ينسحب عام مخلفا وراءه محطات بالغة الأهمية على طريق استعادة هذه الأمة قدرتها على التصدي لعدوها ومن يسعون إلى المضي في سياسة إذلالها في المقابل ينسحب العام مخلفا وراءه ذكريات مريرة…
ينسحب عام 2006 مخلفاً وراءه محطات بالغة الأهمية على طريق استعادة هذه الأمة قدرتها على التصدي لعدوها، ومن يسعون إلى المضي في سياسة إذلالها. في المقابل ينسحب العام 2006 مخلفاً وراءه ذكريات مريرة عن الموت والتعذيب في العراق، وعن الموت والتعذيب في فلسطين وأفغانستان، فضلاً عن عشرات الآلاف من الأسرى الأبطال في العراق وفلسطين، ومعهم وعلى خطاهم آلاف مؤلفة من المعتقلين الذي تزدحم بهم السجون في كل مكان، لا لشيء إلا أنهم بشروا بعزة هذه الأمة تحت لواء دينها وشريعتها.
هو عام مهم من دون شك، لكنه استمرار لذات المسيرة التي بدأت منذ أيلول عام 2000، عندما اكتشفت هذه الأمة، واكتشف الشعب الفلسطيني البطل عبث الركض وراء أوهام السلام مع عدو بشع يقف من خلفه نظام إمبريالي لا يلقي لكرامة هذه الأمة بالاً من قريب أو بعيد. إنه تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى، وهو ذاته تاريخ الصعود لهذه الأمة.
وعندما أرادوا أن يكون احتلال العراق سداً يوقف ذلك الصعود ويحرفه نحو الاتجاه المعاكس، أي جعله مقدمة لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً وجغرافياً وثقافياً.. عندما أرادوا ذلك شاء الله أن ينقلب السحر على الساحر، فكان المسار مختلفاً تمام الاختلاف، الأمر الذي توقعناه بناءً على معرفتنا بهذه الأمة وأسرار نهوضها، فيما لم يتوقعه الجهلة من المحافظين الجدد وأتباعهم في الولايات المتحدة.
كانت انتفاضة الأقصى رافعة لهذه الأمة، وبالطبع عبر تكريس ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد، ومن هنا تحول احتلال العراق إلى محطة صعود أخرى، حيث دخل جنود أكبر إمبراطورية في التاريخ البشري في مستنقع لن يخرجوا منه سالمين قبل أن يدفعوا الكثير سياسياً واقتصادياً، وقبل ذلك أخلاقياً عبر سقوط نموذجهم الأخلاقي في أبو غريب والفلوجة والبصرة وسواها، فضلاً عن غوانتانامو وسجون أفغانستان.
على وقع تحول العراق ومن قبله فلسطين وأفغانستان إلى روافع للأمة، كانت الجماهير العربية والمسلمة تعلن بداية التمرد على أزمنة الطواغيت والانحياز لمن يعبرون عن هويتها، فهناك في فلسطين كان الانتصار الانتخابي وفي مصر وفي الصومال وفي مناطق كثيرة كان الناس يعودون إلى دينهم وهويتهم على نحو لم يعرف منذ قرون. من المحيط إلى الخليج، ومن طنجة إلى جاكرتا، ومن الغرب إلى الشرق حيثما يوجد من يوحدون الله، تنتشر في العالم صحوة إسلامية عارمة، وشعور جمعي بأمة واحدة تتصدى لعدو واحد تتعدد أسماؤه وأشكاله. عدو واحد يريد تغيير هويتها وسرقة ثرواتها ووضعها رهن التبعية.
منذ زمن طويل لم تعرف الأمة مثل هذه الحيوية. ولا يغرن البعض ما عليه حال الأنظمة، وما عليه حال الأعداء من غطرسة عابرة، فقد باتوا يدركون أنهم في طور التراجع، وأن هذه الأمة في طور الصعود، وعندما يقول 57 في المئة من الإسرائيليين إن بلادهم تتعرض لتهديد وجودي، ففي ذلك ما يشير إلى شعور واضح بأن الطرف الآخر يعيش طور نهوض لا طور تراجع وخمول.
حين يقول خبير سياسي بوزن ريتشارد هاس (مدير التخطيط السابق بوزارة الخارجية الأمريكية) إن زمن الهيمنة الأمريكية على المنطقة قد ولى، فينبغي على الجميع أن يسمعوا، فكيف حين يشير إلى أن قوى التغيير القادمة ستكون محلية تحديداً القوى الإسلامية؟ لكننا لا نعتمد في واقع الحال على تحليلات هاس، فقد قلنا ما قاله منذ سنوات منذ التحضير لاحتلال العراق، ولم يتغير رأينا بعد ذلك، لا سيما بعد التراجع المزري للأنظمة العربية أمام السطوة الأمريكية، كما لن يتغير بسبب ما جرى في الصومال أو بسبب تبشير البعض بالمشروع الفارسي وصعوده، بصرف النظر عما وراء ذلك التبشير. العالم من دون الحذاء الأمريكي سيكون أفضل، وسيكون بوسعنا نحن المستضعفين أن نتحرك بحرية في اتجاه تحقيق أهدافنا، "ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً". صدق الله العظيم .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع