باتت المفارقة واضحة وجلية في موقف الإدارة الأمريكية وحلفائها من التطورات السياسية التي تجري في بلدان المنطقة فبينما نجدها مناصرة وداعمة للحكومة العراقية الجديدة ومؤيدة ومؤازرة…
باتت المفارقة واضحة وجلية في موقف الإدارة الأمريكية وحلفائها من التطورات السياسية التي تجري في بلدان المنطقة , فبينما نجدها مناصرة وداعمة للحكومة العراقية الجديدة , ومؤيدة ومؤازرة للحكومة اللبنانية بحجة الحق في التمسك بنتائج العملية الانتخابية الديمقراطية, و تُحرض ضد المعارضة في هذين البلدين... نجدها تتبنى موقفا مغايرا تماما في الأراضي الفلسطينية , حيث رفضت الحكومة التي شكلتها حركة حماس كاستحقاق طبيعي لعملية ديمقراطية حرة, وحاصرتها , بل والتحريض الخارجي والداخلي عليها , وتجنيد حلفاء لها رضوا بلعب دور (عراب ) تخريب في فلسطين.
إنني أعتقد أن قراءة المشهد بشكله المتكامل في العراق ولبنان و فلسطين, ومعرفة جميع الزوايا المرتبطة به , والتعمق في مسببات الأحداث في هذه المناطق , مهم جدا وضروري لفهم وتحليل الأزمات التي تدخل فيها الحوارات الفلسطينية ,وذلك لتفنيد الروايات المتناقضة في تفسير المعوقات , وعدم الرضوخ للسيل الإعلامي الهادر الذي يهدف إلى النخر في نفسية الجماهير التواقة للوحدة والتفاهم , حيث باتت الرسائل الإعلامية إحدى أهم الأدوات في قلب الحقائق وتحطيم معنويات الرأي العام. والعجيب في الأمر أن المتهم دائما هي حركة حماس والحكومة الفلسطينية , والضحية دائما هي فتح ومنظمة التحرير ومؤسسة الرئاسة ... هذه المؤسسات الهادئة الوديعة التي حولت الشعب الفلسطيني على مدار أربعين عاما إلى شعب حر , ومرفه ,و خالي من الفساد, وأمواله تصل إليه بكل عدل , هذه المؤسسات والهيئات التي فاوضت الاحتلال بشراسة دون المساس بكرامة الوطن والمواطن... وجاءت حماس الدخيلة , المفروضة بالقوة , ودمرت كل البناء والطهارة والإنجاز التاريخي لعشرة ملايين فلسطيني!!! أُراقب الأمر باستهجان كبير , وأتساءل مع نفسي لماذا هذا الإصرار العجيب على تصوير حماس والحكومة على أنها حركة بشعة , لا تريد الآخر , تمارس الإقصاء ضد الخصوم , وهي التي دائما تُفشل الحوار , ولديها الاستعداد لبيع الوطن من أجل كرسي ومنصب , وأن برنامجها خيالي ومثالي وثبت عمليا أنه لا يصلح ؟! رغم أن فتح بقيت هي المالك لمقدرات الشعب على مدار العقود الماضية , والمتصرف في شئونه الرسمية , و هي التي سنت القوانين وصاغت الدساتير وتحكمت في مفاصل الحياة... وحماس هي التي إنكوت بنيران الإقصاء , والاعتقال , والتهميش ,والاتهام, و وفرض الإقامة الجبرية على رموزها...!!! وأعدتُ السؤال ثانية على نفسي ألا يوجد خطأ واحد للفصائل المتحاورة غير حماس أم أننا أمام حركات وتنظيمات وشخصيات فاقت الأخطاء البشرية ولا يجوز الإعلان عنها سببا للفشل؟!
ففي الانتخابات البلدية حماس هي التي زورت رغم أن فتح التي بيدها مقاليد الأمور من قبل ومن بعد !! وفي المفاوضات الأولى لتشكيل الحكومة وبعد تغيير صياغات عديدة لإرضاء الفصائل حماس هي التي استأثرت بالكعكة!! وفي توزيع الصلاحيات بين حكومة فتح التابعة للرئاسة وحكومة حماس التابعة لمجلس الوزراء حماس هي التي تطاولت ومارست الإقصاء وأفسدت إداريا وماليا في شهورها الأولى أكثر من الحكومات التسع الماضية رغم أنها تنازلت عن الجزء المهم من صلاحياتها الأمنية والمالية من أجل مصلحة الناس !! وتحكم ديوان الموظفين في مصالح ومصير الناس والذي هو مسيطر عليه فتحاويا رغم تبعيته لمجلس الوزراء !! وفي وثيقة الأسرى حماس هي التي أجرمت بحق رمزية المعتقلين رغم أن التوافق كان على غالبية بنودها وتم التوافق فيما بعد !! وفي مبادرة قطر حماس هي التي أفشلتها !! وفي تحركات مصر لحل صفقة تبادل الأسرى حماس هي المتعنتة !! وفي إكمال وساطة مصطفى ألبرغوثي وتشكيل الحكومة حماس هي التي تلقت أوامر من سوريا وإيران لإفشالها!! رغم أن حماس قدمت كل ما يمكن أن يُقدم في منتصف الطرق , وفتح لم تقدم شيئا , وذلك بالحقائق لا بالعاطفة حيث تنازلت حماس عن رمزية إسماعيل هنية , وقبلت اعتراض الرئيس أبو مازن على شخص الدكتور باسم نعيم, وتوافقت معه على الشخصية المرشحة , ثم قبلت بحصتها من الوزارات التي تم التوافق عليها ولا تعبر عن حجمها في التشريعي , وقبلت بفصل الأمن الوطني عن الداخلية , وقبلت بفصل الشئون المدنية عن الداخلية , وقبلت بالتنازل لفتح عن وزارتي الخارجية والإعلام , وقبلت أن يتولى المالية شخصية مستقلة نظيفة ترشحها هي , وتمسكت بالداخلية بعد تجريدها من الجانبيين السالفين ,أي تنازلت عن ثلاثة ارباع من الوزارات السيادية وعن ثلثي وزارة الداخلية , وقبلت بمحددات البرنامج المشترك للحكومة!! وبعد كل ذلك تم اتهامها بالتعطيل ,والتخدير والضحك على الرأي العام... وقالوا ومازالوا يقولون كل شيء سيء في حماس, دون أن يملكون الجرأة في مصارحة الرأي العام بحقيقة أنهم يمارسون الوصاية التي تعودوا عليها , وأنهم ينتظرون الموافقة الأمريكية والإسرائيلية على كل الخطوات والأشخاص. إن ما يحدث هو مس لكرامة الكل الفلسطيني ولا يضر بحماس لوحدها بل بكل القضية الفلسطينية, وعلينا أن ندرك أن أحبال الإدارة الأمريكية على قوتها ومتانتها لن تجدي كثيرا , وعلينا التوقف عن منهج الإسقاط النفسي في تفسير السلوك , و الإقلاع عن تلوين وتزوير الحقائق , والبعد عن استغلال حاجة الناس , فالأمر يمس الوطن ومكوناته, وشمس الحقيقة لا تغطى بغربال الدعاية السوداء.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع