د حسن أبو حشيش لقد آثرت في الأسابيع الماضية أن أبتعد بالقدر المستطاع عن اللهجة القوية في المقالات مساهمة مني في التهدئة الإعلامية والسياسية ولكن على ما يبدو أن الأحداث أكبر من…
د. حسن أبو حشيش
لقد آثرتُ في الأسابيع الماضية أن أبتعد بالقدر المستطاع عن اللهجة القوية في المقالات , مساهمة مني في التهدئة الإعلامية والسياسية, ولكن على ما يبدو أن الأحداث أكبر من ذلك , وأعقد مما نتصور , وهي تحتاج لجرأة قوية في الطرح والكتابة حيث باتت الجرأة والإنصاف من الجهات ذات العلاقة مفقودة في الكثير من المواطن التي تحتاجها , ولا نراها إلا بشكل وظيفي سياسي ضيق.
فالأجواء التي سادت الأراضي الفلسطينية في أعقاب لقاء مشعل وعباس في دمشق بكل ما تغنينا به من أبعاد ودلالات , وتلك التحركات الإيجابية التي سادت قطاع غزة من حوار وتصميم من الجميع على التوصل لتفاهمات حول حكومة الوحدة الوطنية... لم ترق لطرف خارج المعادلة الوطنية وهو اللاعب الأساس , والمالك الرئيس للأموال والمقدرات , والحاكم والآمر الأول في توتير الساحة أو تهدئتها.
لذا كان هذا التدهور غير التدريجي والمخطط والمبرمج له قد تجاوز كل المرات السابقة في التوقيت و التخطيط والتنفيذ وطريقة الاستهداف والأهداف نفسها... لدرجة اقتحام مسجد الهداية في مدينة غزة وهو هادئ جدا وفي مربع امني خاضع لجهاز الأمن الوقائي ولم يشهد الحي ولا المكان أي توتر وأي احتكاك وأي مشكلة ..والعبث به وتصفية ثلاثة من خيرة رواده. ووقفتُ مليا على نوعية هذه الأحداث ,وتساءلت في نفسي سرا وعلانية من يملك أن يزودنا بمعلومات عما يحدث؟! ولماذا يحدث ؟! وعدتُ لأجيب على نفسي بأن تفكيك الأزمة بأيدينا وتعقيدها بأيدنا.
نعقدها ونساهم فيها من خلال التستر على الجاني رغم أنه لم يعد يخشي أحدا ويهدد عبر الفضائيات ويعلن قبوله بالارتهان للموقف الأمريكي والصهيوني , ونفككها برفع الغطاء التنظيمي عنه , وقول الحقيقة ولو كانت مرة , والتحرك الجماهيري والإعلامي ضده.
ودعوني هنا أفرق بين خطأ في السلوك لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها , وبين سلوك مخطط ومبرمج له . إنني أُقرأن حركة حماس كتنظيم قد تقع في زلات وأخطاء ميدانية نرفضها ونعلن على الجميع إدانتها. ولكن الأخطر هو عملية الانتحار السياسي والتنظيمي المخططة لحركة فتح بقيادة مجموعة قليلة ولكنها متنفذة وقادرة , تخطط وتنفذ وتوتر وتفعل كل شيء باسم فتح في سلوك تدميري لتاريخ حركة فتح على مدار العقود الأربع الماضية , فلا أدري هل خطاب إعلان الحرب في ملعب اليرموك يخدم حركة فتح ؟! وهل اقتحام وحصار المساجد وتنفيذ مذبحة فيها يخدم فتح؟!
وهل حرق المؤسسات السيادية والمحلات وإغلاق الطرق والتباهي بذلك وسط الاحتلال وأمام الإعلام يخدم فتح؟! وهل اختطاف الصبية والأشبال من متنزهاتهم في نابلس وخلق الافتراءات يخدم فتح ؟! وهل تحزب الأجهزة الأمنية واستخدام بعضها لتوتير الساحة يخدم فتح ؟! وهل التهديد المستمر بقطع الحوار الوطني, وقصر النفي في الحوار الداخلي ,أمام طول النفس مع الاحتلال والصبر بدون فائدة يخدم فتح ؟! وهل المشاركة بشكل مباشر وغير مباشر في الحصار وتعطيل الحكومة العاشرة وسحب الصلاحيات يخدم فتح ؟!إن هذه التصرفات وغيرها بات الشارع يدركها ويدرك من يقف وراءها وما أهدافها ,وبالتالي إذا نجح هذا السلوك في جر الساحة وخاصة حماس إلى الفعل ورد الفعل , والموقف الإعلامي والموقف المضاد , ووتر الساحة وعكر صورة حماس لأسباب عديدة , إلا أنه دمر حركة فتح , وأعادها مئات الخطوات إلى الوراء , وعمق جرحها النازف , وزاد من الشرخ في بنيانها؟!.
وفي الوقت الذي ندعو حماس لليقظة والحكمة وتفويت الفرصة والعمل على فضح المخطط مع المخلصين من أبناء شعبنا .فإني أدعو محترمي فتح ومخلصيها وأطهارها إلى التحرك للحفاظ على طهارة تنظيمهم والحفاظ على ميراثهم الكبير , ويرسخوا الوفاء لدماء قادتهم . وإنني أعلم وأدرك أن الكثير من القادة غير راضين عما يحدث باسمهم ولكن صمتهم لا يعفيهم من المسئولية الأخلاقية والتنظيمية والوطنية فهذا تاريخ يدون ويسجل ولا رحمة فيه.
ولعل الأعجب في هذه الإحداث هو حالة التبعية وازدواجية المعاير للجنة المتابعة فلم نسمع صوتها تجاه الجرائم الجديدة في وقت سمعناه في مواطن عديدة غير منصفة ولا دليل لديها إلا الانحياز ضد حماس والحكومة ولكنها مازالت تخشى قول الحق ضد المعتدين, كما أن هذه الجرائم حدثت وسط حملة علنية وسرية لتهديد وسائل الإعلام لمنعها من التغطية وكشف الحقائق.
واخلص القول أن حجم المؤامرة الكبير يجب ألا يمنعنا من الصبر على الحوار بجانب التكاتف في كشف المستور وفضح أبعاد المؤامرة. ولا يحسب أحد أنه في منأى عن الأذى فهذا الفريق لا يعمل لمصلحة فتح ولا حماس ولا الشعب ولا الفصائل. وإن كانت المسئولية جمعاء إلا أنني احمل مخلصي فتح المسئولية الكبرى كون أن المعركة الأمنية والسياسية المصحوبة بالحرب الإعلامية كلها تدور باسم فتح , وتحتمي بتنظيمها , وتخدع أبنائها. فالأمر يحتاج وقفة تاريخية وجادة مع الذات وعليهم ترك العواطف التي تدغدغها أبواق إعلامية معروفة في تاريخا وعلاقتها وأماكن تربيتها, ولنجعل من الاعتداء على مسجد الهداية نقطة تحول ومحطة مراجعة نهائية.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع