تجاوزت الأحداث الدامية التي عصفت بالمجتمع الفلسطيني خلال الأيام القلائل الماضية كل الخطوط الحمر وأثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن هناك جواسيس يمتطون صهوات تنظيمات فلسطينية تعمل…
تجاوزت الأحداث الدامية التي عصفت بالمجتمع الفلسطيني خلال الأيام القلائل الماضية كل الخطوط الحمر، وأثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن هناك جواسيس يمتطون صهوات تنظيمات فلسطينية تعمل على الساحة؛ يوجهونها نحو خدمة الاحتلال ومخططاته باستخدام السفهاء والجهلاء والمأجورين.
ففي الوقت الذي تتجرأ فيه عصابات إجرامية على اقتحام مسجد الهداية ومساجد أخرى وإطلاق النار على حلقات القرآن الكريم بعد أن فجرت جيبا عسكريا تابعا للقوة التنفيذية التي تطارد العملاء والجواسيس وتجار المخدرات والقتلة والمجرمين واللصوص فإنها تعلن أنها طائفة مرتدة كافرة بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها ليست معارضة شريفة أو حركة وطنية تبحث عن مصالح الشعب الفلسطيني.
وإن بقي في هذه العصابات بقية من شرفاء أو مسلمين موحدين بالله فإنهم لن يبقوا لحظة واحدة تحت إمرة قيادتها المتواطئة من العدو الصهيوني الخاضعة للسيطرة الأمريكية المطلقة المعتدية على بيوت الله؛ إن لم يكن لديهم المقدرة على الخروج بحركة فتح من الظلمات التي تسير فيها.
ولقد كانت الأمور واضحة منذ اليوم الأول الذي تسلمت فيه حركة المقاومة الإسلامية حماس زمام الأمور وهي التي يقوم برنامجها الانتخابي على الإصلاح والتغيير ومحاسبة الفاسدين وحماية المقاومة من المؤامرات على طريق إقامة الدولة الإسلامية الخاضعة لشريعة الله المنزلة على رسوله.
في تلك الآونة بدأ الخوف والرعب يدب في نفوس قيادات حركة فتح التي تفردت بالحكم تحت سطوة السلاح والاعتقالات والتعذيب الذي تشهد عليه أجساد الشهداء بإذن الله د.عبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم المقادمة وعوض سلمي وغيرهم من الأموات والأحياء.
ولأن ملفات الفساد التي تنوء بالعصبة أولي القوة تشهد على حقبة مظلمة من تاريخ الشعب الفلسطيني سارعت رموز هذا الفريق بلا تردد إلى وضع يدها في أيادي الظالمين الصهاينة والصليبيين من أوربيين وأمريكيين لتحقيق الحلم الصهيوني الصليبي بإسقاط الحكومة الرافضة للإذعان للمطالب الدولية المجحفة، وتثبيت إسرائيل على تراب أرضنا المباركة المخضب بدماء الأجداد والآباء.
وعلى ما يبدو فإن قادة حركة فتح من السذاجة والجهل بحيث أنهم لم يتعلموا من الدرس المؤلم الذي تلقاه كبيرهم ياسر عرفات – عليه من الله ما يستحق – فبعد أن رسخ أقدام اليهود الغاصبين في ديارنا المحتلة عام 1948 على أشلاء أجدادنا وآبائنا ولم يعد أحد يتحدث عن فلسطين المحتلة أرسلوا له صبيا من صنائعهم ليدس له السمّ في الطعام بمباركة من رفاق دربه فقتلوه وأرحوا العدو الصهيوني من تبعات اغتياله بعد فشله الذريع في تحقيق مرادهم.
نعم أيها القراء الكرام . حركة فتح الوطنية التي انطلقت عام 1965 انتهت شرعيتها لانحرافها عن مسارها مع أول لقاء عقده قادتها مع زعماء العصابات الصهيونية سرا في عواصم الدول الغربية وسقطت من قوائم الشرفاء مع الزج بمناضلي الفهد الأسود (فتحاويون أصليون) بنابلس في سجون السلطة الفلسطينية كونهم يحملون السلاح لقتال العدو الصهيوني، وتحولت "فتح" إلى عصابات متشرذمة بعد أن اغتصب الجواسيس قيادتها لتمرير المخططات الصهيونية والصليبية في المنطقة مقابل وعود بالأموال والنفوذ.
فلا يعقل أن حركة وطنية شريفة توقّع على ثلاثة أرباع الوطن للمحتلين دون نزاع وتضع باقي الوطن تحت طائلة النقاش والجدل الذي لا عزة ولا كرامة ولا تحرير من ورائه؛ وتصف أعمال الفدائيين البطولية الجهادية بالحقيرة وتسب وتشتم كل من يدافع عن شعبها، وتزج بهم في السجون وتعذبهم وتضع الشيخ القعيد (الشهيد بإذن الله) أحمد ياسين - رحمه الله - تحت الإقامة الجبرية، وتجمّد الأموال وتصادر الأسلحة التي يدافع بها شعبنا عن نفسه أمام عدو مجرم متغطرس، وأخطر من ذلك بناء المناهج التعليمية على تضييع الحقوق والتنازل عن الثوابت.
وعندما تسلم المصلحون زمام القيادة بتشكيل حكومة فلسطينية كانت حركة حماس ترغب في ضم كافة الفصائل الوطنية والإسلامية إلا أن أسبابا غير واضحة دفعتها لرفض العرض الكريم من رئيس الوزراء إسماعيل هنية بالانضمام إلى الحكومة رغم أنها ليست بحاجة إلى تحالفات فقد اكتسحت مقاعد المجلس التشريعي بطريقة مبهرة.
في الحقيقة . . الوضع أكثر من خطير فقد وصل المصلحون إلى الحكم منذ قرابة العام وفي جعبتهم الكثير من الخطط الإصلاحية غير أن هذه الخطط اصطدمت بفساد متغلغل يقيد مناحي الحياة بشكل بشع؛ إذ أن الاعتقاد السائد لدى العامة أن غالبية موظفي الحكومة كسالى ولا يرغبون في إنجاز أعمالهم بالسرعة المطلوبة إلا أن الحقيقة هي عدم توفر كفاءات للقيام بالأعمال المناطة بهم.
فبعض الوزارات والمؤسسات الحكومية لا يوجد بها موظفين وأقل مرتبة وظيفية بها هي رئيس قسم، والبقية مدراء ومدراء عامون يتقاضون رواتب عالية بدون مقابل يفيد المواطنين ولا يتوقف الأمر إلى هنا فهؤلاء المدراء نادرا ما تجد من بينهم من يحمل الشهادة الجامعية الأولى بغض النظر عن المعدل التراكمي وسنوات الخبرة، و يأخذ الدوام الرسمي عند هؤلاء طابع المزاجية كما تعودوا مسبقا ناهيك عن الأجهزة الأمنية القائمة على حماية المستوطنات وحراسة الرتب ومنع الاحتجاج على ظلم السلطة.
وبهذه الطواقم الخاملة الجاهلة بأسس وأساليب العمل السليمة، أضف إلى ذلك تعطيل القضاء الفلسطيني بشكل متعمد، ودعم الرئاسة لجميع المخالفات التي يفتعلها الموظفون الفتحاويون والمشبوهون لم تستطع الحكومة أن تنفذ برنامجها وتجسد الإصلاح والتغيير بالسرعة التي يطمح لها شعبنا المكلوم.
وبالنظر إلى السجل الأسود الذي لطخ أيدي المناضلين السابقين من حركة فتح بالدماء الطاهرة الزكية بدءا بالشهيد بإذن الله محمد أبو نقيرة في رفح عام 1992 مرورا بجبر الضميري في طولكرم، وصولا إلى الحقبة السوداء المظلمة التي مرّ بها شعبنا تحت سلطة فلسطينية مجرمة منذ عام 1994 وحتى سقوط الحل العلماني الأخرق في الانتخابات البرلمانية عام 2006 نجد أنه لا مجال للتفاهم مع هذه الحركة بحال من الأحوال.
وحتى نصف الحل لا بد من النظر إلى القضية بتفحص وتدبر فكلما دعت الحكومة إلى الحوار والتفاهم بدأت المشاغبات وأعمال العنف والتصريحات المحمومة التي تصب جامّ غضبها على رموز حركة حماس والحكومة الفلسطينية، ومرت الأحداث المفتعلة كالعواصف من الإضراب إلى تكسير الوزارات والمؤسسات العامة والجمعيات الخيرية، وإغلاق الطرق ووضع الحواجز، وإطلاق النار على المواطنين الآمنين.
وأعلن محمود عباس وهو يقف إلى جوار كونداليزا رايس عن وصول مباحثات تشكيل حكومة وحدة وطنية إلى طريق مسدود مما عقّد الأمور وشكلّ في اعتقادي الجازم إشارة إلى انطلاق موجة من أعمال الشغب والفوضى.
كل هذه الغوغائية والجراحات الدامية يمكن احتمالها لتجاوز مرحلة الشد والجذب بين المسلمين وخصومهم من مشركي فلسطين إلا أن محاولة اغتيال سيادة رئيس الوزراء
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع