واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا رسالة من محمد مهدى عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن والاه تمر أمتنا…
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )
رسالة من محمد مهدى عاكف
المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن والاه ...
تمر أمتنا العربية والإسلامية بتحديات ضخمة وظروف عصبية تقتضى من الحكام كما تقتضى من الشعوب اليقظة والوحدة والارتفاع إلى مستوى الأحداث .. .
فأمامنا تحدى احتلال العراق، بلاد الرافدين، ومهد الحضارة الإنسانية، وموئل الخلافة العباسية، وتحدى المذابح فى فلسطين لشعبها البطل واغتيال شيخ المجاهدين أحمد ياسين ورفاقه الأطهار، وتحدى الإصلاح الداخلى الذى بات ملحا وضروريا ولا يمكن تأجيله بحال من الأحوال، وتحدى إصلاح الجامعة العربية لتؤدى الدور الذى يجب أن تقوم به، وتحدى مواجهة الضغوط الأمريكية ومشاريع الهيمنة الواضحة التى تريد سلخ هذه الأمة من عقيدتها وثقافتها وحضارتها ... إلخ إلخ
إنها تحديات تفرض علينا إما أن نكون أولا نكون ..
إما أن نخرج العرب من كبواتهم وعثراتهم إلى أمل وأفق جديد، وإما أن يخرج العرب من التاريخ ولو إلى حين.
إن القادة والملوك والرؤساء والزعماء العرب أمام مسئوليتهم التاريخية، فهل ينجحون؟!
إن القرار المنفرد الذى اتخذته القيادة السياسية فى تونس بإلغاء – أو إرجاء – الاجتماع الدورى للقمة العربية وضع القادة أمام اختبار تاريخى حقيقى .
وإذ نرحب بالدعوة التى وجهها الرئيس مبارك لعقد القمة فى مقر الجامعة بالقاهرة لنرجو من الرؤساء والزعماء أن يعملوا على التجاوب معها والحرص على تجاوز الخلافات الشكلية ، والمحافظة على الجامعة العربية، خاصة فى هذه المرحلة الفاصلة فى تاريخ أمتنا .
لقد ظهر بوضوح تام بعد المسافة بين مشاعر وآمال وطموحات الشعوب العربية، وبين قدرات وإمكانات ومواقف الزعماء العرب .
إننى أطالب الزعماء العرب فى هذه الظروف العصيبة أن يرتفعوا فوق خلافاتهم وأن يلتقوا على كلمة سواء، وأن يعتصموا بحبل الله جميعا، وليبدأ كل منهم إصلاحا داخليا حقيقيا فى بلده الذى استرعاه الله إياه، وأن يلتقوا ليتفقوا على الحد الأدنى المطلوب فى هذه المرحلة وهو
1) رفض الاحتلال الأمريكى فى العراق، وعدم الاعتراف بأى إجراءات يقوم بها الاحتلال لتقسيم العراق، وأن تنتقل المسئولية عن العراق إلى الأمم المتحدة والجامعة العربية كى يتم انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورًا للعراق يحقق الاستقلال التام وسحب القواعد الأمريكية كما يحقق وحدة العراق كدولة واحدة، ولابد من دعم المقاومة العراقية التى تمثل ورقة الضغط الحقيقية على الاحتلال .
2) إعلان واضح بالتخلى عن الاستراتيجية الفاشلة فى التعامل مع العدو الصهيونى وعدم تقديم مبادرات من أجل السلام وعدم تجديد المبادرات القديمة التى لم يعبأ بها العدو بكل فصائله، والإعلان عن تقديم كل ألوان الدعم للشعب الفلسطينى ولفصائل المقاومة .
3) الاتفاق على الحد الأدنى من الإصلاح الداخلى فى البلاد العربية وهو
- إلغاء حالة الطوارئ وإطلاق الحريات وإخلاء المعتقلات من كافة سجناء الرأى .
- إجراء انتخابات حرة لاختيار برلمانات حقيقية فى إطار نظام دستورى نيابى .
- تحقيق المصالحة الوطنية داخل كل بلد عربى .
4) تشكيل لجنة مصغرة لبحث كافة المبادرات المتعلقة بتطوير الجامعة العربية كرافعة للعمل العربى المشترك، وتحديد مدة زمنية لها واعتماد إجراءات سريعة لإزالة الحواجز المصطنعة بين الدول والشعوب العربية .
الوحدة العربية .. والجامعة العربية
إن اهتمام الإخوان المسلمين بالوحدة العربية وبالجامعة العربية ليس حديثا، بل هو اهتمام قديم قدم دعوة الإخوان .
وأود فى هذه الظروف أن أذكر الإخوان المسلمين والناس جميعا بمواقفنا الثابتة فى هذا الصدد .
إن الإسلام فرض على كل إنسان أن يعمل لخير بلده وأن يتفانى فى خدمته، وبذلك فإن المسلم هو أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعا لمواطنيه .
والإخوان المسلمون يحبون أوطانهم ويحرصون على وحدتها القومية، وهذا الإسلام الحنيف نشأ عربيا ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه بلسان عربى مبين، وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين .
وقد جاء فى الأثر "إذا ذل العرب ذل الإسلام" فالعرب هم عصبة الإسلام وحراسه، والإخوان المسلمون يعتبرون العروبة كما عرفها النبى صلى الله عليه وسلم "إلا أن العربية اللسان .. ألا إن العربية اللسان" رواه ابن كثير عن معاذ بن جبل
ومن هنا كانت وحدة العرب أمرا لابد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه .
ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية .
فالإخوان كما يحترمون قوميتهم الخاصة، ولا يرون بأسا بأن يعمل كل إنسان لوطنه وأن يقدمه فى الوطن على سواه، هم بعد ذلك يؤيدون الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية فى النهوض، ثم هم يعملون للجامعة الإسلامية باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامى العام، وبعد ذلك فإن الإخوان يريدون الخير للعالم كله، فهم ينادون بالوحدة العالمية لأن هذا هو مرمى الإسلام وهدفه ومعنى قول الله تبارك وتعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الانبياء107)
ولا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتبار، فكل منها يشد أزر الأخرى ويحقق الغاية منها .
هذا ما أكده الإخوان على لسان مؤسس دعوتهم وبانى جماعتهم الإمام الشهيد حسن البنا الذى لم يكتف بالكلام بل ساهم فى وضع ميثاق الجامعة العربية باقتراحات ظهر معظمها فى الميثاق، ومن تلك الاقتراحات العملية التى لازال هناك أمل بوضعها موضع التنفيذ رغم مرور ستين عاما على كتابتها ما قاله الإمام الشهيد فى مذكرته التى أرسلها فى 18 سبتمبر 1944 إلى "رئيس وأعضاء اللجنة التحضيرية لمؤتمر الوحدة العربية"
وكانت فى بنود ست هى
1- تحقيق مظاهر الوحدة العامة فى الوطن العربى .
2- تحقيق الأمانى القومية ومساعدة الأمم الناشئة على نيل استقلالها واستكمال نهوضها .
3- الكيان السياسى العام للأمم العربية المتحدة .
4- تحديد الصلة بين البلاد العربية وجاراتها من الممالك الإسلامية غير العربية .
5- المطالبة بحقوق الشعوب الإسلامية المظلومة ورعاية الأقليات المسلمة فى مختلف البلاد والأقطار.
6- دراسة لون الحضارة التى يجب أن تصطبغ بها الأمة العربية، لأن الناحية الاجتماعية لا تقل أهمية عن الناحية السياسية إن لم تزد عليها .
وقد طالب وقتها الإمام الشهيد بمطالب عملية مازالت تعبر عن آمال الشعوب العربية مثل
- رفع الحواجز الجمركية بين البلاد العربية .
- منح حرية المرور والتنقل بين البلاد العربية وإباحة الهجرة والاستيطان على نطاق واسع .
- التعاون الاقتصادى وتكوين الشركات العربية المشتركة .
- تنمية التعاون الثقافى والتشريعى والعسكرى بتوحيد برامج التعليم ومناهجه وتوحيد منابع التشريع وقواعده .
كما دعا الإمام الشهيد إلى دراسة متأنية لتكوين "الحكومات العربية المتحدة" التى تحقق الكيان السياسى للأمم العربية المتحدة مع ترك الحرية لكل شعب عربى فى اختيار نوع وشكل الحكومة التى يرجوها .
وختم مذكرته بقول مازال جديرا بالتأمل إلى يومنا هذا فى مواجهة الضغوط الأجنبية نذكر به القادة والشعوب العربية .
"إننا حين نريد لأوطاننا وشعوبنا الحصول على كامل الحرية والاستقلال لا ننكر ولا نغفل أن بيننا وبين دول العالم وأممه وشعوبه صلات يجب أن تبقى ومصالح يجب أن تنظم حتى يقوم التعامل على أساس من الحب والتعاون والإنصاف"
إن هذه الآمال وتلك الاقتراحات وهاته المطالب مازالت قائمة مما يدلل بوضوح على مدى التفريط الذى قامت به الحكومات العربية المتتابعة منذ ستين عاما ولعل السبب هو الاعتراف الصريح الذى قاله الرئيس الأمريكى بوش فى لحظة صدق نادرة حيث أعلن أن أمريكا ساندت الديكتاتوريات فى البلاد العربية لمدة ستين عاما، فالاستبداد والحرص على البقاء فى كراسى الحكم رغم أنف الشعوب، هو الذى أدى بنا إلى الفشل، والتفرق والتنازع هو الذى كرس هذا الفشل، وصدق الله تعالى إذ يقول ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ )(لأنفال من الآية46)
هل نحن على مستوى التحدى ؟
إن دم الشيخ الشهيد أحمد ياسين ودماء شهداء العراق وفلسطين معلقة فوق رؤوس الحكام العرب تناديهم أن يرتفعوا إلى مستوى الأحداث وأن يراجعوا أنفسهم وأن يتخذوا القرارات الصعبة فى هذه الظروف العصيبة .
إن القمة العربية يجب أن تنعقد دون تأخير ولكن انعقادها دون اتخاذ قرارات جادة قد يعنى باختصار نهاية مرحلة من تاريخ العرب، وبداية فوضى لا ندرى ما الذى ينتج عنها وما الذى ستدمره فى أتونها ... وأذكرّ القادة العرب أن العواصف القادمة تستلزم التترس والاحتماء – بعد الله - بالشعوب .
وإننى أخاطب الشعوب العربية اليوم
إن حلم الوحدة العربية لم ولن يسقط، وإن الفشل الذى تسبب فيه بعض الزعماء لن يحطم آمالنا ولن يصيبنا بالإحباط أو اليأس، فاليأس ليس من أخلاق المؤمنين .
وإن الملايين التى خرجت تعلن ولاءها لله ولرسوله وللجهاد فى سبيل الدين فى أعقاب اغتيال شيخ المجاهدين، هذه الملايين قادرة – إن حولت كلامها إلى عمل، وهتافها إلى نشاط، وحماسها إلى خطط أن تحقق آمال العرب والمسلمين ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(الرعد من الآية11) فابدأوا بأنفسكم ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى )(المائدة من الآية2) ( اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(آل عمران من الآية200)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صحبه وسلم ..
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع