مصطفى الصواف لازال الحوار والتشاور حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية يراوح مكانة ويصطدم بالعديد من العقبات التي تجعل الأمل في تشكيل الحكومة يخبو شيئا فشيئا الأمر الذي…
مصطفى الصواف
لازال الحوار والتشاور حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية يراوح مكانة ويصطدم بالعديد من العقبات التي تجعل الأمل في تشكيل الحكومة يخبو شيئا فشيئا، الأمر الذي يحدث حالة من القلق في الشارع الفلسطيني بعد أن انعقدت الآمال على هذه الحكومة في إمكانية أن تكون خطوة نحو كسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني.
ولكن السؤال، من يقف حجر عثرة أمام التوصل إلى اتفاق حول تشكيل الحكومة، طالما أن هناك حوارا انطلق على أساس من مبادرة الدكتور مصطفى البرغوثي، ونقاطها الخمسة التي تم التوافق عليها بين الأطراف الفلسطينية وتحديا الرئاسة والحكومة، وحركتي فتح وحماس ؟.
لقد قطعت المشاورات شوطا لا بأس به بين الجانبين وتم رسم الخطوط العامة لهذه الحكومة التي سيشارك فيها كل الطيف السياسي الفلسطيني وفقا لنتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، وكان من ضمن الاتفاق الذي انطلقت المشاورات عليه أن تقوم الفصائل كل حسب نسبته في التشريعي بتسمية وزرائها للحكومة على أن لا يكونوا رموزا في تنظيماتهم أو لونهم التنظيمي صارخ، وان يكونوا من أصحاب النزاهة والكفاءة، وعليه تمت المشاروات.
لكن المضحك ذلك القول الذي خرج يقول إن حركة فتح لا تريد وزارات ويكفيها التوافق على البرنامج السياسي للحكومة، علما أن البرنامج السياسي للحكومة متفق عليه وهو وثيقة الوفاق الوطني التي تم التوافق عليها فلسطينيا والتي استندت على وثيقة الأسرى التي أقامت حركة فتح والرئيس عباس الدنيا عليها ولم تقعدا حينها واعتبراها نهاية الدنيا.
ولو كان هذا الادعاء صحيح، أن حركة فتح لا تريد وزراء وهي زاهدة فيها، وهذا قول مردود على حركة فتح، التي لم تستوعب حتى اليوم نتائج الانتخابات وتريد العودة إلى العهد الماضي وبأي ثمن حتى لو كان مصلحة الشعب الفلسطيني العليا، وحركة فتح اليوم تريد بأي شكل من الأشكال الالتفاف على نتائج الانتخابات التي أقصتها عن الحكم، وهي لا تريد أن تشارك الجميع في إدارة الأمور، وتسعى أن تكون متفردة كما كانت وتقصي الجميع، أو تستخدم البعض ديكورات لتجميل موقفها كما كان يحدث في الماضي أبان منظمة التحرير الفلسطينية وكما يحدث الآن في اللجنة التنفيذية.
إن ما يعزز ما نقول في حق النقض الفيتو التي تقوم به حركة فتح، بدأ من رئيس الوزراء الذي قدمته حركة حماس في بداية المشاورات كمرشح لها في الدكتور باسم نعيم ، هذا الرجل المعروف بالاستقامة والنزاهة والقدرة العالية على إدارة المؤسسات وهذا ما أثبته في وزارة الصحة التي يقف على رأسها ، وكيف استطاع أن يحدث تغييرا في هيكليتها المترهلة ويوقف حالات الفساد والتسيب الإداري والمالي في مؤسسات الوزارة .
إن اعتراض الرئيس أبو مازن على باسم نعيم ، لم يكن بسبب أن الرجل من قيادات حماس البارزين واللامعين ، وان هناك من يقدح فيه ، فهو الذي يحمل درجة الدكتوراه في الطب وله علاقاته المتميزة مع العالم الخارجي سواء العربي أو الدولي ، ولا اعتراض أمريكي أو أوروبي أو إقليمي على شخصية الدكتور باسم نعيم.
ولكن المشكلة الأساس أن فيتو حركة فتح على شخصيته جعل أبو مازن يتخذ موقفا في الاتجاه السلبي تجاه الرجل ويرفضه وذلك استنادا لرفض حركة فتح لشخصية نعيم الذي استطاع أن يوقف النزيف الداخلي لوزارة الصحة الفلسطينية الأمر الذي لم يرق للمتنفذين في الوزارة من حركة فتح التي تسيطر على الوظائف الإدارية العليا في الوزارة والتي تأثر كثيرا بوجود الدكتور نعيم والذي عمل على إعادة تشكيل هيكلية الوزارة من جديد للنهوض بها الأمر الذي اعتبرته حركة فتح وكأنه إقصاء وتهمش، شماعة فتح الجديدة ، علما انه لم يتم فصل أي من العاملين ولا المس بدرجته الوظيفية.
واليوم المشكلة التي تحول بين إتمام الاتفاق هو وزارة الداخلية والمالية واللتان تشكلان عصب أي حكومة في العالم، وليس كحكومتنا، فالحكومة القادمة هي حكومة حماس، وهذه وحدها أم العقبات أمام حركة فتح التي قادت النضال على مدي العقود الأربعة كما يحب أن يصور البعض هذا الأمر، وهذا فيه ما فيه من المغالطات مع عدم إنكار دور حركة فتح، ولكن لا يلغي أن الجميع شارك في مقارعة الاحتلال قبل أن يكون هناك فتح أو غيرها من التنظيمات الفلسطينية.
وأمام حق النقض الفيتو من قبل حركة فتح على تولي حركة حماس المسئولية في الحكومة القادمة لحقيبة الداخلية بات ذلك يشكل عقبة أساسية أمام إتمام تشكيل حكومة الوحدة، وقصة أن يتولى مستقل هذه الوزارة هي لعبة مكشوفة الهدف سحب الوزارة التي تشكل احد أركان الحكومة، وتفريغها من مضمونها عبر المستقل الذي لا يملك القدرة والسيطرة على مثل هذه الوزارة ويكون الوزير الفعلي لها هو المدير العام للأمن الداخلي أيا من يكن ، وهذا يعني أن هذه الوزارة ستكون في نهاية المطاف تحت سيطرة حركة فتح والتي تتولى قياداتها رئاسة كل الأجهزة الأمنية استنادا إلى سياسة التفرد والتهميش الإقصاء التي اتبعت في السنوات الماضية، وهذا الأمر يعيدنا إلى السخرية مرة أخرى من القول أن فتح لا تريد وزارات .
لذلك باتت سياسة حق النقض الفيتو التي تمارسها حركة فتح خلال المشاورات عبر الرئيس محمود عباس سوف تعمل على تعطيل التوصل إلى اتفاق ، أو ربما تقضي على ما تم التوصل إليه ويعود الجميع إلى مربع الصفر، وحالة المناكفات والتصريحات التي بدأت من قبل المتحدثين من حركة فتح والتي ارتفعت وتيرتها بعد حالة الهدوء التي عاشها قطاع غزة الفترة الماضية وهذا يعطي دليلا آخرا على أن حالة الفوضى والانفلات الأمني والتظاهرات والنزول إلى الشوارع لم يكن عملا برئا بقدر ما هو عمل مسيس ومنظم ويقف خلفه تنظيم كبير كتنظيم حركة فتح.
أما الرئيس محمود عباس فيبدو من خلال سير عملية المشاورات حول تشكيل الحكومة قد بدأ بالتراجع عن الأسس التي تم الاتفاق عليها، ومن هذه الأسس ما يتعلق بالوزارات حيث ترك الأمر للفصائل كي تسمي هي ما تراه مناسبا من الشخصيات وفق المعايير التي تم تحديدها بين حركتي فتح وحماس، على أن يبقى موضوع رئيس الوزراء الجديد يتم بالتوافق بين الرئاسة والحكومة.
إلا أن تمسك الرئيس محمود عباس بأن يتولى ترشيح الوزراء للوزارات السيادية الثلاث الخارجية والمالية والداخلية، أمرا يشكل تراجعا من قبل الرئيس على ما تم الاتفاق عليه، وان هناك من يمارس عليه ضغطا في هذا الأمر، ولا نعتقد أن ذلك خارج عن نطاق حركة فتح في المقام الأول، هذا إلى جانب قضايا أخرى لا تفسر إلا بكونها تمثل تراجعا من الرئيس عباس عن ما تم الاتفاق عليه، ومن أهم ذلك قضية تشابك المسارات وتداخلها، الهدنة والجندي المأسور وإطلاق سراح الوزراء والنواب المعتقلين لدى الجانب الإسرائيلي الذين نص الاتفاق بحقهم أن لا تنصب الحكومة الجديدة قبل الإفراج عنهم من قبل إسرائيل.
إن إصرار الرئيس محمود عباس على موقفه من فرض شروطه الجديدة قد يعطل التوصل إلى تشكيل حكومة الوحدة، خاصة أن لا اعتراضات لدي الإدارة الأمريكية والأوروبية على الشخصيات غير اللامعة سواء من حماس أو غير حماس، فالدكتور سمير أبو عيشة وهو شخصية مستقلة قد تكون قريبة من حركة حماس لماذا يرفض من قبل الرئيس محمود عباس لشغل منصب وزير المالية ويصر الرئيس على أن تكون هذه الوزارة للوزير السابق سلام فياض والذي يشكل حالة جدلية، وترفض حركة حماس أن يكون فياض وزيرا للمالية لأنه لا تنطبق عليه الشروط المواصفات التي وضعت للشخصيات التي ستتولى الوزارات.
فإذا كانت حركة حماس قد وافقت على أن تقدم التنازلات في بعض الوزارات حبا منها في ترسيخ مبدأ الشراكة السياسية الحقيقية في الساحة السياسية الفلسطينية، فهذا لا يعني بالمطلق أن تجرد حماس التي تشكل حكومة الوحدة والتي ستكون مسئولة عنها أمام التشريعي ومن قبل أمام الشعب الفلسطيني من بعض الوزارات السيادية التي لا تستقيم بدونها أي حكومة.
فحركة حماس -وهذا واضحا- تنازلت عن شخصية رمزية وقيادية كإسماعيل هنية في أن يكون على رأس الحكومة رغم أن هذا حق كفله لها القانون، وكذلك التنازل على قياداتها في أن يكونوا وزراء ، لهو دليل على ما تتمتع به هذه الحركة من حرص على ترسيخ مبدأ الشراكة والحرص على وحدة الشعب الفلسطيني ومصالحة العليا .
لذلك وأمام كل هذا ندعو حركة فتح إلى ضرورة التسليم الحقيقي بما آلت إليه نتائج الانتخابات وان لا تكون حجر عثرة أمام تشكيل حكومة الوحدة لاعتبارات نفسية أو حزبية وفئوية ضيقة، عبر وسائل مختلفة ومنها حق النقض الفيتو، وان تقبل بالشراكة السياسية الحقيقية وتغليب المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
كما نتمنى على الرئيس محمود عباس أن لا يمارس مزيدا من الضغط على حركة حماس، التي قدمت كل التسهيلات لقناعاتها أن الكل الفلسطيني يجب أن يتحمل المسئولية وتغليبها للمصلحة الوطنية العليا، وان التوافق دائما خير الوسائل للوصول إلى تفاهمات وليس الضغط، وخير دليل على ذلك ما تم التوصل إليه من اتفاق للهدنة والذي تم بالتوافق الفلسطيني من خلال التوحد وتغليب المصلحة العليا للشعب الفلسطيني وليس عبر الضغط والابتزاز الذي لن يوصلنا إلى حلول أو نتائج تخدم شعبنا وقضيتنا، بل سيؤدي إلى مزيد من الفرقة والتناحر المضر بالشعب والقضية.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع