لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية وأجهزتها الإستخبارية والاستشعارية أصيبت بالإرباك الشديد نتيجة صعود حركة حماس كقوة مقاومة إسلامية تؤمن بالمقاومة لا بالمفاوضات سبيلا لاستعادة…
لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية وأجهزتها الإستخبارية والاستشعارية أصيبت بالإرباك الشديد نتيجة صعود حركة حماس كقوة مقاومة إسلامية تؤمن بالمقاومة لا بالمفاوضات سبيلا لاستعادة الحقوق إلى سدة الحكم في أكثر المناطق حساسية في العالم، عوضا عن احتوائها وتدجينها نتيجة دخول حماس لأول مرة العملية الديمقراطية الانتخابية في فلسطين، حيث كانت أمريكا وأدواتها العلمانية التي تتخذ من السلام خيارا استراتيجيا يراهنون على قوتهم في هزيمة حماس أو على الأقل في تطويعها وتدجينها بحيث تصبح حماس أقلية في سلطة تسيطر عليها أمريكا وأدواتها، الأمر الذي عززته نتائج الاستطلاعات وقياس الرأي غير الدقيقة التي اعتمدوا عليها.
ومما لا شك فيه أن إدخال حماس للعملية الانتخابية الفلسطينية كانت احد بنود الخطط الأمريكية لاحتواء حماس تمهيدا لتذويبها والقضاء على خطرها، إلا انه وبناء على أن الرياح الانتخابية أتت بما لا تشتهي المخططات الأمريكية، فيبدوا أن الولايات المتحدة الأمريكية قررت الانتقال إلى خيارتها الأخرى لمواجهة حماس.
ويشير المراقبون إلى الولايات المتحدة باشرت بتفعيل خياراتها ومخططاتها الأخرى لمواجهة حماس منذ أعلن فوزها في الانتخابات، والتي بدأت بالعديد من الخطوات
1- الضغط على الفصائل الأخرى الكبيرة وحتى الصغيرة منها لجهة عدم المشاركة في الحكومة التي شكلتها حماس، إمعانا في عزل حماس ولتسهيل فرض الحصار عليها.
2-الضغط على الدول العربية للتجاوب مع الحصار المالي الذي فرضته أمريكا وحليفاتها الأوروبية على الحكومة والشعب الفلسطيني والذي بدا للعالم وكأنه عقابا للشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي.
3- تفعيل أمريكا لأدواتها في الداخل لترقيص الحكومة خمسة بلدي، حيث تمثلت الرقصة الأولى بالفلتان الأمني المنظم الذي قادته أجهزة وعناصر أمنية معينة، أما الرقصة الثانية فتمثلت بحملة إعلامية شديدة لجهة تشويه حماس وفض الناس عنها وتحميلها مسئولية الحصار وحرب التجويع التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، أما الرقصة الثالثة فتمثلت بتسمين مكتب الرئيس عباس ليصبح مؤسسة تنتظم فيه حكومة ظل رموزها وزراء في الحكومات السابقة عملت على سحب الصلاحيات من الحكومة لجهة شلها وإظهارها بمظهر العاجز الفاشل أمام شعبها.
فيما تمثلت الرقصة الرابعة بمسرحية وثيقة الأسرى التي نجحت حماس باحتوائها والتوقيع عليها بعد تعديلها حيث أصبحت سلاحا في يد حماس لا ضدها، أما الرقصة الخامسة فتمثلت بتشكيل حكومة وحدة وطنية أصرت حماس رغم رفض الأطراف الأخرى في البداية على أن تكون على أساس وثيقة الوفاق الوطني، ويبدوا أنها وصلت إلى قرب الإعلان عنها، رغم أن هناك عوامل قد تنسف تشكيلها أولها رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وحكومته والإفراج عن النواب والوزراء ورؤساء البلديات الأسرى في سجون الاحتلال، وهما أمران بيد بأمريكا وإسرائيل.
4- تزامنت كل الخطوات السابقة خصوصا خطوة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية مع مساعي حثيثة جرت وما زالت بتكتم وسرية لجهة إعادة الاعتبار لمؤسسة الرئاسة بعد الأضرار الجسمية التي لحقت بها إبان الحصار على القائد الرمز أبو عمار، وتسمين قوات امن الرئاسة أو ما يعرف بـ «القوة 17»، ليصل عدد أفراد هذه القوة إلى 10000 مسلح وعلى رأسهم أكفأ عناصر الأمن الوطني والشرطة من الفتحاويين الأقحاح، وأكثرهم إخلاصا للرئيس، إضافة الى ضم لواء بدر ذو التدريب الأردني والتسليح الأمريكي إلى قوات عباس.
ويقود هذه المساعي المنسق الأمني الأميركي في الضفة وغزة الجنرال كيث دايتون، رغم أن كلفة التسليح والتدريب والرواتب لهذه القوات تصل إلى نحو 300 مليون دولار قد تقتطع من أموال السلطة الفلسطينية المجمدة لدى إسرائيل بعدما رفض الكونجرس الأمريكي اعتماد صرف هذه الأموال.
وبما أن دايتون لن يسعى بالتأكيد لإنشاء قوة مسلحة قد تشكل أدنى تهديد لإسرائيل فان الهدف من هذه القوات هو ضمان هزيمة حركة «حماس» في أي مواجهة فلسطينية داخلية لا يجب استبعادها رغم المساعي الحثيثة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية،.
واللافت انه ومع بدء المشاورات لتشكيل حكومة الوحدة تم تكثيف إدخال شحنات السلاح لقوات حرس الرئاسة في الضفة والقطاع على مرأى ومسمع الجميع.
وعلى مرأى ومسمع الجميع أيضا صرح غير وزير في حكومة الاحتلال انه يجب تقوية المعتدلين في السلطة لمواجهة حماس ولوقف إطلاق الصواريخ، وتزامنت هذه التصريحات مع حملات عسكرية لم تنقطع على قطاع غزة خصوصا وحملة اغتيالات طالت النوة الصلبة لكتائب القسام على وجه الأخص، الأمر الذي يؤكد أن هدف ذلك إضعاف حماس إلى ابعد مدى ممكن قبل أن تلوح في الأفق بوادر أي مواجهة مع القوى المعتدلة في مناطق السلطة.
5- كما يشير المراقبون إلى عدة احتمالات وراء الخطوات السابقة، خصوصا بعد اليأس الأمريكي من تدجين حماس أو تطويعها، وبعد فشل كل خططها السابقة في إفشال الحكومة وإسقاطها
* الأول أن تكون أمريكا وأدواتها يعملان من خلال الإطالة في مفاوضات تشكيل حكومة الوحدة لكسب الوقت لإتاحة مزيد من الوقت أمام مساعي تسمين وتقوية قوات الرئاسة.
* الثاني إضافة لإتاحة مزيد من الوقت أمام مساعي تقوية قوات الرئاسة، تسعى أمريكا وأدواتها من خلال فشل مساعي تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، سواء فشل ناتج عن خلاف على بنود المشاركة السياسية الشاملة التي تطرحها حماس، أو فشل ناتج عن عدم رفع الحصار عن حكومة الوحدة القادمة وعدم الإفراج عن الأسرى، للوصول إلى نقطة تجمع فيه كل القوى والفصائل الفلسطينية إلى ضرورة التوجه إلى انتخابات مبكرة، تراهن أدوات أمريكا والقوى المعتدلة في السلطة أن تكون لها الغلبة فيها خصوصا بعد الإضرار الجسيمة التي لحقت بحماس وبسمعتها نتيجة تداعيات الحصار المفروض على حكومتها، ويستدل المراقبون على هذا الاحتمال بقيام أمريكا بتخصيص برنامج يقضي بتقديم التدريب والمشورة الإستراتيجية لساسة وأحزاب موالية تعارض حماس، وذلك بتكلفة قدرها 42 مليون دولار، تخصص 5 ملايين منها لمدارس فلسطينية خاصة تتولى نظاماً تعليمياً مغايراً للنظام الذي تقوم عليه حماس.
* الثالث أن يكون تسريب الأنباء عن المخططات الأمريكية عن تقوية قوات الرئاسة إحدى خطوات الحرب على حماس أي أن تكون مناورة سياسية دعائية كبيرة، تستهدف تخويف حماس مما ينتظرها إن هي استعصمت بسياساتها ومواقفها المتشددة لجهة تليين هذه المواقف والسياسات.
* الرابع أن يكون الالتزام الذي قطعه الرئيس عباس لحماس والفصائل الأخرى في اتفاق القاهرة بإعادة بناء منظمة التحرير لجهة انضمام حماس والجهاد إليها، أن تكون مجرد مناورة سياسية لتمرير أهدافا أخرى كانت أكثر إلحاحا في حينه ألا وهو التزام حماس في التهدئة وخوضها للانتخابات التشريعية، على اعتبار أنها فخ لاحتواء حماس وليس لصعودها.
وأن المماطلة المستمرة التي يبديها عباس كرئيس للمنظمة وكرئيس لحركة فتح في الشروع في خطوات إعادة بناء منظمة التحرير يؤكد ما سبق، كما يوحي بأن عباس معني وضمن مخطط أمريكي بكسب مزيد من الوقت بالتعاطي مع أي مبادرات واتخاذها كمناورات سياسية دون أي خطوة لتطبيقها كسبا للوقت الذي يراهن عليه عباس وفريقه لجهة تغيير الظروف والأوضاع لصالح خياراتهم.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع