لا يختلف اثنان على أن الساحة الفلسطينية اليوم تعيش حالة داخلية صعبة ومعقدة ولأن ضربات العدو تزيد من لحمتنا أما الفتنة الداخلية فتذهب ريحنا وتضعف شوكتنا كانت هذه الأحداث الأخيرة…
لا يختلف اثنان على أن الساحة الفلسطينية اليوم تعيش حالة داخلية صعبة ومعقدة ... ولأن ضربات العدو تزيد من لحمتنا أما الفتنة الداخلية فتذهب ريحنا وتضعف شوكتنا ... كانت هذه الأحداث الأخيرة ، إضافة إلى تعقيدها مؤلمة جداً .
وإن كان جائزاً للعامي ( وهو غير جائز ) أن يريح نفسه من مهمة التدقيق والتشخيص فيما يجري ومن ثم الخلوص برأي واضح ليختار لنفسه الدرب الأسهل فيتهم ويشتم الجميع دون عناء غير مفرق بين الظالم والمظلوم أو المعتدي والمعتدى عليه أو بين الضحية والجلاد ... فإن هذا الموقف السلبي لا يليق بمثقف أو متعلم ، وعليه فلا بد من وضع النقاط على الحروف وكشف اللثام ومحاولة إزالة الغبش المقصود للتشويش.
يبدأ القتل ثقافة وتربية قبل أن يظهر سلوكاً وممارسة ... وحين تغيب خشية الله وينسى اليوم الآخر وحسابه العدل الفصل من حسابات الناس ... حين تختفي مصالح الوطن العليا لصالح الحزبية المقيتة أو التجارة الرخيصة أو التعصب الأعمى ... فعندئذ توقع لكل الخطوط الحمراء أن يتم تجاوزها دون حساب .
في مسيرة نضال شعبنا الطويلة منذ ابتداء ثورته الحديثة عام 65 حدث كثيراً وكثيراً جداً أن قتل الأخ أخاه ورفيق السلاح رفيقه ، وسالت دماء الأشقاء على أيدي بعضهم البعض ، وبل وحتى أبناء التنظيم الواحد حين كان يقع الاختلاف ... حدث هذا في الأردن ومخيماتها ، ثم انتقلت التجربة إلى لبنان .. وشهدنا هناك بحق وبكل مرارة الحرب الأهلية بكل معانيها المؤلمة القاسية بل القذرة ..
وإنا إذ نسأل الله أن يحمي فلسطين وأهلها من كل شر لنتساءل السؤال المخيف كي نتجنب وقوعه لماذا لم تقع الحرب الأهلية في فلسطين رغم رهان الكثيرين عليها ؟؟!! ورغم توفر أرضيتها من الاختلافات وتوفر أدواتها من السلاح ؟؟!! وعلى الرغم من دفع الأعداء إليها وتخطيطهم لها ؟؟!! ..
أبسبب وجود الاحتلال الذي يقتل ويسفك الدماء مما يوحد الناس على حربه وينسيهم خلافاتهم ؟! نعم وهذا السبب هام جداً ... لكنه ليس الوحيد فها هو الاحتلال الأمريكي في العراق لم يمنع الحرب الأهلية الدائرة هناك ... فما هو السبب إذاً ؟؟
يمكنني القول بكل ثقة ومسؤولية أن سبب عدم اندلاع الحرب الأهلية هنا هو وجود حركة حماس وأبناؤها الأبرار وقيادتها الحكيمة التي تخشى الله وتحسب حساب اليوم الآخر وتدرك قدسية الدم المسلم وحرمته مثلما تغلب مصالح الوطن العليا على كل اعتبار ( من دون أن أهضم أو أنسى دور كل مخلص وشريف وحر داخل أي تنظيم أو خارجه ) ... ولو أن تنظيماً
آخراً ( غير حماس ) تعرض من أبناء جلدته لما تعرضت له حماس ( ولا زالت ) لكانت الحال غير الحال.
اتهموها بالعمالة للاحتلال وأنها صنيعته .. عذبوا أبناءها عندما كانوا في سجون العدو ومنعوهم من أبسط الحقوق الإنسانية ، وقتلوا واغتالوا ... ثم لما صارت لهم بعض الشوكة زمن السلطة الأولى شهدت سجونهم من التعذيب ووسائله القذرة ما تورع الاحتلال الصهيوني المجرم عن فعله ... والمسلسل طويل طويل ... والأسى يذكر بالأسى وجراح اليوم تنكأ جراح الأمس ... !! ترى لو أن تنظيماً آخر تعرض لما تعرضت له حماس عبر مسيرتها الحافلة ماذا كان يمكن أن يحدث ؟؟!!
وأنت يا أخي الفلسطيني ... يا ابن الشارع الواعي ... إن اختلطت عليك الأمور وأنت تتابع التصريحات والاتهامات المتبادلة ، ويربكك الإعلام وصنعته ... فما عليك إلا أن تعود بذاكرتك قليلاً إلى الوراء ... وتسأل من أصحاب التاريخ الحافل بحروب المخيمات والحروب الداخلية مع أبناء الجلدة على مدار مسيرتهم في الخارج ؟!.
من التنظيم الذي يحسم أبناؤه خلافاتهم الداخلية في انتخابات حزبيبة بالرصاص حتى أنهم لم يستطيعوا إقامتها بسبب ثقافة الرصاص !! ( أو بسبب الديمقراطية الزائدة ربما ) ؟!!!! من أطلق الرصاص المسمم على رموزه وكوادره الذين أصبحوا اليوم مستشارين إعلاميين للسيد الرئيس ؟؟!!.
من حاول قتل قائد المخابرات طارق أبو رجب فأصابه وقتل مرافقه ؟؟!! من ؟! ومن ؟؟!! فإذا كانت الخلافات داخل التنظيم الواحد تحسم بالرصاص فكيف مع الآخرين الذين يربونهم على أنهم خصمهم اللدود ؟؟ كيف وقد اختارهم شعبهم للمشاركة في قيادة الوطن ... هذا الوطن الذي ما رأى فيه أولئك إلا كعكة يحظر على غيرهم أن يشاركهم في قضمها ؟؟!!! وإذا كان يحلو للبعض أن يسمي ما يحدث صراعاً على السلطة فدعونا نسأل من يصارع من ؟؟ لقد كانوا في السلطة طوال السنوات الفائتة فمن نازعهم عليها ومن صارعهم عليها ...
لقد كانت حماس توجه بنادقها لصدر الاحتلال ... وعندما اختار الشعب حماس لقيادة السلطة قالت فتح إن معارضتها ستكون بناءة وليس مثل معارضة حماس ..!! فإذا هذه المعارضة البناءة تخريب وتعطيل وسهام موجهة لصدر حماس وحراب في ظهرها ... فمن الذي يصارع على السلطة ولم يستوعب تركها وهو مستعد للتضحية بكل شيء في سبيلها .
إنها ثقافة الإقصاء والتفرد ... إنها الحزبية المقيتة ... والتعصب الأعمى ... أما التماهي مع مصالح ( أو أوامر ورغبات ) الأعداء وتنفيذ أجندتهم (برغبة جامحة ) فهذا أمر آخر وعامل إضافي يضيف إلى البلاء بلاءات ..
ولست أبالغ حين أقول إن الذي حمى فلسطين من الحرب الأهلية ( رغم وجود بذورها ) هو بعد لطف الله ورعايته ... وجود حماس ... الحركة الربانية المجاهدة التي تأبى على مشروعها التحرري الكبير الطاهر أن يحرف مساره متآمر مشبوه أو غبي متعصب حاقد ... حماس ولا فخر هي من صان ويصون الوحدة الوطنية ... وهي عندهم ثقافة وتربية دفعوا ثمنها - ولا زالوا – غالياً جداً وليسوا نادمين ... الوحدة وحرمة الدم عند حماس مبدأ وتوجه .. وليس شعاراً للاستهلاك والمزايدة .
إن حماس تعرف طريقها جيداً ... وتعرف أن دورها التاريخي يتطلب منها أن تعض على الجراح دوماً ... وان تتصرف بحكمة متناهية وهي تعلم أنها تسير في حقل ألغام ، وأن موازناتها صعبة لكنه قدر الرجال والأحرار ...
حماس تعرف وجهتها جيداً ، وتعرف عدوها المركزي ... ولن تبدد قوتها وجهودها في صراع جانبي لن يستفيد منه إلا الاحتلال ... فهي لن تلتفت إلى تشويش الصغار خلفها ولن ترد على استفزازاتهم إلا بالقدر الذي ترى أنه لا بد منه كي لا تقف مسيرتها في مواجهة الاحتلال حتى دحره عن أرضنا ... وكما لا يلجأ الطبيب لبتر العضو المريض من الجسد بهدف حمايته إلا اضطراراً ، فإنه من سل بوجه حماس سيف البغي ضربته به .. أو سن عليها نصال الغدر رمته بسهامها .. ولا تفعل ذلك إلا اضطراراً ." لايحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " ، " والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون " .
وحماس رضيت وترضى أن تكون لشعبها الشجرة المباركة ترمى بالحجر فتلقي إلى راميها الثمر ... لكن لا يظن أحد من الصغار الواهمين أنها يمكن أن تكون تلك الثمرة التي حتفها في نضجها
وفلسطين ليست الجزائر ... كما أنها ليست العراق أو مخيمات لبنان ولن تكون بإذن الله ...
وكما كانت حماس صمام الأمان في السابق ... إن شعبها اليوم أحوج ما يكون لأن تظل صمام أمانه كي لا ينزلق إلى المجهول ... وظننا بحماس الرنتيسي والياسين أنها ستتجاوز المرحلة وستجنب شعبها وأمتها ويلات ما يخطط له الأعداء على أيدي الصغار ... وذلك هو قدر الكبار .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع