتوحا حول كل الأراضي الفلسطينية.
الانتصار الأهم منذ عام 48 !
اذا ما انسحب شارون من غزة ، وأياً كانت المبررات والأسباب والخطط التي يستهدفها ومهما كانت نوعية الافخاخ التي ينصبها ومهما تصور هو من النتائج لما يفعل ، فان الانسحاب من غزة هو التغير الاستراتيجي الأخطر فى مسيرة الصراع منذ عام 48 وحتى الآن ..والذى سيتحكم فى شكل الصراع ومساراته فى المرحلة القادمة كلها ...فهو انسحاب ذو مغزى استراتيجي على مصير الدولة الصهيونية أكثر من الدلالات التي حملها الانسحاب من سيناء أو الأراضي الأردنية أو حتى جنوب لبنان .
لقد كان هناك انسحاب من سيناء .. جاء فى أعقاب معركة شاركت فيها ثلاث دول -حرب أكتوبر- وعقب ونتيجة لمفاوضات تسوية بين مصر والكيان الصهيوني وبالتزامات دولية ..وبمقابل من الطرفين ذاد هنا أو نقص هناك ..وهو انسحاب من أراضى دولة أخرى حسب الوصف الدولي القانوني ..وهو فى بداية الأمر وختامه تراجع صهيوني عن خطا التمدد الأكبر من القدرة السكانية والاستراتيجية الاستراتيجية على الاحتفاظ به ولقد كان هناك انسحاب من الأراضي الأردنية ..وهو جاء على نفس طريقة وأسلوب الانسحاب من سيناء اي انسحاب عبر اتفاق وكانت نتيجته هي إعادة جزء من الأراضي الى الأردن وبما لا يمثل تغييرا استراتيجيا لا للأردن ولا للكيان الصهيوني فى حد ذاته . وكان هناك الانسحاب من جنوب لبنان ..وهو انسحاب تم دون اتفاق ..وتحت ضغط المقاومة لكنه ظل فى نهاية المطاف انسحاب من لبنان وليس من فلسطين ..وانسحاب أمام مقاومة مستندة الى دولة والى دولة مجاورة -سوريا- والى دولة إقليمية كبيرة مثل إيران .
لكن هذا الانسحاب من غزة أمره مختلف فى تأثيره على الرؤية الكلية التاريخية للصراع وليس فقط على استراتيجية مرحلة من مراحل الصراع ..وهو انسحاب وانتصار يحدث فى لحم وعظم المشروع الصهيوني إذ هو الانسحاب الأول من جزء من فلسطين التي قام الأساس للمشروع الصهيوني على إنها ارض بلا شعب أعطيت لشعب بلا ارض ..وهو انتصار يحدث على الأرض الفلسطينية ذاتها من خلال المقاومة بديلا لهزائم الحركة الوطنية الفلسطينية على الأرض الفلسطينية خلال المراحل التي سبقت حرب 48 وخلالها وهو انسحاب يتم الى الخارج وليس الى الداخل كما كان هو الحال فى الانسحابات من المدن الفلسطينية ضمن صيغة اتفاقات الحكم الذاتي فى اوسلو وهو أول إنجاز للانتفاضة ..وهو انتصار يتم بالسلاح مخيبا أمال كل الذين تحدثوا عن خطا العمليات داخل 48 وعسكرة الانتفاضة ....وهو أول تحرير سيكون هو النموذج ..ومن بعده لن يقال إن انتصار حزب الله كان عملا استثنائيا لا يمكن تكراره على الأرض الفلسطينية ..من بعده سيكون الشعار كما حررنا غزة سنحرر الضفة.
وكالة الأخبار الإسلامية (نبأ)
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع