الانتفاضة الثالثة قادمة لكنها لن تكون في فلسطين وحدها ولكن في كل أرجاء الوطن العربي الجريح الذي كفر بالطاغوت وسئم حياة الذل والخوف والقهر وشعب فلسطين يشكل طليعة الانتفاضة العربية…
الانتفاضة الثالثة قادمة لكنها لن تكون في فلسطين وحدها، ولكن في كل أرجاء الوطن العربي الجريح الذي كفر بالطاغوت وسئم حياة الذل والخوف والقهر.
وشعب فلسطين يشكل طليعة الانتفاضة العربية الشاملة.. ولقد أصبح هذا الشعب مؤهلاً لقيادة تلك الانتفاضة بعد طول تجربة لمعاناة إنسانية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، لقد عايش شعب فلسطين كل ألوان الألم والجوع والحرمان وانتهاك حقوق الإنسان والسجون والحصار والتدمير والجراح، ولقد صمد شعب فلسطين في وجه العدوان الإسرائيلي زمناً طويلاً، وعبر خلال صموده عن قوة إنسانية وبطولة جماعية وشخصية حضارية، ترى ماذا يمكن أن تفعل "إسرائيل" أكثر مما فعلته؟!!
لقد شكل الصمود الفلسطيني خلال الشهور الماضية انتصاراً على "إسرائيل"، وكسر غرورها وصلفها، وأوضح لها أن القوة العسكرية لايمكن أن تقهر إرادة شعب عشق الحرية، وصمم على أن يحرر أرضه بدمه وإبداعه وجهاده.
نموذج جديد للمقاومة
لقد قدم شعب فلسطين لكل الشعوب المضطهدة نموذجاً للمقاومة طويلة المدى، والكفاح متعدد الأبعاد، ولذلك فإن انتصار شعب فلسطين سيشكل أملاً لكل الشعوب المقهورة التي تعاني ظلم الاستعمار وجبروت الطغيان.
وأثبت شعب فلسطين أن إصرار الشعب على تحرير أرضه هو أقوى الأسلحة على المدى الطويل، فالآلة العسكرية تنهزم أمام قوة الإيمان، والجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح يفر أمام طفل لايملك سوى حجر وإرادة وأمل.
شعب فلسطين أثبت أيضاً أن صاحب الأرض يتمسك بها، ويظل طوال السنين يعمل لتحريرها، بينما يفر اللص الإسرائيلي بعمره، فهو لايعرف للأرض قيمة، وليس له عليها تاريخ.
ولقد تصورت "إسرائيل" ومعها أمريكا والنظم العربية التابعة أن قسوة الحصار وجوع الأطفال سوف يرغم شعب فلسطين على أن يتخلى عن حماس، لكن طبيعة الشعب الأبي المقاوم فاجأت الجميع، فحماس تزداد قوة، فهي أمل التحرير والعودة، وهي القيادة الحقيقية للتجربة النضالية، وهي حركة التحرر الوطني التي تدير الكفاح السياسي والعسكري، وهي النزاهة والشرف والصدق، فوزراء حماس يجوعون مثل شعبهم، وهم يعرفون تماماً أن "إسرائيل" تخطط لاغتيالهم، وهم يستعدون للشهادة بالتقرب إلى الله، فالنصر بيده وحده، ولايمدون أيديهم إلى مال حرام.
وشعب فلسطين يفخر بهؤلاء الوزراء الذين لاينالون من مناصبهم سوى الغرم والجهد والتضحيات، كما يفخر بقادة المقاومة والكفاح والتحرير، ولذلك كان من الطبيعي أن يخسر الذين راهنوا على أن الحصار الجائر سوف يجعل شعب فلسطين ينفضُّ عن حماس.
العرض الكريم
وحماس تصر على توحيد شعب فلسطين مهما كانت التضحيات، وهي تمد أيديها لرفاق الطريق من الفصائل الأخرى مهما اختلفت الرؤى وتباينت المواقف.
ولذلك فقد تعامل قادة حماس بكرم مع الجميع حتى مع "إسرائيل"، فالعرض الذي قدمه خالد مشعل في القاهرة بقبول دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو في مقابل هدنة طويلة المدى هو أكرم عرض يمكن أن تحصل عليه "إسرائيل"، وهو بالنسبة لها طوق النجاة الذي يمكن أن تمسك به في هذه اللحظة إذا قرأ قادتها الواقع بشكل صحيح.
الهدنة الطويلة ووقف إطلاق النار في مقابل دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود ما قبل يونيو 1967 خلال ستة أشهر وبدون تسويف أو مماطلة هو الحل الذي قدمه مشعل ل"إسرائيل" وللمجتمع الدولي وللنظم العربية، وهذا الحل هو في صالح "إسرائيل"، وإذا قرأ قادة "إسرائيل" معطيات الحاضر والمستقبل فسيدركون أن مشعل كان كريماً، فأمريكا تتعرض لهزيمة قاسية في العراق وسوف تهرب مهزومة خلال عامين على الأكثر من المنطقة كلها، وعندئذ سوف ينكشف ظهر "إسرائيل"، وستتوجه كل قوى المقاومين العرب للحرب ضدها.
البديل هو الانتفاضة
لكن إذا لم يفهم قادة "إسرائيل" ولم يستجيبوا فإن البديل هو انتفاضة ثالثة تستمر حتى تحرير القدس، والانتفاضة هذه المرة سوف تكون شاملة، وستكون بداية لانتفاضة عربية شاملة.
في الواقع العربي أن كل من يقرأ الأحداث يدرك أن الشعوب العربية كلها قد ضاقت بحكامها وكرهت تبعيتهم الذليلة لأمريكا، ولقد ساهم الحصار على شعب فلسطين، ومشاركة النظم العربية في فرض هذا الحصار في زيادة كراهية الشعوب العربية لحكامها، وزيادة الغضب الذي يمكن أن ينفجر قريباً.
معظم الشعوب العربية تعاني الفقر والحرمان بسبب الفساد الذي استشرى في النظم العربية، والنهب المنظم للثروات العربية إلى بنوك أمريكا وأوروبا.
ولقد أصبح هناك وعي عام لدى كل الشعوب العربية بأن نظمها التابعة لأمريكا لن تحقق لها تنمية أو تقدماً، وأن الحال سيزداد سوءاً، وأن معظم النظم العربية قد انقلبت على بعض المكتسبات الشعبية مثل مجانية التعليم، وهذا يعني أن المستقبل في ظل تلك النظم سيصبح أسوداً.
هناك أيضاً وعي عربي عام بأن أمريكا هي التي صنعت الحاضر العربي المظلم، وأنها أفقرت الشعوب العربية بالديون وفوائدها، وشجعت الفساد، ومنعت هذه الشعوب من تقرير مصيرها، وقيدت حقها في التحول الديمقراطي. وإذا كانت أمريكا والنظم العربية قد شكلت ذلك الواقع العربي الكريه، فإن الشعوب لن تخضع للظلم الأمريكي إلى الأبد.
انتفاضة عربية شاملة
لذلك فإن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة سوف تكون بداية الانتفاضة العربية الشاملة ضد الطاغوت الأمريكي والاستبداد المحلي وضد الفقر والتبعية، ومن المؤكد أن الشعوب العربية سوف تكسر الحصار الظالم المفروض على شعب فلسطين الذي يقدم للشعوب العربية نموذج المقاومة.
الانتفاضة العربية الشاملة سوف تمد شعب فلسطين بقوة لايمكن أن تتخيلها "إسرائيل"، وتخيلوا معي أن 300 مليون عربي قد انتفضوا، فهل يمكن أن تقف أمامهم قوة مهما بلغ تجبرها وطغيانها؟!
الانتفاضة الفلسطينية الثالثة ستعيد تشكيل العالم العربي الذي ينتظر الشرارة ليبدأ انتفاضته الشاملة، وعندئذ ستعيد الشعوب العربية تشكيل الجغرافيا والتاريخ.
برغم كل الآلام والجراح ونزيف الدم والحرب الأهلية في العراق، فإن هناك حقيقة تبدو ساطعة وواضحة هي أن أمام أمريكا طريقاً وحيداً للخلف، وأن الانسحاب هل الحل الوحيد المتاح أمامها، وأن وجودها في المنطقة العربية قد انتهى.. وأن عصراً جديداً قد بدأ.
لذلك فإن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة سوف تكمل مسيرة التحرير التي بدأت في العراق على مستوى الوطن العربي كله، إن أمام قادة "إسرائيل" فرصة تاريخية هي أن يقبلوا عرض خالد مشعل الكريم ويتركوا شعب فلسطين يقيم دولته المستقلة على حدود 1967، ولكني أعتقد أنهم لا يمتلكون الحكمة والذكاء ليقبلوا هذا العرض، وسوف يمنعهم غرورهم من رؤية الحقائق، وعليهم أن ينتظروا المفاجأة الكبرى انتفاضة فلسطينية ثالثة، تشكل بداية لانتفاضة عربية شاملة ضد الاحتلال والاستعمار والطاغوت والظلم والاستغلال، تلك الانتفاضة قادمة ربما بأسرع مما نتخيل.. والأيام القادمة حبلى بهزائم مريرة لأمريكا و"إسرائيل".
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع