الشعب المحتار!!!

الشعب المحتار!!!

يحيى عياش
2004-06-03

صفحة جديدة الشعب المحتار استوقفني العنوان قليلا إذ لا يمكن بحال إطلاق صفة شعب على مجموعة من شذاذ الأفاق لفظتهم كل شعوب الأرض ناهيك أن نطلق عليهم شعب الله بعد أن ألبسوا إلههم بزة…

صفحة جديدة 5

الشعب المحتار !!

(1)

استوقفني العنوان قليلا إذ لا يمكن بحال إطلاق صفة شعب على مجموعة من شذاذ الأفاق لفظتهم كل شعوب الأرض ناهيك أن نطلق عليهم شعب الله بعد أن ألبسوا إلههم بزة عسكرية وأقام في ثكنة عسكرية وجعلوا هدفه إبادة أمم الأرض كلها واستعباد بني البشر لصالحهم ،فمنذ ذلك الزمن بدأت نكبة البشرية بهم ونكبتهم بأنفسهم فما من تنكيل وسبي تم لهم إلا نتيجة أفعالهم تجاه أمم الأرض التي لا تتوافق مع تطلعات البشرية ،هذه البشرية التي مر عليها من المذاهب السياسية والاجتماعية الكثير والتي هدفت في غالبيتها إلى خير البشرية إلا فيما ندر ومن هذا النادر الصهيونية العالمية بما تحمله من عنصرية بغيضة ،من نافلة القول أن خيرية الهدف لا تعني بالضرورة صواب المنهج.

ومنذ ستة وخمسين عاما عمر الشتات الفلسطيني أعادت الصهيونية تفعيل جرعات المعاني المدمرة في نفوس مريديها حتى كونت هذه الشخصية الملتبسة المضطربة والتي أفضت إلى عصابات الدمار والخراب كشيترن والهاجاناة وغيرهما التي دخلت إلى فلسطين وارتكبت المجازر والإبادة بكل أصنافها الجسدية والتشريد والإحلال والإبادة الثقافية والاستيلاء على الأرض ومحاولة الاستيلاء على التاريخ بمحاولة مستميتة لإيجاد جذور تاريخية لهم في فلسطين العربية !

وما بين اله يعبد وإله جعلوا منه جنرال سادي ونبي وصفوه بأنه عبد الأوثان وملك لهم قضى جل عمره في خدمة إله الشمس أسست الصهيونية لمجتمع حائر، وكنتيجة طبيعية للحيرة الناتجة عن ( فكرتهم عن الله ) اللبنة الأولى في تشكيل أي مجتمع انسحبت هذه الحيرة على كل نواحي حياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية !!

والضبابية والحيرة التي أثارتها مثل هذه التصورات لا تضاهيها إلا الضبابية التي أثارها بوش حول مستقبل الولايات المتحدة بعد أن ربط وجود الكيان الغاصب بالأمن القومي الأمريكي ومحاولته سلب الوعي وقلب الحقائق حول نشأة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية وادعائه بمحافظتهم على الحياة البشرية ومع هذه الادعاءات جعل بوش من التاريخ وكأنه إكسسوار أو ربطة عنق يلبسه متى شاء ويخلعه متى شاء ويطويه كيفما شاء ،ولا بد من تنبيه بوش أن ربطة العنق هذه وإن غطت على مكان نحر الضحايا فلا يمكن لها أن تمنع النزف من الهنود الحمر إلى هيروشيما وناجازاكي إلى فيتنام إلى فلسطين وأفغانستان والعراق وفي غمرة الانفعال عند تعداد الصفات المشتركة ما بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة نسي بوش أن يذكر أن الولايات المتحدة قامت على إبادة الهنود الحمر من قبل عصابات المافيا الفارين من حكومات بلدانهم والكيان المسخ يحاول أن يوجد لنفسه مكانا على الخارطة العالمية بمحاولة إبادة الشعب الفلسطيني.

ولقد استغلت الصهيونية بما تحمله من مبدأ سياسي واجتماعي وديني جل الأحداث العالمية لتنفيذ أهدافها بل سارعت إلى افتعال الأحداث وخاصة الاضطرابات والحروب لتفرض رؤاها قسرا على الواقع والأمم وبعد سطوع نجم الولايات المتحدة على الساحة الدولية ومع وصولها لتكون القطب الوحيد استغلت الصهيونية هذا التحول من خلال الإدارات الأمريكية المتعاقبة ووصلت إلى قمة الاستغلال في عهد بوش الابن لتوافق الرؤية وتطابق الأجندة بين الصهيونية (والمسيحية الصهيونية ).

(2)

أما الآثار التي انسحبت نتيجة للفكرة الملتبسة عن الله فلم تقتصر على الناحية الاجتماعية والتي شكلت علاقتهم بالأخر قمة هذه الحيرة هذه العلاقة القائمة على مبدأ السيادة والأخيار والأشرار وعلى ما فيها من اضطراب فكري ونفسي لم تبخل الصهيونية بتعزيز عقدة شمشون في نفوس اتباعها وما حادثة الباخرة باتريا عام 1942 والتي قتل الصهاينة فيها يهودا إلا مثال على تعزيز ذلك التوجه وتعاون رموز الصهيونية مع النازية إلا المثال الصارخ لهذا الاضطراب!

أما الناحية السياسية فتجلت الحيرة السياسية في هذا المجتمع في عدم قدرته على تحديد مفهوم لليهودي ولا القدرة على وضع تصور مفهوم ومحدد لمعنى كيان يهودي بعد ان جعله الكنيست الصهيوني قانونا في عام 1985 وحتى بعد أن حصلوا على اعترافا علنيا بيهودية هذا الكيان على لسان بوش والذي يتناقض مع كل القوانين الذي قام عليها هذا الكيان المسخ !!

أما المثال الأخر الدال على الحيرة السياسية التي يعيش فيها هذا الكيان والتناقضات الضاربة جذورها في أعماقهم ما نشهده هذه الأيام وما يجري في الكيان المسخ بشأن الانسحاب من غزة من جهة وما يمر به شيخ الأقصى الشيخ رائد صلاح وعموم الفلسطينيين العرب في الأرض المحتلة عام 48م

فبين إدعاء الديمقراطية التي عاش يروج لها هذا الكيان وتحكم الأقلية بتوجه السياسة العامة في هذا الكيان جاء التصويت على قرار شارون في حزب الليكود والاحتجاجات الداعية إلى الانسحاب ،

وبين الادعاء بدولة القانون والديكتاتورية لتحقيق أهداف أيديولوجية وقعت قضية الشيخ رائد صلاح وإخوانه في المعتقلات الصهيونية وتعامل هذا الكيان الغاصب مع العرب داخل ما يسمى الخط الأخضر ،فرغم مرور عام على سجن هؤلاء وعدم ثبوت أي تهمة موجهة لهم وعدم قانونية احتجازهم تصر المخابرات على ذلك لمقايضة مواقفهم السياسية للوصول إلى ما تمليه عليهم تطلعاتهم (الدينية )!!!

و"الشعب "المحتار ظهر جليا مع تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات 140صوتا من اصل 191 على اعتبار الأراضي المحتلة عام 67 هي أراضي واقعة تحت الاحتلال العسكري واستنكار الدول لما تقوم به دولة الإرهاب الصهيوني في رفح والزيتون وسائر المدن الفلسطينية وكذلك الاستفتاء والذي اعتبر فيه غالبية الأوروبيين أن الكيان الصهيوني يهدد الأمن والسلام العالميين ،فبين رغبة الكيان وتوظيف كل الإمكانيات لان يتطلع العالم له بنظرة ديمقراطية وحضارية ونتائج التصويت والاستفتاء الناجمة عن أفعالهم ضاعت الرؤيا وخيم الظلام على آفاقهم !!!!

(3)

قد يقول قائل بان الصهيونية أحسنت استغلال هذا التناقض بين ما تقوم به وبين ما تدعيه لصالح تحقيق أهدافها التي قامت عليها وبلورتها في بروتوكولات حكماء صهيون والتي من ضمنها القضاء على القيم والأخلاق وقيمة الأديان الأخرى في نفوس أتباعها واتخذت من العولمة المتوحشة المفروضة بقوة اليانكي الأمريكي سبيلا لها لتجريد الإنسان من هويته الثقافية وجعله مسخا أمام اليهودي المتشبث بيهوديته وذلك لتحقيق مقولة (شعب الله المختار ) لكن العوائق التي شكلتها الصهيونية في طريقها والعوامل الخارجية ومنها الصورة التي عكستها أفعالها عالميا والتي سطعت للعالم أجمع وأظهرها استطلاع الرأي في أوروبا وارتباط النتيجة المتوخاة بالشعوب مباشرة والوعي العام الذي بدأ ينمو ويتبلور في فكر الشعوب وخاصة العربية والإسلامية وقوة الدفع الذاتية للثقافة الإسلامية وتناغمها مع النوازع الفطرية البشرية واستفزاز الضحية لهذا الحد المثير والذي استجلب كل احتياطي المناعة الذاتية وتعرية الصهيونية لكل أعوانها بهذا الشكل وافتضاح أمرها سيجعل من الصعوبة بمكان الوصول إلى ما تصبو إليه الصهيونية وستبقى عقدة الحيرة تسيطر على مريديها وستتفاعل في المحيط الذي يحيون به لتشكل وبالا عليهم .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026