في برنامج الاتجاه المعاكس يوم الثلاثاء الماضي ظهر المتحدث باسم حركة فتح السيد جمال نزال كرجل يحب الوئام والوفاق ويؤيد التوافق الوطني وينأى بنفسه عن الإتهامات المباشرة للآخرين…
في برنامج الاتجاه المعاكس يوم الثلاثاء الماضي، 14\11\2006، ظهر المتحدث باسم حركة فتح السيد جمال نزال كرجل يحب الوئام والوفاق ويؤيد التوافق الوطني وينأى بنفسه عن الإتهامات المباشرة للآخرين ظاناً أن المشاهد لا يعي غمزه ولمزه للحركة الأقوى في الساحة الفلسطينية ألا وهي حركة حماس. وهنا لا بد أن أسجل إعجابي بهدوء أعصابه وقدرته على الهروب من المطبات بشكل سلس ربما لا تجعل المستمع يلاحظها، وفي نفس الوقت لا بد من توضيح أنني لا أقصد بهذه الكلمات شخص الأخ جمال نزال، ولكن أقصد منهجاً مبرمجاً من الأطروحات والجمل يعتمد على طمس الحقائق والهنجعية الناعمة، وهذا النهج يلمسه القارئ بين ثنايا سطور بعض المواقع الفتحاوية، ويتحدث بصيغة هذا المنهج بعض القيادات الفتحاوية في المرحلة الحالية، مثل نهج خطاب محمد دحلان الأخير في جامعة الأقصى حينما تحدث قائلاً "عرضنا الشراكة في عام 96م ورفضت حماس الدخول في السلطة ونحمد الله أنهم توصلوا إلى هذه القناعة بعد سنوات وهذا شرف لفتح أن يلتحق بها الآخرين ولو بعد حين". وذلك لتبرير إشتراكهم في حكومة الوحدة الوطنية بعد إفلاسهم في تقويض الحكومة الحالية برغم كل المساعدات اللوجستية والمادية والسياسية التي قدمها العرب والغرب على السواء.
أود أن أبدأ بما انتهى به البرنامج حينما قال فيه جمال نزال أنه تربى في المساجد، ولكن أود أن أسأله عن صفات من تربى في المساجد، هل هو توضيح الحقائق أم طمسها، حينما ادعى في سياق البرنامج أن منظمة التحرير لم تسقط الخيار العسكري للتحرير نافياً أن تكون المنظمة قد أسقطت البند التاسع من ميثاقها المتعلق بالعمل العسكري، ولكي يدلل على صدقه أظهر النص معه للحوار، لكن السيد جمال نزال يعلم جيداً أن أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني صادقوا في غزة في 14\12\1998 على إلغاء مواد الميثاق الوطني الفلسطيني التي تدعو إلى القضاء على دولة إسرائيل وانتهاج العمل المسلح كخيار استرتيجي للتحرير، وكذلك تعديل بعضها الآخر التزاما لاتفاق واي بلانتيشن.
فالمواد الملغاة هي 6و 7 و 8 و 9 و 10 و 15 و 19 و 20 و 21 و 22 و 23 و30 أما المواد التي حذفت منها مقاطع فهي 1 و 2 و3 و 4 و 5 و 11 و 12 و 13 و 14 و 16 و 17 و 18 و 25 و 26 و 27 و 29.
وهنا نذكر إحدى البنود الملغاة من باب التوضيح لا الحصر وهي المادة التاسعة والتي أصر جمال نزال على تمسك المنظمة بها، فالمادة التاسعة الملغاة تنص على " الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك استراتيجيا وليس تكتيكا. ويؤكد الشعب الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدما نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه".
تحاول حركة فتح الظهور بمظهر الواعظ والأب الحاني ولكنها لا تستطيع أن تخرج من هنجعيتها والتي تظهر بوضوح، فبدأنا نسمع القول "أن فتح لم تعترف بإسرائيل، ولا أحد يطالب حماس بالإعتراف بإسرائيل"، إلى حد التجرأ بالقول -ولكن بأسلوب لطيف يعكس تلك الهنجعية- "أن فتح لن تسمح لحماس بالإعتراف بإسرائيل". وبدأنا نسمع بمصطلحات الوعظ ذات القفازات الناعمة لكنها يائسة، كالقول" أن فتح تساعد حماس من الخروج من عنق الزجاجة! يا سبحان الله!
فإذا كانت فتح لم تعترف "بإسرائيل"، فهل نصدق ذلك كلاماً أم عملاً؟ صحيح أننا قد لا نجد وثيقة من حركة فتح تدل على اعترافها بدولة العدو، لكن حينما أعلن ياسر عرفات ومن على منبر المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 قيام دولة فلسطين على أساس القرارات الدولية والتي تتكلم عن دولتين، ألم يكن هذا الإعلان بعد موافقة الغالبية العظمى من أعضاء المجلس الوطني عليه والتي تتكون من ممثلي فتح في المجلس بالإضافة للمستقلين الموالين لها؟ ثم هل الإجماع الذي أهداه المجلس الوطني لكلنتون عام 1998 بإلغاء وتعديل بعض القوانين من الميثاق – كما وضحنا سابقاً-، ألا يمثل اعترافاً فتحاوياً من قادتها ورموزها بالعدو وبنبذ ورفض الكفاح المسلح؟ وهنا لا بد من التذكير أن أبناء فتح متهمون بهذا المنطق، فهل هم بوجهين وأن عندهم انفصام في المبادئ، بحيث أنهم كأعضاء في فتح لا يعترفون بالعدو، ولكنهم كأبناء منظمة التحرير يعترفون بدولة العدو! أم أن ما يعلنونه لكسب عواطف الناس غير ما يتناولوه في أروقة ودهاليز السياسة؟ ثم أليست حركة فتح هي من قادة منظمة التحرير خلال العقود الثلاثة الماضية وكان لها الرأي الفصل في تحديد السياسات والتوجهات؟ وعليه فيبدو علينا قبل الإستماع لأي من قادة حركة فتح أن نطالبه بصفته التي يتحدث بها، كعضو في حركة فتح أو في المنظمة!
ثم نجد محاولة فتح الظهور بمظهر الحركة واسعة الصدر والتي تحملت خروق حركة "حماس" للدستور، وعدم اتباع حماس لما جاء في كتاب التكليف الذي بعثه أبو مازن لإسماعيل هنية! متعللين ببنود الدستور وبالمفاهيم والأعراف الديموقراطية! وهنا تقع فتح فيما دبرت له من القول، فالعرف الديمقراطي في العالم أن أي حزب أو زعيم يخسر حزبه الإنتخابات بعد تنصيبه حاكماً أو مسئولاً، فإنه إما يستقيل ويدعو لانتخابات جديدة، كما حدث مع المستشار الألماني الأخير جرهارد شرودر، والذي دعا لانتخابات مبكرة وأصبحت زعيمة المعارضة السيدة ميركل هي مستشارة ألمانيا الإتحادية، أو يقوم الحزب أو المسؤول بتغيير سياساته بما يتوافق مع القوة السياسية الراجحة، وهذا ما بدأ بوش الإبن به فور الإعلان عن النتائج النصفية للكونجرس الأمريكي الأخيرة، حيث خسر حزبه الإنتخابات وأصبح الديمقراطيون يملكون الأغلبية!. لقد كان ينبغي على الرئيس أن يحترم إرادة الشعب فيجعل مضمون الكتاب مطابقاً لما يريده معظم الشعب و خصوصاً أن النسبة كادت أن تصل إلى الثلثين.
وكذلك من العجيب أن يستخدم البعض من حركة فتح الوقائع التاريخية لتبرير مواقفه ولكن بطريقة الحديث عن نصف الحقيقة، كالقول أن أي حكومة تأتي لتلتزم بما وقعت عليه الحكومات السابقة من اتفاقيات! وقبل السرد التاريخي لمناقضة ذلك، فلنتكلم عن فائدة الإنتخابات وتداول السلطة في الأساس إذا كان من هو قادم سيلتزم بما هو عليه الحال؟ إذاً فلنبق كل في مكانه. أم أن من يتولى زمام الأمور ويعطيه الشارع ثقته يحق له النظر فيما يصلح أو لا يصلح من هذه الإتفاقيات؟ وتعمل الحكومات المتعاقبة على تعديل أو إلغاء ما تراه لا يخدم المصلحة العامة من الإتفاقيات، أو إبرام اتفاقيات جديدة؟
فعبد الناصر أمم قناة السويس وألغى الإتفاقيات الموقعة بالنسبة للقناة، ولعل أكثر كيان يتنكر لاتفاقياته هو الكيان الصهيوني، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها ما زالت متنكرة لبعض التزاماتها المالية للأمم المتحدة. وما يحدث الآن في فنزويلا وأمريكا اللاتينية من تغيير في العقود التجارية أو إلغاء بعضها وخصوصاً في مجال التنقيب عن حقول النفط، لخير دليل على بطلان ما يتم الإحتجاج به! ثم ألم تنفض حكومتي أسبانيا وإيطاليا الجديدتين أيديهم من تعهدات احكومات السابق للولايات المتحدة وقررتا سحب قوات بلديهما من العراق؟
إن حركة فتح تدرك بما لا يدع مجالاً للشك، أن حماس دخلت الإنتخابات التشريعية على أساس اتفاقية القاهرة الموقعة في مارس عام 2005، وليس على قاعدة أوسلو، لأن اتفاقية أوسلو بحد ذاتها تمنع حركة مجاهدة ومقاومة كحماس بدخول الإنتخابات، وهنا لا بد من التفاخر بالقول بأن مشاركة حركة حماس بالإنتخابات الأخيرة مثل حجر الزاوية في قبر اتفاقية أوسلو.
كما أن حركة فتح تدرك أيضاً بأن اشتراكها في حكومة الوحدة الوطنية إنقاذ لها في الدرجة الأولى بعدما استنفذت كل الوسائل لتقويض الحكومة الحالية، حتى التآمر العربي والدولي والصهيوني لم يمكنها من تنفيذ ما كانت تحلم به من عودة سريعة للسلطة، ومن عجائب الزمن أن يتحول عار المشاركة في حكومة تشكلها حماس إلى بطولة وطنية لإنقاذ ما يسمى بالمشروع الوطني! لقد خسرت فئة من حركة فتح و العالم العربي والغربي المتآمر معها بما فيه الصهيوني معركة جديدة ولكن بلون جديد ضد حركة حماس بعد تآمر شرم الشيخ سيئ السمعة حيث كان ياسر عرفات آنذاك من أبرز قادة التآمر.
كما أني أعلم يقيناً أن الكثير في حركة فتح بدأوا يدركون أن حركة حماس رائدة في المناورة السياسية بما لا يقل عبقرية عن ريادتها في مقارعة العدو عسكرياً و أمنياً. لقد علم الشعب الفلسطيني، من الذي يتمسك بالكراسي على حساب الثوابت والوطن، ومن الذي يتمسك بالثوابت و الوطن غير آبه بالكرسي مهما كان شكله.
لقد آن الأوان لحركة فتح أن تخرج من هنجعيتها المجملة باللطافة واللباقة المصطنعتين، وتصدق مع نفسها، ومع قواعدها ومع الشعب الفلسطيني، وتدرك أن الذي جاء بحماس دماء قادتها ورجالاتها وثوابتها الراسخة. كما عليها أن تدرك أن عليها إعادة صياغة أفكارها وطرق عملها، وتكون صادقة وشفافة مع الشعب، فطمس الحقائق وأسلوب الهنجعية اللطيفة سيضر بحركة فتح ولن ينفعها!.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع