تعددت الجرائم والقاتل واحد !

تعددت الجرائم والقاتل واحد !

محمد خضر
2006-12-14

حين تمعنت في مشهد جريمة قتل الأطفال الأبرياء في مدينة غزة تداعى إلى ذاكرتي جريمة أخرى مؤلمة ومؤسفة راح ضحيتها أسرة كاملة من ضمنها سيدة تحمل في أحشائها جنين حيث كانت الأسرة الضحية…

 

حين تمعنت في مشهد جريمة قتل الأطفال الأبرياء في مدينة غزة، تداعى إلى ذاكرتي جريمة أخرى مؤلمة ومؤسفة، راح ضحيتها أسرة كاملة، من ضمنها سيدة تحمل في أحشائها جنين، حيث كانت الأسرة الضحية من عائلة الغلبان التي تقطن مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، وكان ذنبها الوحيد أن بعض أفرادها ينتمون لحركة المقاومة الإسلامية حماس.

في تلك الجريمة البشعة التي غاب لحظة وقوعها الضمير والعقل والدين وكل القيم والمبادئ عند مرتكبيها، كان المشهد تعجز الكلمات عن وصف بشاعته، مع أن البعض اكتفى بإدانته والمرور عنه مرور الكرام، دون أن يغفل عن ضم الضحايا إلى أعداد الذين سبقوا على مذبح الفوضى التي يطرب لازديادها كي يستغلها في مهاجمة الحكومة الفلسطينية، حتى إذا قال إن الفلتان الأمني ازداد في عهد حكومة حماس تصدقه الأرقام في ذلك، لكن ذلك لن ينطلي على من انتخب حماس مقتنعا بأنها تمثل طوق النجاة من مسلسل الضياع الذي بدأته حركة فتح عام 1993.

كالعادة لم تتورع حركة فتح والناطقين باسمها ونوابها في البرلمان الفلسطيني، عن توجيه الاتهامات المبطنة لحركة حماس بالوقوف وراء الجريمة البشعة، أي قتل الأطفال في وضح النهار، في خطوة تكشف مدى تلهف حركة فتح على كل ما يمكن أن يشكل إدانة لحركة حماس وأي موقف يمكن أن تزايد من خلاله على الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس، دون أي اعتبار لوازع أخلاقي أو قيمي أو وطني حتى !.

إن الجريمة البشعة التي راح ضحيتها أفراد أسرة الغلبان وعدم معاقبة مرتكبيها شجعت على ما يبدو أصحاب النفوس المريضة على تكرار الجريمة، لكن في اتجاه مغاير بغية خلط الأمور وإرباك الساحة الفلسطينية، وإظهار عجز الحكومة الفلسطينية عن ضبط الوضع الأمني وفشل وزير الداخلية في تحقيق الأمن للمواطنين، علاوة على رفد سيمفونية استهداف حركة فتح بوقائع حية على الأرض.

ومع ذلك، فلا يخفى على الشارع الفلسطيني حقيقة من يتجرأ على قتل المواطنين دون أي تردد؛ فمشاهد مجزرة مسجد فلسطين مازلت شاخصة في الذاكرة، وجريمة قتل ثلاثة شبان في مسيرة نصرة أفغانستان التي انطلقت من الجامعة الإسلامية قبل عدة أعوام لم تزل تحتل حيزاً من الوجدان، فيما جريمة اغتيال قائد سياسي كبير في حركة حماس وهو الدكتور حسين أبو عجوة ماثلة للعيان؛ فالقتلة الذين تم تهريب بعضهم إلى الضفة الغربية اقترفوا جريمتهم بدم بارد وكأنهم يمارسون هواية محببة لديهم، كما حدث أيضا مع قتلة الشهيد ماجد أبو درابيه الذين استباحوا حرمة شهر رمضان المبارك.

وتأتي اليوم جريمة قتل أطفال صغار بدم بارد لتشير بوضوح إلى الجهة المنفذة التي سارعت إلى المتاجرة بالدماء، في مشهد لا أخلاقي ولا إنساني ولا يمت للحس الوطني بصلة، ويعكس رغبة خفية في الانتقام قدر الإمكان من الحركة التي انتزعت السلطة بقرار شعبي في الخامس والعشرين من يناير، تلك السلطة التي كان مرتعاً لأبناء تنظيم حركة فتح وكانت غنيمة لسادتها الذين فرقتهم المصالح فأصبحوا شيعاً وباتت فتح فتوح.    

إن الجماهير الفلسطينية التي تحتضن حكومتها وتصبر على المعاناة التي تمخضت عن الحصار الدولي الظالم، مدعوة لتنتصر لخيارها الذي انحازت إليه، بعدما عرفت صدقه وأمانته وإخلاصه ورغبته الحقيقية في خدمة القضية الوطنية والتضحية من أجل استعادة الحقوق وصون عهدة الشهداء، كما أنها مطالبة بنبذ كل مجرم يتجرأ على سفك الدماء البريئة الطاهرة، ولفظ كل من يتستر على مرتكبي الجرائم البشعة بحق نسائنا وشيوخنا وأطفالنا وشبابنا، وهجر كل من يعتدي على مؤسسات شعبنا التي شيدها بتضحيات الشهداء وعذابات الأسرى وأنات الجرحى.  

كذلك، فإن الحكومة الفلسطينية مطالبة باتخاذ خطوات جريئة في فضح المجرمين والتحرك العاجل من أجل القبض عليهم مهما كلف ذلك من ثمن؛ فيجب أن يعلم القتلة أن سفك دماء الأبرياء لا يمكن أن يمر مرور الكرام، ولتطمئن الحكومة في ذلك لدعم الشارع الفلسطيني لها، ولن تستطيع أي جهة مهما كانت أن تحمي قتلة ولغوا في دماء الأبرياء.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026